محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

18من 28

أساسيات الحاسوب

ويندوز وماك ولينكس: ثلاث فلسفات لا ثلاثة برامج

عرفتَ في المقال السابق نظام التشغيل مديرًا يقف بين البرامج والعتاد، ورأيتَ مبادئه التي يشترك فيها كلّ نظامٍ حديث. لكنّ هذه المبادئ الواحدة تلبس ثلاثة أوجهٍ مختلفةٍ في الأنظمة التي تستعملها فعلًا: ويندوز، وماك، ولينكس. لماذا يبدو كلٌّ منها عالمًا قائمًا بذاته، وأيّها لمن؟ السؤال ليس «أيّها أفضل» كما يُطرَح عادةً، بل «أيّها يناسب حاجتك أنت».

في هذا المقال تفهم أنّ الفرق الحقيقيّ بين الأنظمة الثلاثة ليس في الشكل، بل في الفلسفة ونموذج العمل من ورائها. تطالع شجرة عائلتها التي تكشف قرابةً مفاجئة، وتتعرّف على كلٍّ بحسناته وعيوبه وجمهوره، وتفهم معنى «مفتوح المصدر» و«التوزيعة»، وتنجلي أمامك أساطير الأمان الشائعة، ويأتيك أخيرًا الجواب عن السؤال العمليّ: أيّ نظامٍ تختار لما تفعله؟

ثلاث فلسفات لا ثلاثة برامج

الخطأ الشائع أن تقارن الأنظمة كأنّها ثلاثة منتجاتٍ تؤدّي الوظيفة نفسها بأشكالٍ مختلفة. الحقيقة أعمق: كلّ نظامٍ يجسّد فلسفةً مختلفةً في كيف ينبغي أن يكون الحاسوب، ونموذج عملٍ مختلفًا يموّله. ويندوز يبيع نظامًا يعمل على عتاد الجميع. وماك يبيع تجربةً متكاملةً من عتادٍ وبرمجيّاتٍ معًا. ولينكس لا يبيع شيئًا أصلًا، بل يهبه المجتمع للجميع. من هذه الفلسفات الثلاث تنبع كلّ الفروق التي تراها.

فحين تفهم الفلسفة، تفهم لماذا يعمل ويندوز على آلاف الأجهزة بينما يقتصر ماك على أجهزة أبل وحدها، ولماذا لينكس مجّانيٌّ ومفتوحٌ بينما الآخران مدفوعان مغلقان. ليست هذه صدفًا ولا قراراتٍ عشوائيّة، بل نتائج منطقيّةٌ لما تريده كلّ جهةٍ من نظامها. وستشرح لك الفلسفة كلّ خاصّيّة، فبدل أن تحفظ فروقًا متفرّقة، تفهم من أين تأتي كلّها.

شجرة العائلة: قرابةٌ مفاجئة

قبل الفروق، مفاجأةٌ في الأصول. نظامان من الثلاثة قريبان جدًّا، والثالث بعيدٌ عنهما. في السبعينات وُلِد في مختبرات بِل نظامٌ اسمه يونكس (Unix)، وضع أسسًا صار عليها جيلٌ كامل. ومن نسل يونكس وفلسفته جاء لينكس، كما جاء نظام ماك الذي يقوم في أعماقه على أساسٍ يونكسيّ. فهما ابنا عمٍّ يتشاركان بنيةً وأوامر وطريقة تفكيرٍ واحدة، وإن اختلف وجهاهما تمامًا.[1]

أمّا ويندوز فسار في طريقٍ منفصلٍ تمامًا. بُنِيت نواته الحديثة من أساسٍ خاصٍّ لا صلة له بيونكس، بتصميمٍ ومفاهيم مختلفة. لهذا يجد من ينتقل بين ماك ولينكس ألفةً في سطر الأوامر والأدوات، بينما يجد عالم ويندوز مختلفًا في تفاصيله العميقة. هذه القرابة الخفيّة تفسّر كثيرًا ممّا يلي: لماذا يحبّ المبرمجون ماك ولينكس معًا، ولماذا تشترك الخوادم والأجهزة الكبيرة في تراثٍ واحد.

ويندوز: نظام العامّة

ويندوز هو النظام الأكثر انتشارًا على حواسيب سطح المكتب بفارقٍ كبير، يشغّل الأغلبيّة الساحقة منها.[2] وسرّ سيطرته فلسفته: نظامٌ واحدٌ يعمل على عتاد أيّ شركةٍ في العالم. تشتري حاسوبًا من أيّ صانعٍ بأيّ سعر، فتجده يشغّل ويندوز. هذا الانفتاح على كلّ العتاد جعله خيار المصانع والمكاتب والبيوت، وبنى حوله أضخم مكتبة برامج وألعابٍ على الإطلاق.

ولهذا الانتشار ثمنه أيضًا. لأنّه يعمل على عتادٍ لا حصر له، يصعب ضبطه ليعمل بأفضل حالٍ على كلّ تركيبةٍ ممكنة، فتتفاوت التجربة بين جهازٍ وآخر. ولأنّه الأكثر استعمالًا، صار الهدف الأوّل لصانعي البرمجيّات الخبيثة، فمن يريد إصابة أكبر عددٍ يستهدف الأكثر شيوعًا. لكنّه يبقى الملك في التوافق: إن أردت برنامجًا أو لعبةً أو جهازًا يعمل في كلّ مكان، فويندوز خيارك الآمن.

ويندوز نظامٌ مغلقٌ مدفوع: تملكه مايكروسوفت، ولا تنشر شيفرته، وثمنه مضمّنٌ عادةً في سعر الجهاز الجديد. أنت تستعمله ولا تملكه ولا ترى داخله. هذه فلسفة الشركة: تبيع النظام منتجًا، وتتحكّم في تطويره، وتضمن عمله على عتاد الجميع. جمهوره أوسع الجماهير: عامّة الناس، والشركات، واللاعبون، ومن يريد جهازًا يعمل بلا تعقيدٍ بأيّ ميزانيّة.

ماك: الحديقة المسوّرة

فلسفة ماك عكس ويندوز تمامًا. أبل لا تبيع نظامًا يعمل على عتاد الجميع، بل تبيع تجربةً كاملةً تصنع فيها العتاد والنظام معًا، وتضبط كلًّا للآخر بدقّة. لهذا لا يعمل ماك رسميًّا إلّا على أجهزة أبل وحدها. هذا القيد هو سرّ قوّته: حين تصنع الشركة الطرفين، تضبطهما ليعملا في انسجامٍ تامّ، فتخرج تجربةٌ سلسةٌ متماسكةٌ يصعب بلوغها على عتادٍ متنوّعٍ لا تتحكّم فيه.

ومن ثمار هذا التكامل نقلة أبل إلى معالجاتها الخاصّة المبنيّة على تصميم ARM الذي مرّ بك في مقال المعالج. صمّمت الشركة معالجها ونظامها معًا، فحقّقت أداءً عاليًا مع استهلاكٍ منخفضٍ للطاقة، وعمر بطّاريّةٍ طويلٍ يصعب على المنافسين مجاراته. هذا مثالٌ حيٌّ على قوّة فلسفة التكامل: حين تملك الطرفين، تفعل ما لا يفعله من يبيع أحدهما فقط.

لكنّ الحديقة المسوّرة سجنٌ جميلٌ أيضًا. أنت محصورٌ في عتاد أبل وأسعارها المرتفعة، وفي طريقتها في فعل الأشياء، وأقلّ حرّيّةً في التعديل والتوسيع. ماك نظامٌ مغلقٌ مدفوعٌ كويندوز، لكنّه مقترنٌ بعتادٍ بعينه. جمهوره من يقدّر التكامل والتصميم والاستقرار ولا يمانع ثمنه: المصمّمون والمبدعون وصانعو المحتوى، ومن يريد جهازًا يعمل بسلاسةٍ دون أن يعبث بتفاصيله.

لينكس: النظام الحرّ

لينكس فلسفةٌ ثالثةٌ مختلفةٌ عن الاثنين. لا شركة تملكه ولا تبيعه، بل بناه ويطوّره مجتمعٌ عالميٌّ من المتطوّعين والشركات معًا، وأتاحه للجميع مجّانًا وبشيفرةٍ مفتوحةٍ يقرؤها ويعدّلها من شاء. بدأه طالبٌ فنلنديٌّ اسمه لينوس تورفالدس عام 1991 مشروعًا شخصيًّا، فصار اليوم يشغّل أغلب خوادم الإنترنت، والحواسيب الفائقة كلّها تقريبًا، وقلب أنظمة الهواتف كأندرويد.[3]

قوّة لينكس في حرّيّته ومرونته. تشكّله كما تشاء، وتطّلع على كلّ سطرٍ فيه، ولا تدفع قرشًا، وتشغّله على عتادٍ قديمٍ يعجز عن حمل الأنظمة الأخرى. لهذا يسود حيث يهمّ التحكّم والكفاءة والكلفة: الخوادم، والبنية التحتيّة، وأجهزة كثيرةٍ لا تراها. ولأنّه مفتوحٌ يفحصه الملايين، تُكتشَف ثغراته وتُسدّ بسرعة، وهو سرّ اعتماد أخطر الأنظمة عليه.

لكنّ حرّيّته تأتي بكلفةٍ في سطح المكتب. بعض العتاد لا يجد دعمًا فوريًّا كما مرّ بك في مقال التعريفات، وبعض البرامج التجاريّة والألعاب لا تعمل عليه، ويحتاج المبتدئ جهدًا أكبر أحيانًا. تحسّن كثيرًا حتّى صارت بعض توزيعاته سهلةً كأيّ نظام، لكنّ حصّته في سطح المكتب تبقى صغيرةً مقابل سيطرته الساحقة على الخوادم. جمهوره: المبرمجون، وخبراء النظم، ومحبّو التحكّم، ومن يقدّر الحرّيّة والمصدر المفتوح.

ما «التوزيعة»؟

هنا نقطةٌ تربك المبتدئين. لينكس في الأصل ليس نظام تشغيلٍ كاملًا، بل نواةٌ فقط، هي القلب الذي مرّ بك في المقال السابق. النواة وحدها لا تكفيك: تحتاج معها واجهةً، وبرامج، وأدوات. لهذا تجمع جهاتٌ مختلفةٌ النواة مع ما حولها في حزمةٍ كاملةٍ جاهزةٍ للاستعمال، تسمّى التوزيعة (Distribution). فالتوزيعة هي نواة لينكس زائد كلّ ما تحتاجه لتصير نظامًا تعمل عليه.

ولأنّ الجميع حرٌّ في التجميع، وُلِدت مئات التوزيعات، كلٌّ بطابعها وجمهورها. توزيعةٌ كأوبونتو تركّز على سهولة المبتدئ، وأخرى على أحدث البرامج، وثالثةٌ على الثبات المطلق للخوادم، ورابعةٌ خفيفةٌ للأجهزة الضعيفة. هذا التنوّع نعمةٌ ونقمة: خيارٌ لكلّ حاجة، لكنّه يحيّر القادم الجديد. حين يقول أحدهم «أستعمل لينكس»، فالسؤال الطبيعيّ: أيّ توزيعة؟ فبينها فروقٌ كبيرةٌ في الشكل والفلسفة.

ومن أوجه هذا التنوّع «بيئة سطح المكتب»: الواجهة الرسوميّة التي رأيتَ في المقال السابق أنّها منفصلةٌ عن النواة. في لينكس تختار بيئتك كما تختار قميصًا: واحدةٌ تشبه ويندوز لتريح القادم منه، وأخرى تشبه ماك، وثالثةٌ خفيفةٌ للأجهزة الضعيفة، ورابعةٌ تعطيك تحكّمًا لا نهائيًّا. هذه الحرّيّة لا تجدها في ويندوز وماك حيث الواجهة ثابتةٌ تصنعها الشركة، وهي مثالٌ آخر على فلسفة لينكس: أنت تشكّل نظامك لا تتقبّله كما جاء.

المفتوح مقابل المغلق

مرّ بك مصطلح «مفتوح المصدر»، وهو محور الفرق بين لينكس والآخرين، ويستحقّ توضيحًا. برنامج المصدر المفتوح تُنشَر شيفرته للجميع: يقرؤها أيّ أحد، ويتحقّق ممّا تفعل، ويعدّلها ويوزّع نسخته. أمّا المغلق فشيفرته سرٌّ تحتكره الشركة، تستعمل البرنامج ولا ترى داخله. هذا امتدادٌ لفكرة الصيغ المفتوحة والمغلقة التي مرّت بك في مقال الملفّات، لكن على مستوى البرنامج كلّه لا الملفّ.

ولهذا الفرق أثرٌ عميقٌ يتجاوز السعر. المصدر المفتوح يعني أنّك لا تعتمد على بقاء شركةٍ واحدة، وأنّ آلاف العيون تفحص الشيفرة فتكشف الأخطاء والثغرات والأبواب الخفيّة. والمغلق يعني أنّك تثق بالشركة ثقةً عمياء فيما لا تراه، مقابل منتجٍ مصقولٍ مدعومٍ رسميًّا. ليس أحدهما شرًّا مطلقًا: كلٌّ يناسب حاجةً وجمهورًا، والمفاضلة بينهما قيمةٌ لا مجرّد تقنية.

ونظامٌ رابعٌ صاعد

إلى جانب الثلاثة الكبار، صعد نظامٌ رابعٌ بفلسفةٍ مختلفةٍ جذريًّا: كروم أو إس من جوجل، الذي يشغّل حواسيب الكروم بوك. فكرته أنّ كلّ شيءٍ تقريبًا يجري في المتصفّح والسحابة، لا على الجهاز نفسه. فالجهاز خفيفٌ رخيصٌ سريعٌ، وبياناتك وبرامجك على الإنترنت في الغالب. انتشر خاصّةً في المدارس والتعليم لرخصه وبساطته وقلّة صيانته، وهو مبنيٌّ بدوره على نواة لينكس تحته.

لكنّ فلسفته سلاحٌ ذو حدّين. يعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاتّصال بالإنترنت، ويقيّدك في تشغيل البرامج التقليديّة الثقيلة، فلا يصلح لكلّ عمل. هو مثالٌ حيٌّ على اتّجاهٍ أوسع: انتقال الحوسبة من الجهاز إلى السحابة، حتّى صار الجهاز أحيانًا مجرّد نافذةٍ على برامج تعمل في مكانٍ بعيد. هذا الاتّجاه يقودك لاحقًا إلى فهم أنواع البرامج، خاصّةً تلك التي تعمل في المتصفّح.

الأمان: تبديد الأساطير

حول أمان الأنظمة أساطير كثيرة تحتاج تصحيحًا. الأسطورة الأولى: «ماك لا يُصاب بالفيروسات». باطلة. ماك يُصاب، لكنّه كان أقلّ استهدافًا لصغر حصّته مقارنةً بويندوز، فقلّ من يتعب في مهاجمته. ومع نموّ حصّته صار هدفًا أكثر. لا يوجد نظامٌ محصّنٌ بطبيعته، بل أنظمةٌ أقلّ استهدافًا وأكثر، وحجم الجمهور عاملٌ كبيرٌ في كم البرمجيّات الخبيثة الموجّهة إليه.

والأسطورة الثانية: «لينكس لا يُخترَق». باطلةٌ أيضًا. لينكس آمنٌ جدًّا لأسبابٍ حقيقيّة: مصدره مفتوحٌ يفحصه الملايين، وصلاحيّاته صارمة، ومجتمعه يسدّ ثغراته بسرعة. لكنّه ليس سحرًا: خادمٌ سيّئ الإعداد يُخترَق مهما كان نظامه. الأمان في النهاية سلوكٌ وإعدادٌ لا مجرّد اسم نظام: كلمة مرورٍ ضعيفةٌ أو برنامجٌ مثقوبٌ يهزم أيّ نظامٍ مهما اشتُهر بحصانته.

الحقيقة الجامعة: لا نظام آمنٌ بذاته، بل الأمان طبقاتٌ من إعدادٍ سليمٍ وتحديثٍ منتظمٍ وسلوكٍ حذر، كما رأيتَ في سلسلة الاستضافة. النظام الأكثر شيوعًا يُستهدَف أكثر، والمفتوح تُكتَشَف ثغراته أسرع، والمغلق يعتمد على شركته في سدّها. لكنّ أضعف حلقةٍ تبقى المستخدم نفسه في الغالب، لا النظام. اختر بوعي، وأمّن بسلوكٍ سليم، ولا تركن إلى اسمٍ يُقال إنّه لا يُخترَق.

لماذا لا يعمل برنامجٌ على نظامٍ آخر؟

لعلّك تساءلت لماذا لا يعمل برنامج ويندوز على ماك ولو كان المعالج نفسه. السبب ما مرّ بك في مقال نظام التشغيل: كلّ برنامجٍ يخاطب نداءات نظامٍ بعينه بطريقته الخاصّة، ويُبنى ليعمل ضمن ذلك النظام تحديدًا. فحين تنقله إلى نظامٍ آخر، لا يجد النداءات نفسها ولا الواجهات، فلا يعمل. ملفّ .exe مبنيٌّ لويندوز، لا يفهمه ماك ولا لينكس أصلًا.

لكنّ ثمّة حيلًا تجسر الفجوة. طبقات التوافق تترجم نداءات نظامٍ إلى آخر، فتشغّل بعض برامج ويندوز على لينكس مثلًا. والأجهزة الافتراضيّة تشغّل نظامًا كاملًا داخل نظامٍ آخر كأنّه برنامج. وكثيرٌ من البرامج الحديثة يُبنى بنسخٍ لكلّ نظام، فتجد نسخة ويندوز ونسخة ماك ونسخة لينكس من البرنامج ذاته. البرامج التي تعمل داخل المتصفّح تحلّ المشكلة جذريًّا: تعمل في أيّ نظامٍ فيه متصفّح، وهو ما ستراه لاحقًا.

من أين تأتي البرامج؟

تختلف الأنظمة في كيف تحصل على برامجك. لكلٍّ اليوم متجرٌ رسميٌّ يقدّم برامج مفحوصةً بضغطة زرّ: متجر ويندوز، ومتجر ماك، ومراكز برامج التوزيعات في لينكس. لكنّ ويندوز يبقى الأكثر انفتاحًا: تثبّت فيه ما تشاء من أيّ مصدرٍ خارج المتجر بحرّية، وهي حرّيّةٌ تحمل خطرًا إن جلبت برنامجًا خبيثًا. وماك أكثر تحفّظًا، يحذّرك من برامج خارج مصادره الموثوقة حمايةً لك.

ولينكس نهجٌ مختلفٌ أنيق: مستودعاتٌ مركزيّةٌ تديرها التوزيعة، تجلب منها البرامج وتحدّثها كلّها معًا من مكانٍ واحدٍ موثوق، دون مطاردة مواقع كما في ويندوز. هذا النموذج أسبق من متاجر التطبيقات التي عرفها الناس في الهواتف، وأكثر أمانًا من تحميل برنامجٍ من موقعٍ مجهول. توفّر البرامج نفسه يفرق: ويندوز أوفر البرامج التجاريّة والألعاب، وماك قويٌّ في البرامج الإبداعيّة، ولينكس غنيٌّ بالبرامج المفتوحة المجّانيّة.

من يعمل على ماذا؟

وللعتاد قصّةٌ في هذا. ويندوز ولينكس يعملان على طيفٍ هائلٍ من العتاد، من الأرخص إلى الأغلى، ومن أجهزة اليوم إلى ما مضى عليه سنون. أمّا ماك فيقتصر على عتاد أبل، وقد انتقل كلّه إلى معالجات أبل الخاصّة، فودّع معالجات إنتل التي استعملها سنين. هذا يعني أنّ شراء ماك يعني شراء عتاد أبل بالضرورة، بينما تختار مع ويندوز ولينكس عتادك من سوقٍ واسعةٍ بأيّ ميزانيّة.

ولينكس بطلٌ في إحياء العتاد القديم. جهازٌ عجز عن حمل أحدث ويندوز بسبب ثقله أو نقص شريحة أمانٍ يعمل بلينكس خفيفٍ بكفاءةٍ ممتازة، فيمتدّ عمره سنواتٍ بدل أن يصير نفايةً إلكترونيّة. هذه إحدى أجمل فوائد لينكس عمليًّا للناس العاديّين، لا للخبراء فقط: تركّب توزيعةً خفيفةً على حاسوبٍ قديمٍ فيعود سريعًا نافعًا، دون أن تدفع في عتادٍ جديد.

كيف يُحدَّث كلٌّ؟

تختلف الأنظمة في طريقة تحديثها اختلافًا يمسّ تجربتك اليوميّة. ويندوز يفرض تحديثاته بحزمٍ أحيانًا، وقد يعيد تشغيل جهازك في وقتٍ لا تريده، وهو ما يشكو منه كثيرون. وماك يصدر تحديثاتٍ كبيرةً منظّمةً بوتيرةٍ ثابتة، متكاملةً مع عتاده. ولينكس يعطيك تحكّمًا كاملًا: تحدّث متى شئت وما شئت، وبعض توزيعاته «متدحرجةٌ» تصلها التحديثات أوّلًا بأوّل، وبعضها ثابتٌ لا يتغيّر إلّا نادرًا.

وهذا انعكاسٌ مباشرٌ للفلسفات الثلاث. ويندوز يفرض ليحمي جمهوره الواسع الذي لا يحدّث بنفسه، ولو أزعج المتمرّس. وماك ينظّم ليحفظ تكامله. ولينكس يترك القرار لك لأنّه يفترض أنّك تعرف ما تفعل. لا طريقة مثاليّةً للجميع: الفرض يحمي الغافل ويضايق الخبير، والحرّيّة تريح الخبير وتخذل الغافل. اختر ما يناسب كم تريد أن تتحكّم، وكم تثق بنفسك في إدارة جهازك.

أين يسود كلٌّ؟

لكلّ نظامٍ مملكةٌ يسودها. ويندوز ملك حواسيب سطح المكتب والمكاتب والألعاب. وماك يسود بين المبدعين وصانعي المحتوى ومن يقدّر التكامل. ولينكس يحكم كلّ ما لا تراه غالبًا: أغلب خوادم الإنترنت التي تخدم المواقع تعمل عليه، والحواسيب الفائقة كلّها تقريبًا تعتمده، وأجهزة الشبكات والأنظمة المدمجة. فالنظام الذي تراه أقلّ على أجهزة الناس هو الأكثر تشغيلًا للعالم الرقميّ من خلف الستار.

هذه المفارقة تستحقّ التأمّل: تفتح موقعًا من حاسوبٍ بويندوز أو هاتفٍ بأندرويد، فيخدمك خادمٌ يعمل بلينكس، ويمرّ طلبك عبر أجهزة شبكاتٍ تعمل بلينكس. النظام الذي يظنّه كثيرون «للخبراء فقط» هو العمود الفقريّ الخفيّ للإنترنت كلّه. معرفتك بهذا تغيّر نظرتك: الأنظمة الثلاثة لا تتنافس على أرضٍ واحدة، بل يسود كلٌّ حيث تناسب فلسفته الحاجة.

أيّها لك؟

وأخيرًا السؤال العمليّ. إن أردت أوسع توافقٍ مع البرامج والألعاب والعتاد بأيّ ميزانيّة، فويندوز خيارك، وهو الأسلم لمن يريد جهازًا يعمل مع كلّ شيءٍ بلا عناء. وإن كنت مصمّمًا أو صانع محتوًى تقدّر التكامل والاستقرار والتصميم ولا يثقلك السعر، فماك يستحقّ نظرك، خاصّةً لعمر بطّاريّته وأدائه في المهامّ الإبداعيّة.

وإن كنت مبرمجًا أو فضوليًّا تحبّ التحكّم والتعلّم، أو تريد إحياء جهازٍ قديم، أو تقدّر الحرّيّة والمجّانيّة، فلينكس بابٌ واسع. ولا تنسَ أنّك لست مضطرًّا للاختيار الأبديّ: تجرّب لينكس دون أن تمسّ نظامك، وتشغّل نظامين معًا كما مرّ بك في مقال الإقلاع. القاعدة أن تبدأ من حاجتك أنت وما تفعله أكثر، لا من موضةٍ ولا من رأي غيرك، فالنظام أداةٌ تخدمك لا هويّةٌ تدافع عنها.

وللكلفة موضعها في القرار أيضًا، لكن انظر إليها كاملةً لا سعرًا لحظيًّا. ويندوز ثمنه مضمّنٌ غالبًا في الجهاز، وماك يجمع ثمن نظامٍ وعتادٍ مرتفعٍ معًا، ولينكس مجّانيٌّ تمامًا لكنّه قد يكلّفك وقتًا في التعلّم والإعداد. أرخص نظامٍ في السعر قد يكون أغلى في الوقت، وأغلاه في السعر قد يوفّر عليك عناءً يساوي فرقه. وازن بين مالك ووقتك وحاجتك، فالكلفة الحقيقيّة ليست رقمًا على العلبة وحده.

جرّبه بنفسك

اعرف نظامك أوّلًا: افتح معلومات النظام في جهازك واقرأ اسم النظام وإصداره بدقّة، ونوع معالجه. كثيرٌ من الناس لا يعرفون أيّ إصدارٍ يشغّلون، وهي أوّل معلومةٍ تحتاجها عند أيّ مشكلةٍ أو تحديث. ثمّ ابحث عن حدّ العتاد الذي يتطلّبه أحدث إصدارٍ من نظامك، وقارنه بجهازك، لتعرف هل يقدر على الترقية أم بلغ نهاية طريقه.

وإن أثارك لينكس، جرّبه بلا مخاطرة: كثيرٌ من توزيعاته تعمل مباشرةً من ذاكرة USB دون تثبيتٍ ولا مساسٍ بنظامك، فتختبر شكله وسرعته ثمّ تعود إلى نظامك كأنّ شيئًا لم يكن. هذه أفضل طريقةٍ لتذوّق نظامٍ آخر قبل أن تقرّر. جرّبها على جهازٍ قديمٍ إن كان لديك، وقد تفاجأ كم يعود سريعًا نافعًا بنظامٍ خفيفٍ مجّانيّ.

من الحاسوب إلى الجيب

عرفتَ أنّ الأنظمة الثلاثة ليست منتجاتٍ متنافسةً على أرضٍ واحدة، بل ثلاث فلسفات: ويندوز يعمل على عتاد الجميع، وماك يتكامل مع عتاد أبل وحده، ولينكس يهبه المجتمع مفتوحًا حرًّا. وفهمتَ شجرة قرابتها، ومعنى التوزيعة والمصدر المفتوح، وبدّدتَ أساطير الأمان، وعرفتَ أيّها يناسب حاجتك. صار اختيار النظام عندك قرارًا واعيًا لا تقليدًا، تبني على فهمٍ عميقٍ لا على شعارٍ عابرٍ سمعته من غيرك.

لكنّ الحاسوب لم يعد النافذة الوحيدة على العالم الرقميّ. في جيبك جهازٌ أقوى من حواسيب الماضي كلّها، يشغّل نظامًا صُمّم لعالمٍ مختلف: اللمس، والحركة، والبطّاريّة، والاتّصال الدائم. كيف تختلف أنظمة الهواتف عن أنظمة الحاسوب، ولماذا صُمّمت هكذا، وما قصّة أندرويد وآي أو إس؟ هذا موضوع المقال القادم، إذ ينتقل بك من المكتب إلى راحة اليد، وترى كيف أعادت أنظمة الهواتف التفكير في كلّ ما عرفتَه عن نظام التشغيل.

المصادر

  1. ويكيبيديا، «يونكس (Unix)» (أصل يونكس وتأثيره في لينكس وماك المبنيّين على تراثه، مقابل مسار ويندوز المنفصل).
  2. StatCounter، «Desktop Operating System Market Share Worldwide» (هيمنة ويندوز على حصّة حواسيب سطح المكتب عالميًّا).
  3. ويكيبيديا، «لينكس (Linux)» (نشأة لينكس على يد لينوس تورفالدس 1991، كونه مفتوح المصدر، وسيطرته على الخوادم والحواسيب الفائقة).

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة