محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

15من 28

أساسيات الحاسوب

كيف يقلع الحاسوب؟ من زرّ التشغيل إلى نظامك

رأيتَ في المقال السابق كيف ينظّم نظام الملفّات القرص، فيصير نظام التشغيل وملفّاتك محفوظةً فيه بترتيبٍ محكم. لكنّ هذا كلّه يفترض أنّ الجهاز يعمل ونظام التشغيل محمّلٌ في الذاكرة أصلًا. واللحظة التي تضغط فيها زرّ التشغيل، الجهاز صندوقٌ باردٌ لا شيء فيه محمّل: ذاكرته فارغة، ومعالجه لا يعرف ماذا يفعل. فمن أين يبدأ؟ كيف يرفع نفسه من الصفر إلى نظامٍ كاملٍ في ثوانٍ؟

هذه قصّة الإقلاع، وهي من أطرف ما في الحاسوب لأنّها تحلّ لغزًا يشبه المستحيل. في هذا المقال تفهم مشكلة «البيضة والدجاجة» التي تواجه كلّ جهازٍ عند تشغيله، وكيف يحلّها البرنامج الثابت المحفور في شريحة، وما اختبار الإقلاع، وكيف تنتقل الراية من برنامجٍ صغيرٍ إلى نواة النظام، والفرق بين BIOS القديم وUEFI الحديث، وما الإقلاع الآمن الذي يحرس جهازك في أخطر لحظاته.

مشكلة البيضة والدجاجة

تذكّر ما شرحتُه لك في مقال المعالج والذاكرة: المعالج لا يفعل شيئًا إلّا بتعليماتٍ محمّلةٍ في الذاكرة العشوائيّة، وينفّذها واحدةً تلو الأخرى. لكنّ الذاكرة العشوائيّة تفقد كلّ محتواها عند انقطاع الكهرباء، فهي فارغةٌ تمامًا لحظة التشغيل. هنا اللغز: المعالج يحتاج برنامجًا في الذاكرة ليعمل، والذاكرة فارغة، ولا أحد يقدر على تحميل برنامجٍ فيها لأنّ التحميل نفسه يحتاج برنامجًا يعمل. من يبدأ الحلقة؟

الأمر أشبه بمن يريد أن يرفع نفسه شادًّا رباط حذائه: لا يمكن منطقيًّا. فالحاسوب لا يقدر أن يحمّل نظامه بنظامٍ لم يُحمَّل بعد. ولو ظلّ الأمر هكذا لبقي الجهاز صندوقًا ميّتًا إلى الأبد كلّما انطفأ. لكنّ المهندسين وجدوا مخرجًا أنيقًا من هذه الحلقة المفرغة، وهو الفكرة التي يقوم عليها إقلاع كلّ جهازٍ في العالم منذ عقود.

الحلّ: برنامجٌ لا ينسى

المخرج أن يُوضَع البرنامج الأوّل في ذاكرةٍ لا تُمحى عند انقطاع الكهرباء، بل تبقى محفوظةً دائمًا. هذه شريحةٌ خاصّةٌ على اللوحة الأمّ محفورٌ فيها برنامجٌ صغيرٌ اسمه البرنامج الثابت (Firmware). هو أوّل ما يعمل لحظة وصول الكهرباء، قبل أيّ قرصٍ وأيّ نظام تشغيل. المعالج مصمّمٌ ليتّجه فور تشغيله إلى عنوانٍ ثابتٍ يجد فيه هذا البرنامج، فيبدأ تنفيذه دون أن يحتاج أحدًا يحمّله.

وبهذا تُكسَر الحلقة المفرغة. البرنامج الثابت موجودٌ سلفًا لا يحتاج تحميلًا، ووظيفته أن يوقظ العتاد ويحمّل البرنامج التالي، فالتالي، حتّى يقوم النظام كاملًا. إنّه شرارة البدء التي منها تشتعل السلسلة. ومن هنا جاءت التسمية الطريفة: يقال في الإنجليزيّة إنّ الجهاز «يشدّ نفسه من رباط حذائه»، وهي العبارة التي اختُصِرت إلى كلمة الإقلاع (Boot) التي تستعملها كلّ يوم دون أن تعرف أصلها.

اختبار ما قبل البدء

أوّل ما يفعله البرنامج الثابت فحصٌ سريعٌ للعتاد اسمه اختبار التشغيل الذاتيّ (POST). يتأكّد أنّ المعالج يستجيب، وأنّ الذاكرة العشوائيّة سليمة، وأنّ بطاقة الشاشة ولوحة المفاتيح والأقراص موجودةٌ وتعمل. هذا الفحص يجري في أجزاءٍ من الثانية قبل أن ترى شيئًا على شاشتك، ويضمن ألّا يبدأ النظام على عتادٍ معطوبٍ فيتصرّف تصرّفًا لا يمكن التنبّؤ به.[1]

وإن وجد الفحص خللًا، أعلمك به قبل أن ترى الشاشة أصلًا. في الأجهزة القديمة كان يصدر أصواتًا بعدد وطول معيّن: صفيرٌ واحدٌ يعني سلامة كلّ شيء، وسلسلةٌ من الصفير تعني عطبًا في الذاكرة أو الشاشة. اليوم صارت الأجهزة تعرض رمز خطأٍ أو ضوءًا ملوّنًا. هذه الأصوات والرموز رسائل من أعمق طبقةٍ في جهازك، تخبرك بما وجده قبل أن يقوى حتّى على كتابة كلمةٍ على الشاشة.

أين نظام التشغيل؟

بعد أن يطمئنّ البرنامج الثابت إلى العتاد، يبدأ البحث عن نظام تشغيلٍ ليحمّله. لكنّه لا يبحث عشوائيًّا، بل يتبع قائمةً مرتّبةً اسمها ترتيب الإقلاع (Boot Order): يجرّب أوّل جهازٍ فيها، فإن لم يجد نظامًا صالحًا انتقل للتالي. القائمة عادةً: المشغّل الصلب الداخليّ أوّلًا، ثمّ ذاكرة USB، ثمّ الشبكة. هذا الترتيب يشرح لماذا تستطيع الإقلاع من ذاكرةٍ محمولةٍ لتثبيت نظامٍ جديد، شرط أن ترفعها في القائمة.

وحين يجد جهازًا يحمل نظام تشغيل، لا يحمّل النظام كلّه دفعةً واحدة، فهو أكبر من أن يُحمَّل هكذا. بدل ذلك يقرأ من مكانٍ محدّدٍ برنامجًا صغيرًا جدًّا اسمه محمّل الإقلاع (Boot Loader). هذا البرنامج الصغير هو الحلقة الوسطى: صغيرٌ بما يكفي ليحمّله البرنامج الثابت بسهولة، وذكيٌّ بما يكفي ليعرف كيف يحمّل نظام التشغيل الضخم الذي يليه.

تسليم الراية

هكذا يعمل الإقلاع بسلسلةٍ من التسليمات المتتابعة، كسباق تتابعٍ يمرّر فيه كلّ عدّاءٍ الراية لمن بعده. البرنامج الثابت يوقظ العتاد ويحمّل محمّل الإقلاع، ثمّ يسلّمه الأمر وينسحب. ومحمّل الإقلاع يحمّل نواة نظام التشغيل (Kernel)، وهي قلب النظام، ثمّ يسلّمها الأمر وينسحب هو الآخر. كلّ حلقةٍ تحمّل الأكبر منها ثمّ تتنحّى، حتّى يستقرّ النظام الكامل ممسكًا بزمام الجهاز.

حين تأخذ النواة الراية، تكمل هي بقيّة العمل: تفحص العتاد بتفصيلٍ أعمق، وتحمّل برامج التشغيل التي تخاطب كلّ قطعة، وتشغّل الخدمات الأساسيّة، ثمّ تعرض لك شاشة الدخول. من ضغطة الزرّ إلى هذه الشاشة، جرت سلسلةٌ كاملةٌ من التسليمات في ثوانٍ، كلّ حلقةٍ فيها فتحت الباب للتي تليها. ما تظنّه لحظةً واحدةً هو في الحقيقة سلسلةٌ منظّمةٌ عبر طبقاتٍ متتالية.

BIOS: الجيل المؤسّس

البرنامج الثابت الذي حكم الحواسيب الشخصيّة نحو ثلاثة عقودٍ اسمه BIOS، أي «نظام الدخل والخرج الأساسيّ». وُلِد مع أوّل حاسوبٍ شخصيٍّ من IBM عام 1981، وأدّى عمله بأمانةٍ طويلًا. لكنّه صُمّم لعتاد ذلك الزمن، فحمل قيودًا صارت خانقةً مع الوقت: كان يعمل بأسلوبٍ قديمٍ محدود الذاكرة، وواجهته نصّيّةٌ بسيطة، وأبطأ ممّا تحتمله الأجهزة الحديثة.

وأخطر قيوده أنّه يقرأ معلومات الإقلاع من أوّل قطاعٍ في القرص بطريقةٍ لا تفهم الأقراص الأكبر من تيرابايتين، ولا تدعم إلّا عددًا محدودًا من الأقسام، كما رأيتَ في مقال نظام الملفّات. مع تضخّم الأقراص وتعقّد الأجهزة، صار BIOS عائقًا لا حلًّا. احتاج العالم بديلًا يولد من جديدٍ بلا أثقال الماضي، فجاء UEFI.

UEFI: الجيل الحديث

خلَف UEFI نظام BIOS في كلّ الأجهزة الحديثة تقريبًا، وحلّ قيوده واحدًا واحدًا. يدعم الأقراص الضخمة عبر نظام الأقسام الحديث GPT الذي شرحتُه لك سابقًا، فلا حدّ التيرابايتين ولا حصر الأقسام. وهو أسرع في الإقلاع بمراحل، ويعمل بواجهةٍ رسوميّةٍ بالفأرة أحيانًا بدل الشاشة النصّيّة الجافّة، بل ويقدر على الاتّصال بالشبكة قبل تحميل النظام أصلًا.[2]

وطريقته في إيجاد النظام أنظف. بدل قراءة قطاعٍ خامٍّ غامض، يبحث UEFI عن قسمٍ خاصٍّ على القرص اسمه قسم نظام EFI، وهو مجلّدٌ عاديٌّ يحوي ملفّات محمّلات الإقلاع بوضوح. فصار الإقلاع يقرأ ملفّاتٍ منظّمةً في نظام ملفّاتٍ حقيقيّ، لا بايتاتٍ في موضعٍ ثابتٍ يصعب تعديله. هذا التصميم يسهّل وجود عدّة أنظمة تشغيلٍ على جهازٍ واحد، لكلٍّ محمّله في هذا القسم المشترك.

ومع أنّ الناس ما زالوا يقولون «ادخل إلى الـBIOS» بحكم العادة، فإنّ ما يدخلونه اليوم هو إعدادات UEFI في الحقيقة. الاسم القديم بقي على الألسنة بعد أن رحل صاحبه، كما تبقى أسماء كثيرةٌ في التقنية بعد أن تغيّر ما وراءها. المهمّ أن تعرف أنّ الجيلين يؤدّيان الدور نفسه: إيقاظ العتاد وتحميل النظام، لكنّ الحديث أقدر وأأمن وأسرع.

ولتسهيل الانتقال، يحمل كثيرٌ من أجهزة UEFI وضع توافقٍ قديمًا يحاكي BIOS، ليقلع أنظمةً أو أقراصًا قديمةً لا تفهم الطريقة الحديثة. هذا الوضع نافعٌ حين تحتاجه، لكنّه يعطّل مزايا كالإقلاع الآمن، ويبطّئ الإقلاع أحيانًا. لهذا يُنصَح بتركه مطفأً ما لم تحتج نظامًا قديمًا فعلًا، فالأصل أن تعمل بالطريقة الحديثة التي تستفيد من كلّ ما في جهازك.

الإقلاع الآمن: حارس اللحظة الحرجة

لحظة الإقلاع هي أخطر لحظةٍ أمنيًّا. فالبرنامج الذي يعمل قبل نظام التشغيل يملك سلطةً مطلقةً على الجهاز، ولا يوجد بعد أيّ مضادّ فيروساتٍ يحرسه لأنّ النظام لم يُحمَّل. لو زرع مهاجمٌ برنامجًا خبيثًا يعمل في هذه المرحلة، لسيطر على كلّ شيءٍ يليه دون أن يكشفه شيء. هذا النوع من الخبث من أخطر ما يكون، لأنّه يسبق كلّ الحماية ويختبئ تحتها.

لهذا جاء الإقلاع الآمن (Secure Boot): ميزةٌ في UEFI تتحقّق من توقيع كلّ برنامجٍ في سلسلة الإقلاع قبل تشغيله. فلا يُحمَّل محمّل إقلاعٍ ولا نواةٌ إلّا إن حملت توقيعًا موثوقًا يثبت أنّها لم تُعبَث. أيّ برنامجٍ خبيثٍ يحاول التسلّل في هذه المرحلة يُرفَض لأنّه لا يملك التوقيع الصحيح. إنّها بوّابةٌ تفحص هويّة كلّ داخلٍ في أخطر ممرٍّ في الجهاز.[3]

ويعين هذه الحمايةَ شريحةٌ خاصّةٌ في كثيرٍ من الأجهزة الحديثة اسمها وحدة النظام الأمين (TPM): تخزّن المفاتيح والأسرار في عتادٍ معزولٍ يصعب العبث به، وتتحقّق من سلامة النظام. أنظمةٌ حديثةٌ صارت تشترط وجودها، وهو ما حيّر كثيرين حين رفض حاسوبهم القديم ترقيةً لأنّه بلا هذه الشريحة. الأمان اليوم لم يعد برمجيًّا فقط، بل صار مبنيًّا في العتاد نفسه من أوّل لحظة.

إعدادات الإقلاع بين يديك

تستطيع دخول إعدادات البرنامج الثابت بضغط مفتاحٍ معيّنٍ لحظة التشغيل، غالبًا Del أو F2 حسب جهازك. هناك تتحكّم في أشياء كثيرة: ترتيب الإقلاع، وتشغيل الإقلاع الآمن أو إطفاؤه، وسرعة المراوح، وتوقيت الذاكرة، وتشغيل قطعٍ أو إطفائها. هذه أعمق طبقةٍ يصلها المستخدم العاديّ، وما تغيّره فيها يسري قبل نظام التشغيل كلّه، فتعامل معها بحذرٍ ومعرفة.

ولا تعبث بما لا تفهمه هنا. تغييرٌ خاطئٌ في هذه الإعدادات قد يمنع الجهاز من الإقلاع أصلًا، لأنّها تتحكّم في أساس التشغيل لا في برنامجٍ عاديّ. لكن لا تخف كثيرًا: يوجد دائمًا خيار «إعادة الضبط الافتراضيّ» يعيد كلّ شيءٍ إلى حاله الأصليّ إن تهت. اعرف ما تغيّره ولماذا، وإن شككت فاترك الإعداد كما هو، فالمصنع ضبطه على قيمةٍ آمنةٍ لجهازك.

وثمّة قطعةٌ صغيرةٌ تخدم البرنامج الثابت لا ينتبه لها أحدٌ حتّى تموت: بطّاريّةٌ صغيرةٌ مسطّحةٌ على اللوحة الأمّ. مهمّتها أن تبقي إعدادات البرنامج الثابت وساعة الجهاز حيّةً حتّى وهو مطفأٌ مفصولٌ عن الكهرباء. فحين تفرغ هذه البطّاريّة بعد سنين، تظهر أعراضٌ محيّرة: تعود الساعة إلى تاريخٍ قديمٍ في كلّ إقلاع، وتُنسى إعداداتك، وقد يشكو الجهاز من خطأٍ عند البدء.

الحلّ بسيطٌ ورخيصٌ لمن يعرف السبب: استبدال هذه البطّاريّة بأخرى مثلها بقروشٍ قليلة. لكنّ من يجهل دورها قد يظنّ جهازه أصابه عطبٌ خطير. هذه إحدى فوائد فهم ما تحت الغطاء: عرضٌ مخيفٌ في ظاهره، سببه قطعةٌ زهيدةٌ يسهل تبديلها. المعرفة هنا تفرّق بين قلقٍ في غير محلّه وإصلاحٍ في دقائق.

أكثر من نظامٍ على جهاز

يقدر جهازٌ واحدٌ أن يحمل أكثر من نظام تشغيل، كلٌّ في قسمه الخاصّ الذي شرحتُه لك في مقال نظام الملفّات. حين يقلع مثل هذا الجهاز، يعرض قائمةً صغيرةً تسألك أيّ نظامٍ تريد اليوم: ويندوز أم لينكس مثلًا. هذه القائمة يديرها محمّل إقلاعٍ خاصٌّ يفهم عدّة أنظمة، ينتظرك ثوانٍ ثمّ يقلع الافتراضيّ إن لم تختر. بهذا تجرّب نظامًا جديدًا دون أن تتخلّى عن القديم.

وللإقلاع أوضاعٌ خاصّةٌ لغير الاستعمال العاديّ. الوضع الآمن يقلع بأقلّ ما يمكن من برامج التشغيل والخدمات، فتصلح به مشكلةً منعت الإقلاع العاديّ، إذ يعزل السبب حين يعمل النظام مجرّدًا. وهناك وضع الاستعادة الذي يتيح إصلاح النظام أو إعادته حين يعجز عن الإقلاع أصلًا. هذه الأوضاع شبكة أمانٍ تنقذك حين ينكسر شيءٌ في المسار الطبيعيّ للإقلاع.

النوم والسبات: إقلاعٌ مختصر

ليس كلّ تشغيلٍ إقلاعًا كاملًا من الصفر. حين تختار «النوم»، لا ينطفئ الجهاز، بل يبقي الذاكرة العشوائيّة مغذّاةً بقليلٍ من الكهرباء تحفظ حالتك كما هي، فتعود في ثانيةٍ إلى ما كنت عليه دون إقلاعٍ حقيقيّ. سريعٌ جدًّا، لكنّه يستهلك طاقةً بسيطةً باستمرار، فإن نفدت البطّاريّة ضاعت الحالة المحفوظة في الذاكرة المتطايرة.

أمّا «السبات» فيكتب محتوى الذاكرة كلّه على القرص ثمّ يطفئ الجهاز تمامًا بلا استهلاك طاقة. وعند التشغيل، يعيد قراءة تلك الحالة من القرص بدل بناء النظام من جديد، فيعود أسرع من إقلاعٍ كامل. هذا يفسّر لماذا يبدو أنّ جهازك «أُطفئ» لكنّه عاد بكلّ نوافذك المفتوحة: لم يقلع من الصفر، بل استعاد صورةً حفظها قبل السبات. لكلّ وضعٍ موضعه بين السرعة وتوفير الطاقة.

حين يفشل الإقلاع

قد يفشل الإقلاع فتظهر رسالةٌ كـ«لا يوجد جهاز إقلاع». معناها أنّ البرنامج الثابت جرّب كلّ ما في قائمته فلم يجد نظام تشغيلٍ صالحًا في أيّها. أسبابها متعدّدة: قرصٌ فُصِل أو تلف، أو ترتيب إقلاعٍ يشير إلى جهازٍ فارغ، أو تلف محمّل الإقلاع نفسه. فهمك لمراحل الإقلاع يجعل هذه الرسالة مفهومةً لا مرعبة: تعرف في أيّ حلقةٍ انقطعت السلسلة، فتبحث في المكان الصحيح.

وأوّل ما تفحصه في مثل هذا العطل بديهيٌّ لمن فهم العمليّة: هل القرص متّصلٌ ويظهر في قائمة الأجهزة داخل البرنامج الثابت؟ وهل ترتيب الإقلاع يشير إليه؟ كثيرٌ من حالات «الجهاز لا يقلع» سببها إعدادٌ تغيّر أو كابلٌ ارتخى، لا عطبٌ حقيقيّ في النظام. من يعرف المسار يشخّص العلّة بهدوء، ومن يجهله يستسلم للذعر أو يدفع لمن يصلح ما كان يصلحه بنفسه.

الإقلاع في الهاتف

الهاتف يقلع بالمبدأ نفسه: برنامجٌ ثابتٌ يوقظ العتاد، ثمّ محمّل إقلاعٍ يحمّل نظام أندرويد أو آي أو إس. لكنّ الهواتف تشدّد في الأمان أكثر بكثير. معظمها يقفل محمّل الإقلاع فلا يسمح إلّا بتشغيل نظامٍ موقّعٍ من الشركة المصنّعة، حمايةً للجهاز وبيانات صاحبه. هذا هو «الإقلاع الموثّق» الذي يتحقّق من سلامة كلّ طبقةٍ قبل تشغيلها، امتدادًا لفكرة الإقلاع الآمن التي شرحتُها لك.

لهذا تسمع عن «فتح محمّل الإقلاع» حين يريد بعضهم تركيب نظامٍ معدّلٍ على هاتفه. فتحه يمنح حرّيّةً أكبر، لكنّه يكسر سلسلة الثقة فيضعف الأمان، وقد يعطّل ميزاتٍ تعتمد على سلامة النظام كالدفع. هذه موازنةٌ بين الحرّيّة والأمان يقرّرها صاحب الجهاز بوعي. المبدأ واحدٌ من الحاسوب إلى الهاتف: سلسلةٌ من التسليمات، كلّ حلقةٍ تتحقّق ممّن تسلّمها الراية قبل أن تعطيها إيّاها.

تحديث البرنامج الثابت

البرنامج الثابت نفسه يُحدَّث أحيانًا، لإصلاح عيوبٍ أو دعم عتادٍ جديدٍ أو سدّ ثغراتٍ أمنيّة. لكنّ تحديثه أخطر من تحديث أيّ برنامجٍ عاديّ: لو انقطعت الكهرباء في منتصفه، قد يتلف البرنامج الثابت فيصير الجهاز عاجزًا عن الإقلاع من أصله، وهو عطبٌ يصعب إصلاحه في البيت. لهذا لا تحدّثه إلّا لحاجةٍ حقيقيّة، ووصّل الجهاز بكهرباءٍ مضمونةٍ طوال العمليّة.

القاعدة هنا حكيمة: إن كان جهازك يعمل جيّدًا فلا داعي لتحديث برنامجه الثابت لمجرّد وجود إصدارٍ أحدث. حدّثه فقط إن كان التحديث يحلّ مشكلةً تعانيها، أو يسدّ ثغرةً أمنيّةً مهمّة، أو يدعم قطعةً جديدةً تريد تركيبها. «إن لم يكن مكسورًا فلا تصلحه» تنطبق هنا أكثر من أيّ مكان، لأنّ ثمن الخطأ باهظٌ لا يقارَن.

لماذا يسرع الإقلاع أو يبطؤ؟

يعتمد زمن الإقلاع على عوامل عدّة. أهمّها نوع قرص نظامك: الإقلاع من مشغّلٍ صلبٍ أسرع بمراحل من القرص الميكانيكيّ، لأنّ تحميل النظام قراءةٌ مكثّفةٌ يتفوّق فيها الأوّل. ولهذا كان تركيب مشغّلٍ صلبٍ أكبر ترقيةٍ يحسّها المستخدم في جهازٍ قديم: يتحوّل إقلاعٌ يأخذ دقيقةً إلى ثوانٍ معدودة، دون تغيير أيّ قطعةٍ أخرى.

ويؤثّر أيضًا عدد البرامج التي تطلب العمل مع بدء النظام. كلّما زادت البرامج التي تنصّب نفسها لتعمل تلقائيًّا عند الإقلاع، طال الوقت حتّى يصير الجهاز جاهزًا لك. لهذا يبطؤ إقلاع جهازٍ امتلأ بالبرامج مع السنين. وأنظمة التشغيل الحديثة تسرّع الإقلاع بحيلٍ ذكيّة، كأن تحفظ حالة النظام عند الإطفاء لتستعيدها بسرعةٍ بدل بنائها من الصفر كلّ مرّة. لكنّ هذه الحيلة تخفي أحيانًا مشكلةً في النظام لأنّها لا تقلعه من جديدٍ فعلًا، ولهذا يحلّ «إعادة التشغيل» الكاملة مشكلاتٍ لا يحلّها الإطفاء ثمّ التشغيل، وهو ما يحيّر كثيرين.

جرّبه بنفسك

أعد تشغيل جهازك وراقب الثواني الأولى: قد تلمح شعار الشركة المصنّعة، وأسفله سطرٌ صغيرٌ يقول أيّ مفتاحٍ تضغط لدخول الإعدادات. اضغطه لتدخل عالم البرنامج الثابت، وتصفّح إعداداته دون أن تغيّر شيئًا في أوّل مرّة: انظر ترتيب الإقلاع، وهل الإقلاع الآمن مشغّل، وحرارة المعالج. هذه نافذةٌ على أعمق طبقةٍ في جهازك نادرًا ما يراها الناس.

ثمّ افتح مدير المهامّ في نظامك وابحث عن قائمة البرامج التي تعمل عند بدء التشغيل. سترى ربّما برامج كثيرةً تنصّب نفسها للعمل تلقائيًّا دون أن تطلبها، وكلٌّ منها يبطّئ إقلاعك قليلًا. عطّل ما لا تحتاجه منها فورًا مع كلّ إقلاع، وستحسّ الفرق في سرعة جهازك. هذه واحدةٌ من أسهل الترقيات وأكثرها أثرًا، ولا تكلّفك قرشًا، ولا تحتاج فيها إلى فتح الجهاز ولا شراء قطعة، بل بضع نقراتٍ توفّر عليك انتظارًا يوميًّا.

من الشرارة إلى النظام

عرفتَ كيف يرفع الحاسوب نفسه من الصفر: برنامجٌ ثابتٌ لا يُمحى يكسر حلقة البيضة والدجاجة، يفحص العتاد، ثمّ يسلّم الراية لمحمّل الإقلاع، فلنواة النظام، في سباق تتابعٍ محكم. وفهمتَ الفرق بين BIOS وUEFI، ودور الإقلاع الآمن في حراسة أخطر لحظةٍ في الجهاز. صار ما يجري في تلك الثواني الغامضة مكشوفًا أمامك، وصرت تفهم لماذا يسرع جهازٌ ويبطؤ آخر، ولماذا تعود ساعة جهازٍ إلى الوراء، ولماذا لا يقلع جهازٌ فجأةً، وكلّها أسئلةٌ لها الآن أجوبةٌ واضحة.

لكن لاحظ شيئًا مرّ سريعًا: قلتُ لك إنّ النواة، بعد أن تأخذ الراية، «تحمّل برامج التشغيل التي تخاطب كلّ قطعة». ما هذه البرامج؟ كيف يعرف نظامٌ واحدٌ أن يخاطب آلاف أنواع البطاقات والطابعات والشاشات المختلفة، وكلّ صانعٍ يبني قطعته بطريقته؟ من يترجم بين لغة النظام الموحّدة ولغة كلّ قطعةٍ خاصّة؟ هذا دور برامج التشغيل، الطبقة التي تربط النظام بكلّ قطعةٍ في جهازك، وهي حديث المقال القادم.

المصادر

  1. ويكيبيديا، «إقلاع (حاسوب)» (مراحل الإقلاع: البرنامج الثابت واختبار POST وترتيب الإقلاع ومحمّل الإقلاع والنواة).
  2. UEFI Forum، «About UEFI» (مواصفة UEFI البديلة لـBIOS: دعم GPT والأقراص الكبيرة وقسم نظام EFI والإقلاع الأسرع).
  3. Microsoft Learn، «Secure Boot» (كيف يتحقّق الإقلاع الآمن من توقيع محمّلات الإقلاع والنواة لمنع الخبث قبل النظام).

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة