محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

25من 33

أساسيات الحاسوب

الذكاء الاصطناعيّ على جهازك: متى يعمل النموذج في حاسوبك وأين حدوده

غلاف مقالة الذكاء الاصطناعيّ على جهازك: معالجٌ حديث مكشوف الغطاء على قماشٍ رماديّ داكن، في وسطه رقاقة سيليكون تلمع بالأزرق، وبجانبها شريحتا ذاكرةٍ سوداوان على الحامل نفسه. وفوق الصورة اسم السلسلة «أساسيّات الحاسوب» والرقم 25 من 33، وتحتها العنوان «الذكاء الاصطناعيّ على جهازك» وسطرٌ يقول: متى يعمل النموذج في حاسوبك، وكم يحتاج من الذاكرة، وأين حدوده.

حين تشغّل الترجمة الحيّة في Windows، فيظهر تحت الفيديو نصٌّ مترجم لما يقوله المتحدّث، فلا تغادر كلمةٌ واحدة من الصوت حاسوبك. وتقول Microsoft إنّ معالجة الصوت وتوليد الترجمات كلّها تجري على الجهاز نفسه، وإنّها في حواسيب Copilot+ تترجم من أكثر من 40 لغةً إلى الإنجليزيّة.[1] نموذج ذكاءٍ اصطناعيّ كامل يعمل داخل حاسوبك، دون خادمٍ بعيد ودون اتّصال. وقبل سنواتٍ قليلة كان هذا يحتاج إلى مركز بيانات.

رأيت في المقالات السابقة البرمجيّات بأنواعها، وكيف تُكتب وتعمل وتصلك. وفي هذا المقال ترى نوعًا جديدًا منها صار يسكن الحواسيب والهواتف: نماذج الذكاء الاصطناعيّ. ستعرف ما الذي يعنيه أن يعمل النموذج على جهازك بدل السحابة، ولماذا يحتاج إلى ذاكرةٍ كثيرة. ثمّ ترى وحدة المعالجة العصبيّة التي صارت في المعالجات، وما تقدّمه Windows وApple وGoogle على أجهزتك في أكتوبر 2026، وكيف تجرّب نموذجًا مفتوحًا بنفسك، وأين حدود ذلك كلّه.

على جهازك أم في السحابة؟

حين تسأل مساعدًا ذكيًّا سؤالًا، فأمام سؤالك طريقان. في الأوّل يُرسل سؤالك عبر الإنترنت إلى خادمٍ في مركز بيانات، يشغّل نموذجًا ضخمًا، ثمّ يعيد إليك الجواب. وفي الثاني يعمل نموذجٌ أصغر على معالج جهازك نفسه، فلا يغادر سؤالك الجهاز أصلًا. والأنظمة الحديثة تخلط بين الطريقين: تنفّذ ما تستطيعه على الجهاز، وترسل إلى السحابة ما يحتاج إلى نموذجٍ أكبر.

شكل 1 أين يُنفَّذ طلبك: على الجهاز أم في السحابة في اليمين طلبك، ثمّ النظام الذي يقرّر أين يُنفَّذ. ومنه طريقان: إلى الجهاز نفسه، وهو المميّز، حيث نموذجٌ صغير وبياناتك لا تغادر جهازك ويعمل دون اتّصال، أو إلى السحابة، حيث نموذجٌ أكبر وتُرسل بياناتك إلى خادم. طلبك سؤالٌ أو صورة أو نصّ النظام يقرّر أين يُنفَّذ على جهازك نموذجٌ صغير، وبياناتك لا تغادر في السحابة نموذجٌ أكبر، وبياناتك تُرسل والأوّل يعمل دون اتّصال، والثاني يحتاجه دائمًا أين يُنفَّذ طلبك: على الجهاز أم في السحابة طلبك، ثمّ النظام يقرّر، فإمّا على الجهاز المميّز ببياناتٍ لا تغادر، وإمّا في السحابة بنموذجٍ أكبر وبياناتٍ تُرسل. طلبك سؤالٌ أو صورة أو نصّ النظام يقرّر أين يُنفَّذ على جهازك بياناتك لا تغادر في السحابة بياناتك تُرسل والأوّل يعمل دون اتّصال
أين يُنفَّذ طلبك: يقرّر النظام بين الجهاز نفسه، حيث نموذجٌ صغير وبياناتك لا تغادر ويعمل دون اتّصال، والسحابة، حيث نموذجٌ أكبر وتُرسل بياناتك إلى خادم.

ولكلّ طريقٍ ثمنه. فالنموذج على الجهاز يحفظ خصوصيّتك، ويعمل في الطائرة، ويجيب دون انتظار الشبكة، لكنّه أصغر وأقلّ قدرة، ويستهلك ذاكرة جهازك وبطّاريّته. والنموذج في السحابة أقوى بكثير، لكنّه يحتاج إلى الاتّصال، ويرى ما ترسله إليه. فالسؤال الذي يستحقّ أن تسأله عن كلّ ميزة ذكاءٍ اصطناعيّ في جهازك هو: أين تجري؟

النموذج ملفٌّ من الأرقام

النموذج اللغويّ في جوهره ملفٌّ ضخم من الأرقام، تُسمّى المعاملات أو الأوزان، تعلّمها أثناء تدريبه. وحين تسأله، يجري المعالج عليها مليارات العمليّات الحسابيّة ليتوقّع الكلمة التالية، ثمّ التي بعدها. فنموذج Apple على الجهاز، بحسب ورقتها البحثيّة في يونيو 2025، نموذجٌ مضغوط بنحو ثلاثة مليارات معامل.[2] والنماذج الكبيرة في السحابة أكبر منه بعشرات المرّات أو مئاتها.

والنموذج لا يكتب الجواب دفعةً واحدة. فهو يقسم النصّ إلى قطعٍ صغيرة تسمّى الرموز، كلٌّ منها كلمةٌ أو جزءٌ من كلمة، ثمّ يتوقّع الرمز التالي، ويضيفه إلى ما سبق، ويتوقّع الذي بعده، وهكذا حتّى ينتهي. ولهذا ترى الجواب يظهر أمامك تدريجيًّا كأنّ أحدًا يكتبه. وكلّ رمزٍ جديد يحتاج إلى أن يمرّ الحساب على أوزان النموذج كلّها، فسرعة الجواب تتوقّف على سرعة قراءة هذه الأوزان من الذاكرة بقدر ما تتوقّف على قوّة المعالج.

والمحادثة الطويلة تأخذ ذاكرةً فوق ذاكرة الأوزان. فالنموذج يحتفظ بأثرٍ لكلّ ما قيل في المحادثة ليبني عليه، وهذا الأثر يكبر مع كلّ رسالة. ولهذا قد يعمل نموذجٌ جيّدًا في سؤالٍ قصير، ثمّ يبطؤ أو يتوقّف حين تعطيه مستندًا طويلًا ليلخّصه، لأنّ ذاكرة جهازك نفدت قبل أن ينتهي.

وكلّ معاملٍ يأخذ مكانًا في الذاكرة. وتقول وثائق Hugging Face إنّ النموذج يحتاج تقريبًا إلى غيغابايتين لكلّ مليار معامل إن خُزّنت أوزانه بدقّة 16 بت.[3] فنموذجٌ من ثمانية مليارات معامل يحتاج إلى نحو 16 غيغابايت لأوزانه وحدها، وهذا كلّ ذاكرة حاسوبٍ محمول عاديّ، قبل أن يعمل النظام أو أيّ برنامجٍ آخر. ولهذا رأيت في دليل الذاكرة أنّ Microsoft تشترط 16 غيغابايت على الأقلّ لحواسيب Copilot+.

والحلّ الذي يجعل النماذج تتّسع لأجهزتنا اسمه التكميم. وتقول Hugging Face إنّه يقلّل ما يحتاجه النموذج من الذاكرة بتخزين أوزانه بدقّةٍ أقلّ، كثمانية بتات أو أربعة بدل ستّة عشر.[4] وجدول Google لنماذج Gemma 4 يُظهر الأثر. فالنموذج الكبير بنحو 31 مليار معامل يحتاج إلى نحو 69.9 غيغابايت بالدقّة الكاملة، وإلى نحو 17.5 غيغابايت بالتكميم إلى أربعة بتات، لتحميل أوزانه وحدها.[5]

شكل 2 كم ذاكرةً يحتاج نموذجٌ من ثمانية مليارات معامل ثلاثة أشرطةٍ بمقياسٍ واحد تمتدّ من اليمين إلى اليسار، لنموذجٍ من ثمانية مليارات معامل. بدقّة 16 بت يحتاج نحو 16 غيغابايت، وبدقّة 8 بت نحو 8 غيغابايت، وبدقّة 4 بت، وهو الشريط المميّز، نحو 4 غيغابايت فقط. والقاعدة: عدد المعاملات ضرب ما يأخذه كلّ معامل من البايتات، للأوزان وحدها. دقّة 16 بت نحو 16 غيغابايت دقّة 8 بت نحو 8 غيغابايت دقّة 4 بت نحو 4 غيغابايت الذاكرة تقريبًا = عدد المعاملات × بايتات كلّ معامل، للأوزان وحدها كم ذاكرةً يحتاج نموذجٌ من ثمانية مليارات معامل نموذجٌ من ثمانية مليارات معامل: بدقّة 16 بت نحو 16 غيغابايت، وبدقّة 8 بت نحو 8، وبدقّة 4 بت المميّزة نحو 4 فقط. دقّة 16 بت: نحو 16 غيغابايت دقّة 8 بت: نحو 8 غيغابايت دقّة 4 بت: نحو 4 غيغابايت المعاملات × بايتات كلّ معامل
كم ذاكرةً يحتاج نموذجٌ من ثمانية مليارات معامل لأوزانه وحدها: نحو 16 غيغابايت بدقّة 16 بت، ونحو 8 بدقّة 8 بت، ونحو 4 فقط بدقّة 4 بت. والقاعدة: عدد المعاملات ضرب ما يأخذه كلّ معامل من البايتات.

والتكميم ليس مجّانيًّا تمامًا. فالأرقام الأقلّ دقّةً تعني إجاباتٍ أقلّ جودةً قليلًا، والفرق يكبر كلّما نزلت بالدقّة. لكنّ نموذجًا كبيرًا مكمَّمًا كثيرًا ما يتفوّق على نموذجٍ صغير بدقّةٍ كاملة يأخذ المساحة نفسها. ولهذا صار التكميم إلى أربعة بتات الخيار الشائع لمن يشغّل النماذج على حاسوبه.

وحدة المعالجة العصبيّة

رأيت في دليل المعالج أنّ كثيرًا من المعالجات صارت تحمل في رقاقتها وحدةً اسمها NPU، مخصّصةً لعمليّات الذكاء الاصطناعيّ. وتقيس الشركات قوّتها بوحدة TOPS، وهي كما تشرح Qualcomm تريليونات العمليّات في الثانية، المقياس الأساسيّ لأداء هذه الوحدات.[6] والرقم يُقاس عادةً بعمليّات أعدادٍ صحيحة من ثمانية بتات، فتقول Microsoft إنّ كثيرًا من وحدات NPU لا تدعم إلّا الحساب بالأعداد الصحيحة منخفضة الدقّة.[7]

وتشترط Microsoft وحدة NPU تؤدّي أكثر من 40 تريليون عمليّة في الثانية لكثيرٍ من ميزات Windows الجديدة.[7] وتعلن الشركات أرقامًا أعلى: فمعالج Snapdragon X2 Elite من Qualcomm يصل إلى 80 تريليون عمليّة بأعدادٍ من ثمانية بتات،[8] ووحدة AMD في سلسلة Ryzen AI 300 إلى 50 تريليون عمليّة.[9] وأعلنت Apple أنّ المحرّك العصبيّ في رقاقة M4 يؤدّي 38 تريليون عمليّة في الثانية.[10] ثمّ توقّفت الشركة عن نشر هذا الرقم مع رقاقتي M5 وM6، وصارت تتحدّث عن مضاعفاتٍ مقارنةً بالجيل السابق.[11]

فاقرأ هذه الأرقام بحذر. فهي أقصى ما تبلغه الوحدة في ظروفٍ مثاليّة، وبدقّةٍ محدّدة، ولا تقول شيئًا عن سرعة النموذج الذي تستعمله فعلًا. وكثيرٌ من النماذج المحلّيّة يعمل على معالج الرسوم أسرع ممّا يعمل على NPU، لأنّ ذاكرة بطاقة الرسوم أسرع، كما رأيت في دليل بطاقة الرسوم. وميزة NPU الكبرى أنّها توفّر الطاقة، فتشغّل ميزاتٍ صغيرة دائمة كتنقية صوت الميكروفون دون أن تستنزف البطّاريّة.

رقاقة سيليكون مستطيلة مائلة على سطحٍ أبيض، مقسّمةٌ إلى مناطق ملوّنة بالأزرق والأصفر والأخضر، لكلّ منطقةٍ نسيجٌ دقيق من الخطوط.
رقاقة الحوسبة في معالج Intel Core Ultra من جيل Lunar Lake، مصوّرةً بعد نزع غطائها: في سيليكونٍ واحد تجتمع أنوية المعالج والرسوميّات ووحدة NPU التي تشغّل ميزات الذكاء الاصطناعيّ بطاقةٍ قليلة.FritzchensFritz، رخصة CC0، Wikimedia Commons

ذكاءٌ اصطناعيّ تستعمله دون أن تنتبه

النماذج اللغويّة أحدث ما وصل إلى الأجهزة، لكنّها ليست أوّله. فهاتفك يعرف وجهك حين تنظر إليه، ويقترح الكلمة التالية وأنت تكتب، ويبحث في صورك عن «شاطئ» أو «قطّة» دون أن ترفعها إلى أيّ مكان، ويحسّن الصورة لحظة التقاطها. وكلّ هذه نماذج تعلّم آليّ صغيرة تعمل على الجهاز منذ سنوات، وكثيرٌ منها على الوحدة العصبيّة نفسها.

والفرق أنّ هذه النماذج القديمة متخصّصة: كلٌّ منها يتقن مهمّةً واحدة ضيّقة. أمّا النموذج اللغويّ فعامّ، يلخّص ويترجم ويكتب ويجيب، ولهذا يحتاج إلى معاملاتٍ أكثر بكثير، وإلى ذاكرةٍ أكبر. وانتقال هذا النوع العامّ إلى الأجهزة هو ما تغيّر في السنتين الأخيرتين.

ما يعمل على Windows

أغلب ما تقدّمه Microsoft على حواسيب Copilot+ يعمل محلّيًّا. فميزة Windows Studio Effects، التي تحسّن صورتك وصوتك في مكالمات الفيديو، تحتاج إلى وحدة NPU لتعمل.[12] وميزة Click to Do تعطيك اختصاراتٍ لتلخيص أيّ نصٍّ تراه على الشاشة أو إعادة صياغته أو نسخه.[13]

وأكثر الميزات جدلًا اسمها Recall، تلتقط صورًا دوريّة لشاشتك لتبحث فيها لاحقًا بالوصف. وبعد اعتراضاتٍ كثيرة على الخصوصيّة، تقول Microsoft إنّ حفظ اللقطات غير مفعّلٍ افتراضيًّا، وإنّ عليك أن تختاره بنفسك. وتقول كذلك إنّ اللقطات تُحفظ مشفّرةً على قرصك، ولا تُشارك مع Microsoft ولا مع غيرها، وتحميها بصمتك أو وجهك عبر Windows Hello قبل أن تفتحها.[14] وكانت الميزة ما تزال توصف بالتجريبيّة حين وصلت إلى المستخدمين في أبريل 2025 مع تحديثٍ اختياريّ.[13]

وتحت هذه الميزات نموذجٌ لغويّ صغير يعمل على الجهاز اسمه Phi Silica، تصفه Microsoft بأنّه نموذجٌ لغويّ محلّيّ يسرّعه العتاد. لكنّ الشركة أعلنت أنّه سيُستبدل بنموذجٍ جديد اسمه Aion Instruct، يصل إلى الأجهزة التجاريّة في يناير 2027 بعد تجربته على المختبرين.[15] وتنصح Microsoft المطوّرين بأن يستعملوا Windows ML لتشغيل نماذجهم على وحدة NPU في الجهاز.[7]

ما يعمل على أجهزة Apple

بنت Apple خدمتها Apple Intelligence على الطريقين معًا. ففي يونيو 2025 فتحت للمطوّرين إطارًا اسمه Foundation Models، يعطيهم وصولًا إلى نموذجها على الجهاز، وقالت إنّه يعمل دون اتّصال، ويحمي الخصوصيّة، ولا يكلّف المطوّر شيئًا مقابل كلّ استعمال.[16] ثمّ أعلنت في 8 يونيو 2026 الجيل الثالث من نماذجها، وقالت إنّه عائلةٌ من خمسة نماذج بُنيت بالتعاون مع Google، منافستها في سوق الهواتف.[17]

ومن هذه العائلة نموذجٌ أساسيّ بثلاثة مليارات معامل، ونموذجٌ متقدّم بعشرين مليارًا لا يعمل منها في كلّ لحظةٍ إلّا ما بين مليارٍ وأربعة.[17] وهذه حيلةٌ معماريّة تسمّى التفعيل المتناثر: النموذج كبير على القرص، لكنّه لا يحسب إلّا بجزءٍ صغيرٍ منه لكلّ كلمة، فيقترب من جودة النماذج الكبيرة بكلفة حسابٍ أقرب إلى الصغيرة.

والنموذج على جهازك يتغيّر مع تحديثات النظام. فحين تحدّث Apple نظامها أو Google خدمات Android، قد يصلك نموذجٌ جديد أذكى من سابقه، بحجم غيغابايتاتٍ عدّة، دون أن تثبّت شيئًا بنفسك. ولهذا قد تلاحظ أنّ ميزةً ذكيّة في هاتفك صارت أفضل فجأة بعد تحديث، أو أنّ التحديث نفسه صار أكبر ممّا اعتدت.

وما لا يقدر عليه الجهاز يذهب إلى ما تسمّيه Apple الحوسبة السحابيّة الخاصّة. وتقول الشركة إنّ تصميمها يشترط ألّا تُحفظ بيانات المستخدم بعد إعادة الجواب إليه، ولا حتّى في سجلّات الأخطاء، وإنّ على الباحثين الأمنيّين أن يستطيعوا التحقّق من هذه الضمانات بأنفسهم.[18] فهي محاولةٌ لأخذ قوّة السحابة مع وعدٍ بخصوصيّةٍ قريبة من خصوصيّة الجهاز، والوعد هنا قابلٌ للفحص من خارج الشركة، وهذا ما يميّزه.

ما يعمل على Android وفي المتصفّح

في Android يعمل نموذج Google الصغير Gemini Nano داخل خدمةٍ في النظام اسمها AICore. وتقول Google إنّها تستعمل عتاد الجهاز لتجيب بسرعة، وإنّها لا تحفظ أيّ سجلٍّ للمدخلات ولا للنتائج بعد معالجتها.[19] فالتطبيقات تطلب من النظام أن يلخّص أو يقترح ردًّا، والنظام يشغّل النموذج المشترك، كما رأيت في مقال أنظمة الهواتف أنّ النظام يتولّى الإشعارات بدل التطبيقات.

وصار متصفّح Chrome نفسه يحمل نموذجًا على الجهاز تستعمله المواقع. فواجهات الترجمة واكتشاف اللغة والتلخيص مستقرّةٌ منذ الإصدار 138، أمّا واجهة الأسئلة العامّة فصارت مستقرّةً على الويب في الإصدار 148 بعد أن بدأت في الإضافات.[20] ولهذا ثمنٌ في العتاد. فتشترط Google مساحةً حرّة لا تقلّ عن 22 غيغابايت، وبطاقة رسومٍ بأكثر من 4 غيغابايت من الذاكرة، أو بدلها 16 غيغابايت من الذاكرة الرئيسيّة مع أربع أنوية على الأقلّ.[21]

وما تستفيده أنت من ذلك أنّ موقعًا يستطيع أن يترجم لك نصًّا أو يلخّص مقالًا بالنموذج الموجود في متصفّحك، دون أن يرسل ما تقرؤه إلى خوادمه. والمتصفّح ينزّل النموذج مرّةً واحدة ويشاركه بين المواقع كلّها، كما يتقاسم النظام في الهاتف نموذجه بين التطبيقات. فإن كان جهازك دون هذه الشروط، فستعمل المواقع نفسها، لكنّها ستلجأ إلى السحابة أو تخفي الميزة.

شغّل نموذجًا مفتوحًا بنفسك

لست مضطرًّا إلى انتظار ما تقدّمه الشركات. فالنماذج المفتوحة متاحة، تنزّلها وتشغّلها على حاسوبك. وأشهر الأدوات مشروع llama.cpp، الذي يصف نفسه بأنّه محرّك لتشغيل النماذج اللغويّة مكتوبٌ بلغتي C وC++، ويدعم التكميم من بتٍّ ونصف إلى ثمانية بتات لتقليل الذاكرة وتسريع العمل.[22] ويستطيع أن يقسم النموذج بين المعالج وبطاقة الرسوم، فيشغّل نماذج أكبر من ذاكرة البطاقة.

وتأتي النماذج لهذه الأدوات غالبًا بصيغة ملفٍّ اسمها GGUF، تقول Hugging Face إنّها صيغةٌ ثنائيّة مصمّمةٌ لتحميل النماذج وحفظها بسرعة.[23] وأسهل الطرق للمبتدئ أداة Ollama، التي تعمل على الأنظمة الثلاثة الكبرى للحاسوب.[24] وانتبه إلى نقطةٍ فيها: صفحة التنزيل نفسها تقول إنّها تشغّل النماذج المفتوحة بطريقتين، على حاسوبك أو في سحابة الشركة نفسها.[25] فإن كانت الخصوصيّة سبب اختيارك، فتأكّد أنّ النموذج الذي تشغّله محلّيّ.

أمّا النماذج نفسها فكثيرة. ففي 2 أبريل 2026 أصدرت Google عائلة Gemma 4 بأحجامٍ تبدأ من مليارين فعليّين، برخصة Apache 2.0 التي تسمح بالاستعمال التجاريّ.[26] ونموذج Phi-4-mini من Microsoft بنحو 3.8 مليار معامل، برخصة MIT المفتوحة كذلك.[27] وعائلة Qwen3.5 من Alibaba بأحجامٍ تبدأ من أقلّ من مليار معامل، برخصة Apache 2.0 كذلك.[28] فنموذجٌ صغير من هذه العائلات، مكمَّمٌ إلى أربعة بتات، يعمل على أغلب الحواسيب الحديثة بذاكرةٍ من 16 غيغابايت.

نافذة محادثة داكنة: في يسارها قائمةٌ بالمحادثات، وفي وسطها سؤالٌ قصير بالإنجليزيّة وتحته جوابٌ طويل من النموذج مقسّمٌ إلى فقرات، وفي الأسفل خانةٌ لكتابة الرسالة واسم النموذج.
واجهة llama.cpp في المتصفّح وهي تشغّل نموذجًا من عائلة Qwen3.5 على الجهاز نفسه: سؤالٌ وجوابٌ دون أن يغادر شيءٌ منهما الحاسوب.The ggml authors، رخصة MIT، Wikimedia Commons

لماذا تشغّله محلّيًّا؟

السبب الأوّل الخصوصيّة. فالمستند الذي تلخّصه، والرسالة التي تطلب صياغتها، والصورة التي تصفها، كلّها تبقى على جهازك. وهذا يهمّ حين تعمل على ملفّاتٍ لا تملك أن ترسلها إلى غيرك، كأوراق العمل أو المعلومات الطبّيّة. والسبب الثاني الاستقلال: النموذج يعمل في الطائرة وفي انقطاع الإنترنت، ولا يتغيّر فجأةً لأنّ شركةً حدّثته أو أوقفته.

والسبب الرابع السرعة في المهامّ الحيّة. فالترجمة التي تظهر تحت فيديو يعمل الآن، وتنقية صوتك في مكالمة، وتحسين الصورة لحظة التقاطها، كلّها لا تحتمل أن تذهب كلّ ثانيةٍ منها إلى خادمٍ بعيد ثمّ تعود. ولهذا كانت هذه المهامّ أوّل ما انتقل إلى الأجهزة، قبل المساعدات التي تكتب وتلخّص بزمن.

والسبب الثالث أوسع من جهازك. فتقول وكالة الطاقة الدوليّة إنّ مراكز البيانات استهلكت في 2024 نحو 415 تيراواط ساعة، أي نحو 1.5 بالمئة من كهرباء العالم. وتتوقّع أنّ استهلاكها سيتضاعف إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030، أي أكثر من الضعف.[29] والذكاء الاصطناعيّ من أكبر أسباب هذا النموّ. ولم أجد مصدرًا أوّليًّا يقارن بدقّة طاقة السؤال على الجهاز بطاقته في السحابة، فلن أقول إنّ أحدهما أوفر. لكنّ كلّ ما يُنجز على جهازك هو عملٌ لا يحتاج إلى خادمٍ إضافيّ.

الحدود: ما لا يفعله النموذج المحلّيّ

النموذج الصغير أضعف من الكبير، والفرق يأتي من الحجم نفسه. فهو يخطئ أكثر في الأسئلة المعقّدة، ويعرف أقلّ عن الأحداث الأخيرة، وقد يكتب جوابًا واثقًا وخاطئًا. وتقول Google عن تطبيقات Gemini نفسها إنّ النماذج اللغويّة قد تهلوس فتقدّم معلوماتٍ غير دقيقة على أنّها حقائق.[30] وهذا يصدق على كلّ النماذج، كبيرها وصغيرها، فتحقّق ممّا يقوله لك قبل أن تعتمد عليه.

وهناك خطرٌ أمنيّ جديد. فتضع منظّمة OWASP «حقن الأوامر» في أوّل قائمتها لمخاطر تطبيقات النماذج اللغويّة، وتعرّفه بأنّه ما يحدث حين تغيّر مدخلاتٌ سلوك النموذج أو مخرجاته بطرقٍ غير مقصودة.[31] فالمساعد الذي يقرأ بريدك أو صفحات الويب نيابةً عنك قد يقرأ فيها تعليماتٍ مخفيّة كتبها مهاجم، فينفّذها كأنّها منك. ولهذا انتبه إلى الصلاحيّات التي تعطيها لأيّ مساعدٍ ذكيّ، محلّيًّا كان أو سحابيًّا، كما رأيت في مقال أمان الحاسوب.

وللنموذج المحلّيّ ثمنٌ في العتاد أيضًا. فهو يأخذ من قرصك غيغابايتاتٍ كثيرة، ومن ذاكرتك أثناء عمله، ومن بطّاريّتك إن عمل على معالج الرسوم. فحاسوبٌ بذاكرةٍ من 8 غيغابايت يستطيع تشغيل نموذجٍ صغير من الفئات الدنيا، لكنّه سيبطئ كلّ ما عداه وهو يعمل.

وانتبه إلى اللغة أيضًا. فالنماذج الصغيرة تُدرَّب في الغالب على نصوصٍ إنجليزيّة أكثر من غيرها، فقد تجد نموذجًا يجيب بالإنجليزيّة إجاباتٍ جيّدة، ثمّ يتعثّر في العربيّة نحوًا وتعبيرًا، أو يخلط بين الفصحى واللهجات. فإن كنت ستعتمد على نموذجٍ محلّيّ في عملك بالعربيّة، فجرّبه بأسئلتك أنت وبنصوصك أنت قبل أن تقرّر، وقارنه بنموذجٍ أكبر في المهمّة نفسها.

هل تحتاج إلى «حاسوب ذكاءٍ اصطناعيّ»؟

توقّعت مؤسّسة Gartner للأبحاث أن تشكّل الحواسيب المزوّدة بوحدات NPU نحو 31 بالمئة من سوق الحواسيب بنهاية 2025، ونحو 55 بالمئة في 2026، أي أكثر من نصف الحواسيب الجديدة.[32] وهذه توقّعاتٌ وليست أرقامًا مقيسة، لكنّها تقول إنّ أغلب الحواسيب الجديدة ستحمل هذه الوحدة سواءٌ طلبتها أم لا.

فإن كنت ستشتري حاسوبًا الآن، فلا تجعل الوحدة العصبيّة سبب الشراء الأوّل. اسأل عن الذاكرة قبلها، فستّة عشر غيغابايت هي الحدّ الذي تبدأ عنده أغلب الميزات المحلّيّة، وأكثر منها أفضل إن أردت تشغيل نماذج مفتوحة. ثمّ اسأل عن الميزات التي ستستعملها فعلًا. فإن كانت الترجمة الحيّة وتحسين المكالمات، فوحدة NPU مفيدة، وإن كان عملك كلّه مع مساعدٍ في المتصفّح، فهو يعمل في السحابة على أيّ حاسوب.

بطاقة رسومٍ كبيرة رماديّة على مكتبٍ خشبيّ، عليها ثلاث مراوح متجاورة، وفي طرفها أسنان التوصيل التي تُركَّب في اللوحة الأمّ.
بطاقة رسوم GeForce RTX 3090 بذاكرة 24 غيغابايت: ذاكرة البطاقة، لا قوّة وحدة NPU، هي ما يحدّد غالبًا أكبر نموذجٍ تستطيع تشغيله بسرعة على حاسوبك.PantheraLeo1359531، رخصة CC BY 4.0، Wikimedia Commons

جرّبه بنفسك

في Windows افتح مدير المهامّ وانتقل إلى تبويب الأداء: إن كان في حاسوبك وحدة NPU، فقد تراها في القائمة بجانب المعالج وبطاقة الرسوم، مع نسبة استعمالها. شغّل مكالمة فيديو بتأثيرات Studio Effects، وراقب الوحدة وهي تعمل بينما يبقى المعالج هادئًا. وفي Mac افتح الإعدادات ثمّ Apple Intelligence لترى الميزات المتاحة على جهازك.

وإن أردت أن تشغّل نموذجًا مفتوحًا، فثبّت Ollama من موقعها الرسميّ، ثمّ اختر نموذجًا صغيرًا من عائلة Gemma أو Phi أو Qwen، ونزّله وجرّبه. وراقب في مدير المهامّ كم يأخذ من الذاكرة. ثمّ افصل الإنترنت واسأله سؤالًا آخر: إن أجاب، فهو يعمل على جهازك فعلًا. وقارن جوابه بجواب مساعدٍ سحابيّ في السؤال نفسه، فترى بعينك الفرق في الجودة والسرعة.

رأيت في هذا الجزء البرمجيّات كلّها، من نظام التشغيل إلى النماذج التي تعمل داخله. وحان الوقت لتعود إلى العتاد بنظرةٍ أوسع: ما الفرق بين الحاسوب المكتبيّ والمحمول والجهاز اللوحيّ والخادم، وأيّها يناسب عملك؟ هذا موضوع مقال أنواع الحواسيب.

المصادر

  1. Microsoft Support، «Use live captions to better understand audio»، قُرئت في أكتوبر 2026: «All processing of audio and generation of captions from detected voice data occurs on-device»؛ «from over 40 languages into English».
  2. Apple Machine Learning Research، «Updates to Apple’s On-Device and Server Foundation Language Models»، 9 يونيو 2025: «a compact, approximately 3-billion-parameter model».
  3. Hugging Face، «Optimizing LLMs for Speed and Memory»، قُرئت في أكتوبر 2026: «requires roughly 2 * X GB of VRAM in bfloat16/float16 precision».
  4. Hugging Face، «Quantization overview»، قُرئت في أكتوبر 2026: «Quantization lowers the memory requirements of loading and using a model by storing the weights in a lower precision».
  5. Google AI for Developers، «Gemma models overview»، يوليو 2026: Gemma 4 31B بنحو 69.9 GB بدقّة BF16 ونحو 17.5 GB بالتكميم Q4_0؛ «the memory required to load the static model weights».
  6. Qualcomm، «What TOPS Means»، قُرئت في أكتوبر 2026: «TOPS, or trillions of operations per second, is the cornerstone performance metric for NPUs».
  7. Microsoft Learn، «Copilot+ PCs developer guide»، أغسطس 2026: «require an NPU with the ability to run at 40+ TOPS»؛ «only support integer math in lower bit format, such as INT8»؛ «use Windows ML».
  8. Qualcomm، «Snapdragon X2 Elite Product Brief»، قُرئت في أكتوبر 2026: «TOPS (INT8) 80».
  9. AMD، «AMD Ryzen AI 300 Series announcement»، 2 يونيو 2024: «this new NPU offers 50 TOPS of AI processing power».
  10. Apple Newsroom، «Apple introduces M4 chip»، 7 مايو 2024: «capable of an astounding 38 trillion operations per second».
  11. Apple Newsroom، «Apple introduces M6»، 25 أغسطس 2026: «Dual 16-core Neural Engine, providing up to 2x the peak compute over previous generations».
  12. Microsoft Support، «Windows Studio Effects»، قُرئت في أكتوبر 2026: «require a neural processing unit (NPU) and the latest Windows updates».
  13. Windows Experience Blog، «Copilot+ PCs: now with more AI features»، 25 أبريل 2025: «Recall is an opt-in experience»؛ «Click to Do provides contextual shortcuts to relevant actions like summarizing, rewriting».
  14. Microsoft Support، «Retrace your steps with Recall»، قُرئت في أكتوبر 2026: «You need to opt in to saving snapshots»؛ «saved and encrypted to your local hard drive»؛ «does not share snapshots… with Microsoft or third parties».
  15. Microsoft Learn، «Get started with Phi Silica»، 2 أكتوبر 2026: «a powerful hardware-accelerated local language model»؛ «Phi Silica is being replaced by Aion Instruct»؛ للأجهزة التجاريّة في يناير 2027.
  16. Apple Newsroom، «Apple Intelligence gets even more powerful»، 9 يونيو 2025: «available when they’re offline, and that protect their privacy, using AI inference that is free of cost».
  17. Apple Machine Learning Research، «Introducing the Third Generation of Apple’s Foundation Models»، 8 يونيو 2026: «custom-built in collaboration with Google»؛ «this 20-billion-parameter model uses a sparse architecture, activating just 1 to 4 billion parameters at a time».
  18. Apple Security Research، «Private Cloud Compute: A new frontier for AI privacy in the cloud»، 10 يونيو 2024: «user data must not be retained, including via logging or for debugging»؛ «security researchers must be able to verify».
  19. Android Developers، «Gemini Nano»، سبتمبر 2026: «runs in Android’s AICore system service»؛ «doesn’t store any record of the input data or the resulting outputs».
  20. Chrome for Developers، «Built-in AI APIs: status»، قُرئت في أكتوبر 2026: Translator وLanguage Detector وSummarizer مستقرّة منذ Chrome 138، وPrompt API على الويب منذ Chrome 148.
  21. Chrome for Developers، «Get started with built-in AI»، قُرئت في أكتوبر 2026: «At least 22 GB of free space»؛ «Strictly more than 4 GB of VRAM» أو «16 GB of RAM or more and 4 CPU cores or more».
  22. llama.cpp، «ggml-org/llama.cpp»، قُرئ في أكتوبر 2026: «LLM inference in C/C++»؛ «1.5-bit… and 8-bit integer quantization»؛ «CPU+GPU hybrid inference».
  23. Hugging Face، «GGUF»، قُرئت في أكتوبر 2026: «a binary format that is optimized for quick loading and saving of models».
  24. Ollama، «Ollama»، قُرئت في أكتوبر 2026: «the most popular way to build with open models»؛ لنظم macOS وWindows وLinux.
  25. Ollama، «Download Ollama»، قُرئت في أكتوبر 2026: «Ollama runs open models in two ways: Locally, on this computer… In Ollama’s cloud».
  26. Google، «Gemma 4»، 2 أبريل 2026: «four versatile sizes: Effective 2B (E2B), Effective 4B (E4B), 26B Mixture of Experts (MoE) and 31B Dense»؛ «Apache 2.0 license».
  27. Microsoft، «Phi-4-mini-instruct»، فبراير 2025: 3.8 مليار معامل، رخصة MIT.
  28. Qwen، «Qwen3.5-4B»، فبراير 2026: رخصة Apache-2.0، وأحجام العائلة من 0.8B إلى 397B.
  29. International Energy Agency، «Energy and AI: Executive summary»، أبريل 2025: «around 1.5% of the world’s electricity consumption in 2024, or 415 terawatt-hours»؛ «around 945 TWh by 2030».
  30. Google، «Gemini Apps Privacy Hub»، قُرئت في أكتوبر 2026: «can hallucinate and present inaccurate information as factual».
  31. OWASP GenAI، «LLM01:2025 Prompt Injection»، 2025: «occurs when user prompts alter the LLM’s behavior or output in unintended ways».
  32. Gartner، «AI PCs Will Represent 31% of Worldwide PC Market by the End of 2025»، 28 أغسطس 2025: «projected to represent 55% of total PC market in 2026».

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة