محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

02من 28

أساسيات الحاسوب

البِت والبايت والنظام الثنائيّ: ولماذا يظهر قرص 1TB بسعة 931GB؟

قلتُ في مقال المدخل إنّ كلّ ما في جهازك، من نصٍّ إلى صورةٍ إلى أغنية، ليس في أعماقه إلّا أصفارًا وآحادًا. وعدٌ يبدو غريبًا. كيف يُبنى هذا العالم الغنيّ من رمزين اثنين فقط؟ ولماذا اختار الحاسوب رمزين لا عشرة كما يعدّ البشر؟ والأهمّ عمليًّا: لماذا يظهر قرصٌ اشتريتَه بسعة واحد تيرابايت في حاسوبك بسعة 931 جيجابايت فقط، وكأنّ أحدهم سرق منك الفرق؟

ثلاثة أسئلة، جوابها واحد: النظام الثنائيّ ووحدات قياسه. يبدأ هذا المقال من أصغر وحدةٍ في الحوسبة، البِت، ويصعد حتّى التيرابايت، ويكشف في الطريق سوء فهمٍ يقع فيه كلّ من كتب عن القرص الناقص تقريبًا. ما ستقرؤه هنا يفسّر سطرًا تراه كلّ يومٍ على جهازك ولا تعرف سرّه.

البِت: الذرّة التي يُبنى منها كلّ شيء

البِت (bit) أصغر وحدة معلوماتٍ في الحاسوب. قيمته إمّا صفرٌ وإمّا واحد، لا ثالث لهما. وراء هذين الرمزين حقيقةٌ ماديّةٌ بسيطة: داخل جهازك ملايين المفاتيح الإلكترونيّة الدقيقة، كلٌّ منها إمّا يمرّ فيه تيّارٌ أو لا يمرّ، إمّا جهدٌ عالٍ أو منخفض. تُمثَّل الحالة الأولى بالواحد والثانية بالصفر. هذا كلّ ما هنالك.

بِتٌ واحدٌ يخبرك بأمرٍ من أمرين فقط: نعم أو لا، مضاءٌ أو مطفأ، ذكرٌ أو أنثى. معلومةٌ ضئيلةٌ وحدها. لكنّ القوّة تولد حين تصفّ البتات معًا، فيتضاعف ما تستطيع تمثيله مع كلّ بِتٍ تضيفه: بِتان يعطيانك أربع حالات، وثلاثة بتاتٍ ثماني حالات، وكلّ بِتٍ جديدٍ يضاعف العدد. هذه المضاعفة المتسارعة هي سرّ اللعبة كلّها.

واسم «بِت» نفسه له حكاية. هو اختصارٌ لعبارةٍ إنجليزيّةٍ تعني «الرقم الثنائيّ»، صاغه عالم الرياضيّات كلود شانون في بحثه الشهير عام 1948 الذي أسّس نظريّة المعلومات كلّها. أي أنّ اللبنة التي يقوم عليها هذا المقال ليست مصطلحًا عابرًا، بل مفهومٌ وُلد مع علمٍ كامل، وما زال أساسه حتّى اليوم.

لماذا رمزان لا عشرة؟

هنا يقع أكثر الناس في وهمٍ شائع: أنّ الحاسوب «لا يعرف العدّ إلّا إلى اثنين». هذا غير صحيح. الحاسوب يستطيع تمثيل أيّ رقمٍ مهما كبر، لكنّه يفعل ذلك بالثنائيّ لسببٍ هندسيٍّ عميق، لا لعجزٍ في العدّ.

السبب هو الموثوقيّة. تخيّل أنّك أردتَ استعمال عشر حالاتٍ للتمثيل العشريّ، أي عشرة مستوياتٍ مختلفةٍ من الجهد الكهربائيّ في السلك الواحد. أيّ اهتزازٍ بسيطٍ في التيّار، وهو أمرٌ يحدث دائمًا، قد يخلط المستوى الرابع بالخامس فتفسد البيانات. أمّا حالتان فقط، «يوجد تيّار» و«لا يوجد»، فالفرق بينهما هائلٌ وواضحٌ يصعب الخلط فيه مهما اهتزّ التيّار.

الثنائيّ إذن اختيارٌ ذكيٌّ لا ضرورةٌ قاصرة. حالتان متباعدتان تعنيان مناعةً ضدّ الخطأ، ودوائر إلكترونيّةً أبسط وأرخص وأسرع، وتطابقًا تامًّا مع منطق الصواب والخطأ الذي تُبنى عليه المعالجة. لهذا لم تتخلّ الحوسبة عن الثنائيّ منذ أوّل حاسوبٍ إلكترونيٍّ في الأربعينيّات حتّى معالج هاتفك اليوم، رغم كلّ ما تغيّر.

وثمّة ربطٌ جميلٌ يستحقّ الذكر. الصفر والواحد لا يمثّلان الأرقام فقط، بل يتطابقان مع «خطأ» و«صواب» في المنطق. وهذا يتيح للحاسوب أن يبني قراراته من عناصر بسيطةٍ تُسمّى البوّابات المنطقيّة، تأخذ صفرًا وواحدًا وتخرج نتيجةً حسب قاعدةٍ ثابتة. من هذه اللبنة الصغيرة، المكرّرة ملايين المرّات، يُبنى كلّ ما يفعله المعالج. لكنّ تفصيل ذلك حديثٌ آخر.

البايت: ثمانية بتاتٍ و256 احتمالًا

البِت وحده صغيرٌ لا يكفي لتمثيل حرفٍ أو رقم. لذلك جمعت الحوسبة البتات في وحداتٍ أكبر، أشهرها البايت (byte): ثمانية بتاتٍ معًا. لماذا ثمانية بالذات؟ لأنّها العدد الذي يكفي بالضبط لتمثيل حرفٍ واحدٍ في أوّل معايير الترميز.

لم يكن الثمانية رقمًا مقدّسًا من البداية. جرّبت حواسيب أولى أطوالًا مختلفةً للبايت، ستّة بتاتٍ أو سبعة. لكنّ الثمانية انتصرت وترسّخت معيارًا عالميًّا مع انتشار حواسيب شركة آي بي إم في السبعينيّات، لأنّها توازنٌ عمليٌّ: كبيرةٌ بما يكفي لحرفٍ ورمز، صغيرةٌ بما يكفي كي لا تهدر. ومنذ ذلك الحين، البايت ثمانية بتاتٍ في كلّ جهازٍ تلمسه.

احسبها معي. كلّ بِتٍ يضاعف الاحتمالات، وثمانية بتاتٍ تعني اثنين مرفوعًا للأسّ ثمانية، أي 256 تركيبةً مختلفةً من الأصفار والآحاد. رقمٌ صغيرٌ لكنّه سحريّ: 256 قيمةً تكفي لكلّ الحروف الإنجليزيّة كبيرها وصغيرها، والأرقام العشرة، وعلامات الترقيم، ورموزٍ أخرى، وهو ما فعله معيار ASCII الذي رافق الحوسبة عقودًا.[1]

القيم الـ256 تُعدّ من صفرٍ إلى 255، لا من واحدٍ إلى 256، لأنّ الصفر قيمةٌ كاملةٌ في الحوسبة لا فراغ. حين ترى لاحقًا أنّ لون كلّ قناةٍ في الصورة يتراوح بين صفرٍ و255، اعرف أنّك تنظر إلى بايتٍ واحد. هذا الرقم، 255، سيلاحقك في كلّ مكانٍ من عالم الحاسوب، وقد صرتَ تعرف الآن من أين جاء.

البِت والبايت في سرعة الإنترنت: خدعةٌ في الأرقام

هنا خلطٌ يقع فيه الملايين، ويكلّفهم شعورًا بالغبن كلّ شهر. اشتريتَ باقة إنترنتٍ سرعتها 100، ثمّ لاحظتَ أنّ الملفّات تُنزَّل عندك بسرعةٍ لا تتجاوز 12 أو 13. هل خدعتك الشركة؟ لا، وقعتَ في فخّ البِت والبايت.

القاعدة التي يجهلها أكثر الناس: سرعة الإنترنت تُقاس بالبِت، وحجم الملفّات يُقاس بالبايت. حين تقول الشركة «100 ميغابت في الثانية»، فهي تعني ميغابت لا ميغابايت، والفرق بينهما ثمانية أضعاف كما عرفتَ. اقسم المئة على ثمانية، تحصل على نحو 12.5 ميغابايت في الثانية. هذه هي السرعة الفعليّة لتنزيل ملفّاتك، وهي صحيحةٌ تمامًا لا نقص فيها.

وهذه التفرقة ليست في الإنترنت وحده. سرعات نقل البيانات عمومًا، من الشبكة المحلّيّة إلى منافذ التوصيل، تُقاس غالبًا بالبِت، بينما أحجام الملفّات بالبايت. فمتى رأيت سرعةً، توقّف واسأل: أهي بِتٌ أم بايت؟ الفرق ثمانية أضعافٍ يقلب تقديرك رأسًا على عقب إن أخطأتَ الوحدة.

الدليل في الرمز نفسه، لو انتبهتَ إليه. البِت يُرمز له بحرف b صغير، والبايت بحرف B كبير. فسرعة الإنترنت تُكتب Mbps بالباء الصغيرة (ميغابت)، وحجم التنزيل يُكتب MB/s بالباء الكبيرة (ميغابايت). حرفٌ واحدٌ صغيرٌ أو كبيرٌ يغيّر المعنى ثمانية أضعاف، وشركات الإنترنت تختار الوحدة التي تُظهر رقمًا أكبر عمدًا.

فحين ترى إعلانًا يعد بسرعةٍ خياليّة، انظر إلى الحرف الصغير. القاعدة العمليّة التي تريحك: اقسم رقم السرعة المعلن على ثمانية لتعرف كم ميغابايت ستُنزَّل فعلًا في الثانية. لن تشعر بالغبن بعد اليوم، لأنّك صرتَ تفهم لغة الأرقام التي يلعب بها المسوّقون.

ولنحسب مثالًا يثبّت الفكرة. أردتَ تنزيل لعبةٍ حجمها 60 غيغابايت على خطّ سرعته 100 ميغابت. اقسم المئة على ثمانية، تحصل على 12.5 ميغابايت في الثانية في أحسن الأحوال. اقسم الستّين غيغابايت على هذه السرعة، تجد أنّك تحتاج قرابة ثمانين دقيقةً لا الدقائق القليلة التي توقّعتها من رقم «المئة» البرّاق. هكذا يحوّل فهمُ الوحدة توقّعًا خاطئًا إلى تقديرٍ واقعيّ.

كيف يُخزَّن رقمٌ في الثنائيّ؟

النظام العشريّ يقوم على المنازل: الآحاد، ثمّ العشرات، ثمّ المئات، وكلّ منزلةٍ أكبر من سابقتها بعشر مرّات. الثنائيّ يعمل بالمنطق نفسه، لكنّ كلّ منزلةٍ تكبر بمرّتين لا بعشر: واحد، ثمّ اثنان، ثمّ أربعة، ثمّ ثمانية، فستّة عشر. تجمع ما تحتاجه من هذه القيم لتبني أيّ رقم.

خذ الرقم خمسة مثالًا. تكتبه في الثنائيّ «101»: أي أربعةٌ (مضاءة) زائد لا شيء (مطفأة) زائد واحد (مضاء)، فيكون المجموع خمسة. بهذه الطريقة يمثّل البايت الواحد أيّ رقمٍ من صفرٍ إلى 255، وبايتان معًا يصلان إلى 65,535، وأربعة بايتاتٍ تتجاوز أربعة مليارات. تكديس البايتات يفتح الباب لأرقامٍ بلا حدٍّ عمليّ.

وهذا التصاعد يفسّر أرقامًا تصادفها كثيرًا. لماذا كانت ألعاب الماضي تحصر عدّاد النقاط عند 255؟ لأنّه خُزّن في بايتٍ واحد. ولماذا يقف عمر شخصيّةٍ في لعبةٍ قديمةٍ عند 255 ثمّ يعود إلى صفر؟ للسبب نفسه. حين تفهم أنّ البايت سقفه 255، تفهم فجأةً عشرات الظواهر الغريبة في البرامج والألعاب التي بدت بلا معنى.

وأوضح مثالٍ يمرّ بك يوميًّا هو عنوان الإنترنت. عنوانٌ مثل «192.168.1.1» ليس أربعة أرقامٍ عشوائيّة، بل أربعة بايتات، كلّ جزءٍ منه بايتٌ واحدٌ قيمته بين صفرٍ و255. لهذا لن ترى أبدًا جزءًا يتجاوز 255 في مثل هذه العناوين؛ لأنّه ببساطةٍ لا يتّسع في بايتٍ واحد. الرقم 255 الذي مرّ بك في البايت هو نفسه الذي يحدّ عنوان جهازك على الشبكة.

وكيف يجمع الحاسوب رقمين بالثنائيّ؟ بالطريقة نفسها التي تجمع بها أنت، مع «الترحيل» عند تجاوز الحدّ. في العشريّ يقع الترحيل عند تجاوز التسعة، وفي الثنائيّ عند تجاوز الواحد: واحدٌ زائد واحدٍ يساوي «10» ثنائيًّا، أي صفرٌ وترحيل واحد. من هذه القاعدة البسيطة، المكرّرة على البتات، يبني المعالج كلّ عمليّاته الحسابيّة. الجمع الذي يجريه حاسوبك مليارات المرّاتٍ في الثانية أبسط ممّا تظنّ.

الأرقام السالبة والكسور لها طرقها الخاصّة في التمثيل، بأسماءٍ مثل «المتمّم الثنائيّ» و«الفاصلة العائمة»، لكنّها تفصيلٌ لا يلزم المبتدئ الآن. يكفيك أن تفهم المبدأ: كلّ رقمٍ في جهازك سلسلةٌ من الأصفار والآحاد، تُقرأ بالمنازل كما تُقرأ العشرات والمئات، لكن على أساس المضاعفة بمرّتين.

النظام السّتّ عشريّ: اختصار البشر للثنائيّ

مشكلةٌ عمليّةٌ تواجه من يتعامل مع الثنائيّ: سلاسله طويلةٌ ومرهقةٌ للعين. البايت الواحد ثمانية أرقامٍ مثل «11010010»، ويسهل أن تخطئ في عدّها. لذلك ابتكر المبرمجون اختصارًا أنيقًا: النظام السّتّ عشريّ.

هذا النظام أساسه ستّة عشر بدل اثنين أو عشرة، ويستعمل الأرقام من صفرٍ إلى تسعة ثمّ الحروف من A إلى F لتمثيل القيم العشرة إلى الخمس عشرة. جماله أنّ كلّ أربعة بتاتٍ ثنائيّةٍ تُختصَر إلى رمزٍ ستّ عشريٍّ واحد، فيصير البايت الطويل رمزين فقط بدل ثمانية. اختصارٌ يريح العين ويقلّل الخطأ دون أن يغيّر القيمة.

وأنت تصادف هذا النظام أكثر ممّا تظنّ. رمز اللون في تصميم المواقع، مثل #FF5733، ستّ عشريٌّ خالص: كلّ رمزين يمثّلان قناة لونٍ من صفرٍ إلى 255. وعناوين الذاكرة في رسائل الأخطاء التقنيّة تُكتب ستّ عشريّةً كذلك. فهمك أنّه مجرّد اختصارٍ للثنائيّ ينزع عنه الغموض حين تراه.

ولنأخذ رمز اللون مثالًا محلولًا. في #FF5733، الجزء الأوّل «FF» يعني القناة الحمراء بأقصى قيمةٍ ممكنة، لأنّ FF بالستّ عشريّ يساوي 255 بالعشريّ. والجزء «57» يعني قناةً خضراء متوسّطة، و«33» قناةً زرقاء منخفضة. فالنتيجة لونٌ أحمر مائلٌ إلى البرتقاليّ. ستّة رموزٍ صغيرةٍ تصف لونًا كاملًا، وكلّها في جوهرها ثلاثة بايتاتٍ تراها كما يراها الحاسوب.

من البايت إلى التيرابايت

البايت الواحد يمثّل حرفًا. لكنّ ملفّاتك أكبر من ذلك بكثير: صفحة نصٍّ آلاف الحروف، وصورةٌ ملايين. لذلك تحتاج وحداتٍ أكبر تصعد تصاعدًا سريعًا. الكيلوبايت نحو ألف بايت، والميغابايت نحو مليون، والغيغابايت نحو مليار، والتيرابايت نحو تريليون. كلّ وحدةٍ أكبر من سابقتها بألفٍ تقريبًا.

ولتشعر بهذه الوحدات لا تحفظها فقط، اربطها بما تعرف. صفحة نصٍّ عاديّةٍ بضعة كيلوبايت. صورةٌ من هاتفك تتراوح بين ثلاثة وستّة ميغابايت. أغنيةٌ نحو خمسة ميغابايت. فيلمٌ عالي الدقّة يتراوح بين اثنين وأربعة غيغابايت. ومكتبة أفلامٍ كاملةٌ تملأ تيرابايت. حين تصير الأرقام أشياءً تلمسها، تفهمها أسرع.

وفوق التيرابايت وحداتٌ أكبر لا تلمسها في جهازك لكنّها تحكم عالم الشركات: البيتابايت يساوي نحو ألف تيرابايت، والإكسابايت ألف بيتابايت. مراكز بيانات الشركات الكبرى تخزّن إكسابايتاتٍ من المعلومات. لتشعر بالحجم: بيتابايتٌ واحدٌ يكفي لتخزين ملايين الأفلام. هذا السلّم نفسه، من البِت إلى الإكسابايت، يمتدّ من أصغر معلومةٍ في جهازك إلى ذاكرة الإنترنت كلّها.

وهذه الحسبة تفيدك عمليًّا حين تشتري تخزينًا. اسأل نفسك بما تعرفه الآن: كم صورةً وأغنيةً وفيلمًا أحتفظ به؟ اضرب أعدادها في أحجامها التقريبيّة، تحصل على تقديرٍ لما تحتاجه فعلًا. من يفهم أنّ ألف صورةٍ لا تتجاوز بضعة غيغابايت لن يشتري قرصًا بحجمٍ خرافيٍّ لا يملؤه، ولن يضيق بقرصٍ صغيرٍ لأنّه قدّر حاجته بوعي. الأرقام التي تعلّمتها ليست نظريّة، بل أداة قرارٍ في جيبك.

لاحظ كلمة «تقريبًا» التي كرّرتها. هي ليست تهرّبًا، بل بيت القصيد في هذا المقال. فهذه «الألف» ليست ألفًا مضبوطةً دائمًا، وفي الفرق بين الألف المضبوطة والألف التقريبيّة يكمن سرّ قرصك الناقص. لنفكّ هذه العقدة التي حيّرت المبتدئين عقودًا.

عقدة الألف: 1000 أم 1024؟

البشر يحبّون الألف المدوّرة: كيلو تعني ألفًا في الكيلومتر والكيلوغرام، أي ألفٌ صحيحةٌ بلا كسور. لكنّ الحاسوب يفكّر بمضاعفات الاثنين، وأقرب مضاعفٍ للاثنين إلى الألف هو 1024، أي اثنان مرفوعًا للأسّ عشرة. فوقع خلافٌ قديم: هل الكيلوبايت ألف بايتٍ بالضبط، أم 1024 بايت؟

ظلّ الاثنان يُستعملان بالاسم نفسه عقودًا، فنشأت فوضى. حسمتها المنظّمة الدوليّة للكهرباء التقنيّة (IEC) في ديسمبر 1998 بحلٍّ أنيق: أبقت الكيلوبايت (kB) للألف المدوّرة، وابتكرت اسمًا جديدًا للـ1024 هو «الكيبي بايت» (KiB)، ومثله الميبي بايت (MiB) والغيبي بايت (GiB). مقطع «بي» في الاسم مأخوذٌ من كلمة «ثنائيّ».[2]

فالكيبي بايت يساوي 1024 بايتٍ بالضبط، والميبي بايت 1,048,576 بايتًا، والغيبي بايت 1,073,741,824 بايتًا. أرقامٌ غير مدوّرةٍ لأنّها مضاعفاتٌ للاثنين لا للعشرة. وهنا المفتاح الذي يفوته كلّ من كتب عن الموضوع بالعربيّة تقريبًا: ليست إحدى الوحدتين «صحيحةً» والأخرى «خطأً»؛ هما وحدتان مختلفتان بقيمتين مختلفتين، تمامًا كالمتر والياردة.

والفرق بينهما يتّسع كلّما كبرت الوحدة. عند الكيلو الفرق 2.4% فقط، وعند الميغا يصير 4.9%، وعند الغيغا 7.4%، وعند التيرا يقارب 10%. أي أنّ الخلط الذي لا تكاد تلحظه في ملفٍّ صغيرٍ يصير فجوةً واضحةً حين يصل الأمر إلى أقراصٍ بحجم تيرابايت. وهذه الفجوة بالذات هي ما يظهر على شاشتك.

وهنا مفارقةٌ تستحقّ الصراحة: رغم أنّ معيار الكيبي بايت عمره أكثر من خمسٍ وعشرين سنة، لم يتبنّه الناس ولا حتّى ويندوز حتّى اليوم. لا تزال أنظمة مايكروسوفت تكتب «GB» وهي تقصد الغيبي بايت، فتُبقي على الالتباس الذي حاول المعيار حلّه. نظام لينكس وبعض الأدوات تستعمل الوسم الصحيح KiB، لكنّها أقلّيّة. لهذا ستظلّ تصادف هذا الخلط سنواتٍ قادمة، وأفضل سلاحٍ لك أن تفهمه لا أن تنتظر زواله.

وأخيرًا: لماذا قرص 1TB يظهر 931GB؟

الآن بين يديك كلّ ما تحتاجه للجواب. شركات تصنيع الأقراص، مثل سيجيت وويسترن ديجيتال، تبيع بالنظام العشريّ المدوّر: قرص «واحد تيرابايت» يعني عندها تريليون بايتٍ بالضبط، أي 1,000,000,000,000 بايت. هذا هو الرقم المطبوع على العلبة.[3]

ثمّ يأتي ويندوز. هو يحسب بالنظام الثنائيّ، فيقسم هذا التريليون على 1024 ثلاث مرّاتٍ للوصول إلى الغيغابايت، فتكون النتيجة نحو 931. حتّى هنا لا خطأ. المشكلة الحقيقيّة أنّ ويندوز يعرض هذا الرقم موسومًا بالرمز «GB» بينما هو في الحقيقة غيبي بايت (GiB). أي أنّ العيب ليس في المصنّع الذي «نقص» القرص، بل في ويندوز الذي يستعمل حسابًا ثنائيًّا ويلصق به وسمًا عشريًّا.

والفجوة تكبر مع حجم القرص، تمامًا كما رأيتَ في نسب الفرق. قرص 500 غيغابايت يظهر نحو 465، وقرص 5 تيرابايت يظهر نحو 4.54 تيرابايت. كلّما اشتريتَ قرصًا أكبر، بدت «المساحة المفقودة» أكبر، وكلّها وهمٌ حسابيٌّ لا نقص حقيقيّ. الرقم الذي يقلقك دليلُ اتّساع الفجوة بين طريقتَي العدّ، لا دليل ضياعٍ لبياناتك.

الدليل القاطع على أنّ المساحة لم تُسرَق؟ صِل القرص نفسه بحاسوب ماك. نظام macOS، منذ إصداره العاشر بنقطة ستّ عام 2009، يحسب بالعشريّ، فيعرض القرص نفسه بسعته الكاملة قرابة واحد تيرابايت. القرص لم يتغيّر، والبايتات لم تنقص؛ تغيّرت فقط طريقة العدّ والتسمية بين النظامين.

فلا تظنّ أنّك خُدِعت، ولا تصدّق مواقع «استعادة المساحة المفقودة» التي تحاول بيعك برنامجًا لحلّ مشكلةٍ لا وجود لها. مساحتك كاملةٌ، وكلّ بايتٍ دفعتَ ثمنه موجود. الفارق محاسبيٌّ بحت، سببه أنّ صانع القرص يعدّ بالألف المدوّرة وويندوز يعدّ بالـ1024 ثمّ يخطئ في التسمية. هذا كلّ شيء.

أضِف إلى ذلك سببًا ثانويًّا صغيرًا لتكون الصورة كاملة: حين يُهيّأ القرص للعمل (يُفرمَت)، يقتطع نظام الملفّات جزءًا يسيرًا لتنظيم البيانات وفهرستها، ويحجز النظام مساحةً للاستعادة والملفّات المؤقّتة. هذا الاقتطاع صغيرٌ مقارنةً بفجوة الـ1024، لكنّه يفسّر لماذا تكون المساحة المتاحة فعلًا أقلّ قليلًا حتّى من الرقم المعروض. لا شيء من هذا ضياعٌ، بل تنظيمٌ لازم.

ولاحظ فرقًا أخيرًا مفيدًا: الذاكرة العشوائيّة (RAM) تُباع وتُحسب دائمًا بالنظام الثنائيّ، فشريحةٌ مكتوبٌ عليها 16 جيجابايت هي فعلًا 16 غيبي بايت. لهذا لا ترى في الذاكرة الفجوة التي تراها في القرص. الوحدة نفسها، والاختلاف في عادة كلّ صناعةٍ في العدّ.

جرّبه بنفسك

افتح مستكشف الملفّات في حاسوبك، وانقر بزرّ الفأرة الأيمن على القرص، ثمّ «خصائص». ستجد رقمين: السعة بالبايت (رقمٌ طويلٌ مدوّرٌ ينتهي بأصفارٍ كثيرة) والسعة المعروضة بالغيغابايت (رقمٌ أصغر). خذ الرقم الطويل واقسمه على 1024 ثلاث مرّات، وستحصل بنفسك على الرقم المعروض. لقد أمسكتَ الخدعة المحاسبيّة بيدك.

وإن أردت تمرينًا أمتع، جرّب أن تكتب اسمك الأوّل، واحسب حجمه بالبايت: كلّ حرفٍ لاتينيٍّ بايتٌ واحد. اسمٌ من خمسة أحرفٍ يساوي خمسة بايتات، أي أربعين بِتًا، أي أربعين مفتاحًا كهربائيًّا بين مضيءٍ ومطفأ يمثّلون اسمك في هذه اللحظة داخل جهازك. هكذا تلمس بنفسك أنّ الأرقام ليست تجريدًا، بل حالاتٌ ماديّةٌ حقيقيّة.

من الأرقام إلى المعنى

عرفتَ الآن أنّ الحاسوب يمثّل كلّ شيءٍ بالبِت والبايت، وأنّ وحداته تصعد بالألف المدوّرة عند المصنّع وبالـ1024 عند ويندوز، وأنّ قرصك الناقص ليس ناقصًا. صار سطرٌ كنتَ تراه كلّ يومٍ دون فهمٍ واضحًا تمامًا. لا لغز بعد اليوم.

لكن يبقى السؤال الأعمق: قلتُ إنّ الحرف بايتٌ والرقم بايتات، فكيف يصير حرفٌ عربيٌّ أو صورةٌ أو أغنيةٌ سلسلةً من الأرقام فعلًا؟ ما الذي يربط الرقم 65 بالحرف A، ولماذا يحتاج الحرف العربيّ والوجه الضاحك إلى أكثر من بايت؟ هذا موعد المقال القادم، حين ترى كيف يتحوّل العالم كلّه إلى أرقام.

المصادر

  1. Wikipedia, «Byte» (تعريف البايت و256 قيمة وعلاقته بـ ASCII). en.wikipedia.org
  2. International Electrotechnical Commission (IEC), «Prefixes for binary multiples» (تعريف الكيبي/ميبي/غيبي بايت، ديسمبر 1998، IEC 60027-2). iec.ch
  3. Seagate, «Why does my hard drive report less capacity than indicated on the drive’s label?» (سبب عرض القرص سعةً أقلّ: العشريّ مقابل الثنائيّ). seagate.com

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة