مرّ بك في المقالين السابقين تمييزٌ عابر: تطبيقٌ تثبّته على جهازك، وتطبيقٌ يعمل في متصفّحك، وتطبيق هاتفٍ في صندوقه المعزول. بدت كلّها «تطبيقات»، لكنّها مختلفةٌ في جوهرها اختلافًا يمسّك مباشرةً: في أدائها، وخصوصيّتك، وكيف تصل إليها وتحدّثها. حين تفتح تطبيق بنكك، أهو أصليٌّ أم صفحة ويبٍ تتنكّر؟ ولماذا يهمّك الفرق أصلًا؟ هذا سؤال المقال.
في هذا المقال أميّز لك بوضوحٍ بين أنواع التطبيقات التي تستعملها كلّ يوم: التطبيق الأصليّ المبنيّ لنظامٍ بعينه، وتطبيق الويب الذي يعمل في المتصفّح، والتطبيق الهجين بينهما، وتطبيق الويب التقدّميّ الذي يجمع حسنات الطرفين. وتفهم المفاضلة الجوهريّة التي تحكمها كلّها، ولماذا تختار شركةٌ نوعًا دون آخر، وكيف تعرف أنت أيّها تستعمل، وماذا يعني ذلك لخصوصيّتك وتجربتك.
التطبيق الأصليّ
التطبيق الأصليّ برنامجٌ بُنِي خصّيصًا لنظامٍ بعينه، بلغته وأدواته، ليعمل عليه وحده. تطبيقٌ لأندرويد كُتِب بأدوات أندرويد، وآخر لآي أو إس بأدواته، وثالثٌ لويندوز. تحمّله من متجر النظام الرسميّ وتثبّته في صندوقه، فيصير جزءًا منه. لأنّه صُمّم لهذا النظام تحديدًا، يستغلّ كلّ قدراته: الكاميرا، والموقع، والإشعارات، والمستشعرات، بأفضل أداءٍ وأعمق تكاملٍ ممكن.[1]
ميزته الكبرى القوّة والسلاسة. لأنّه مترجمٌ إلى لغة النظام مباشرةً، كما مرّ بك في مقال كيف يعمل البرنامج، يعمل بأقصى سرعةٍ ممكنةٍ ويصل إلى كلّ ما في الجهاز دون وسيط. الألعاب الثقيلة وتطبيقات التصميم والكاميرا المتقدّمة تحتاج هذه القوّة، فتُبنى أصليّةً غالبًا. لكنّ ثمنه أنّه مرتبطٌ بنظامه: تحتاج نسخةً منفصلةً لكلّ نظام، بجهدٍ وكلفةٍ مضاعفة، وعلى كلّ نسخةٍ أن تمرّ بمتجرها ومراجعته وتحديثاته.
تطبيق الويب
على الطرف الآخر تطبيق الويب: لا يُثبَّت، بل يعمل داخل متصفّحك، كما مرّ بك من أنّ المتصفّح صار منصّةً لتشغيل البرامج. تفتح رابطًا فيعمل التطبيق، دون تحميلٍ ولا متجرٍ ولا مساحةٍ على جهازك. بريدٌ، أو مستنداتٌ، أو لوحة تحكّم، كلّها قد تكون تطبيقات ويبٍ تعمل في المتصفّح. مبنيّةٌ بلغات الويب المعروفة، تعمل على أيّ جهازٍ فيه متصفّح، مهما كان نظامه.[1]
ميزته الكبرى الوصول والسهولة. تطبيقٌ واحدٌ يعمل على ويندوز وماك ولينكس وأندرويد وآي أو إس، دون نسخٍ منفصلة، ودون تثبيت، ويُحدَّث فورًا للجميع من مكانٍ واحدٍ دون انتظار مراجعة متجر. لكنّ ثمنه أنّه محدود القدرة: لا يصل إلى كلّ إمكانات الجهاز كالأصليّ، وأداؤه أدنى في المهامّ الثقيلة، ويحتاج غالبًا اتّصالًا بالإنترنت ليعمل، إذ يعيش أصله على خادمٍ بعيد.
المفاضلة الجوهريّة
بين النوعين مفاضلةٌ واحدةٌ تحكم كلّ شيء: قوّةٌ وتكاملٌ مقابل وصولٍ وسهولة. الأصليّ يعطيك أقصى أداءٍ وأعمق استغلالٍ للجهاز، لكن بكلفة نسخةٍ لكلّ نظامٍ وتثبيتٍ ومتجر. والويب يعطيك وصولًا للجميع بلا تثبيتٍ ولا نسخ، لكن بأداءٍ أدنى وقدرةٍ محدودةٍ واعتمادٍ على الاتّصال. لا خيار أفضل مطلقًا، بل أنسب لكلّ حاجة: القوّة أم الانتشار، العمق أم اليسر، والحكم يختلف باختلاف ما تبنيه ولمن.
هذه المفاضلة تفسّر كلّ ما يليها. وكلّ الأنواع الأخرى محاولاتٌ للجمع بين حسنتي الطرفين والهرب من عيبيهما: أن تنال قوّة الأصليّ ووصول الويب معًا. لم يجد أحدٌ حلًّا كاملًا يجمعهما بلا تنازل، لكنّ الحلول الوسطى اقتربت كثيرًا. من فهم هذه المفاضلة الأساسيّة، فهم لماذا وُجِد التطبيق الهجين وتطبيق الويب التقدّميّ، وما الذي يحاول كلٌّ منهما تحقيقه، ولماذا لا يوجد نوعٌ واحدٌ ابتلع الباقي.
التطبيق الهجين
الحلّ الوسط الأوّل هو التطبيق الهجين. فكرته أن تبني تطبيقك بلغات الويب، ثمّ تغلّفه في «قشرةٍ» أصليّةٍ رقيقةٍ تجعله يبدو ويُثبَّت كتطبيقٍ أصليٍّ من المتجر. فتكتب الشيفرة مرّةً واحدةً بلغات الويب، وتحصل على تطبيقٍ في متاجر كلّ الأنظمة. هذا يوفّر كلفة بناء نسخةٍ أصليّةٍ لكلّ نظام، مع بقاء التطبيق حاضرًا في المتجر ومثبّتًا على الجهاز كالأصليّ في نظر المستخدم.
لكنّ الهجين يبقى وسطًا بحسناته وعيوبه. يوفّر الكلفة والوصول لكلّ المنصّات بشيفرةٍ واحدة، لكنّه غالبًا أبطأ قليلًا من الأصليّ الخالص، وقد لا يصل إلى أحدث قدرات النظام بالسلاسة نفسها. كثيرٌ من التطبيقات التي تستعملها اليوم هجينةٌ دون أن تعرف: تبدو أصليّةً في المتجر، لكنّ قلبها لغات ويبٍ مغلّفة. هذا النموذج شائعٌ جدًّا لأنّه يوازن بين الكلفة والانتشار بذكاء.
تطبيق الويب التقدّميّ
الحلّ الوسط الأحدث والأنيق هو تطبيق الويب التقدّميّ، ويُختصَر PWA. هو في جوهره تطبيق ويبٍ عاديّ، لكنّه اكتسب قدراتٍ كانت حكرًا على الأصليّ: تثبّته على شاشتك الرئيسيّة بأيقونةٍ كأيّ تطبيق، ويعمل دون اتّصالٍ بالإنترنت، ويرسل إشعاراتٍ، ويفتح في نافذته الخاصّة لا في المتصفّح. كلّ ذلك دون متجرٍ ولا تثبيتٍ تقليديّ، فتنال شيئًا يشبه التطبيق الأصليّ لكن بمرونة الويب وخفّته.[2]
هذا يقترب كثيرًا من حلم الجمع بين الطرفين. تكتب تطبيقًا واحدًا بلغات الويب، يعمل على كلّ نظام، ويُحدَّث فورًا دون متجر، ومع ذلك يُثبَّت ويعمل دون اتّصالٍ ويرسل إشعاراتٍ كالأصليّ. لهذا تبنّته شركاتٌ كثيرةٌ لخدماتها، خاصّةً حيث لا تحتاج أقصى أداءٍ أو أعمق قدرات الجهاز. صار كثيرٌ ممّا تظنّه تطبيقًا مثبّتًا على هاتفك تطبيق ويبٍ تقدّميًّا في الحقيقة.[3]
كيف يعمل PWA؟
ما الذي يمنح تطبيق الويب هذه القدرات الجديدة؟ برنامجٌ صغيرٌ ذكيٌّ اسمه «عامل الخدمة»: شيفرةٌ تعمل في الخلفيّة في متصفّحك، تعترض طلبات التطبيق للشبكة. فتحفظ نسخةً من ملفّات التطبيق وبياناته في جهازك، فإن انقطع الإنترنت خدمتك من النسخة المحفوظة بدل أن يتوقّف كلّ شيء. هذا الحفظ الذكيّ، الذي يذكّرك بالتخزين المؤقّت في مقال نظام التشغيل، هو سرّ عمل التطبيق دون اتّصال.
وعامل الخدمة نفسه يتيح الإشعارات الفوريّة عبر خدمة الدفع التي مرّت بك في مقال الهواتف، فيوقظ التطبيق ليعرض إشعارًا حتّى وهو مغلق. هكذا اكتسب الويب قدراتٍ أصليّةً بذكاءٍ في التصميم لا بتخلٍّ عن طبيعته. لست بحاجةٍ لفهم تفاصيل هذا لتستعمل التطبيق، لكن معرفتك أنّ وراء «التطبيق» المثبّت على شاشتك قد يكون صفحة ويبٍ ذكيّةً تفسّر لك كثيرًا من سلوكه.
أطرٌ تكتب مرّةً وتعمل في كلّ مكان
بين الأصليّ والهجين ظهر حلٌّ ثالثٌ للمطوّرين: أطرٌ متعدّدة المنصّات. فكرتها أن تكتب شيفرةً واحدةً بلغةٍ واحدة، ثمّ يحوّلها الإطار إلى تطبيقٍ أصليٍّ حقيقيٍّ لكلّ نظام، لا مجرّد صفحة ويبٍ مغلّفة. فتنال أداءً قريبًا من الأصليّ الخالص، مع توفير كتابة نسخةٍ منفصلةٍ لكلّ نظام. هذا النموذج انتشر كثيرًا، وصار كثيرٌ من التطبيقات المعروفة مبنيًّا به دون أن يلحظ المستخدم فرقًا.
الفرق بينه وبين الهجين دقيقٌ لكنّه مهمّ. الهجين صفحة ويبٍ داخل قشرةٍ أصليّة، أمّا هذه الأطر فتولّد واجهةً أصليّةً حقيقيّةً من شيفرةٍ واحدة، فتكون أسرع وأقرب إلى إحساس النظام. لهذا فضّلتها شركاتٌ تريد أداءً عاليًا دون كلفة بناء نسختين أصليّتين كاملتين. هذا مثالٌ آخر على أنّ عالم البرمجيّات لا يكتفي بخيارين، بل يبتكر باستمرار حلولًا وسطى تقترب من الجمع بين الحسنين.
تطبيقات سطح المكتب من لغات الويب
وليست هذه الحيلة حكرًا على الهواتف. كثيرٌ من برامج سطح المكتب التي تثبّتها على حاسوبك مبنيٌّ في الحقيقة بلغات الويب، مغلّفةٍ في نافذةٍ مستقلّةٍ تحمل متصفّحًا مخفيًّا بداخلها. فالبرنامج صفحة ويبٍ في جوهرها، لكنّها تعمل كتطبيق سطح مكتبٍ كامل. هذا يفسّر لماذا صار كثيرٌ من برامج المحادثة والمحرّرات ثقيلًا على الذاكرة أكثر ممّا تتوقّع: كلٌّ منها يحمل متصفّحه الخاصّ في جوفه.
هذا النموذج نعمةٌ ونقمة. نعمةٌ لأنّه يتيح بناء برنامجٍ واحدٍ يعمل على ويندوز وماك ولينكس بلغات الويب المعروفة، فينتشر بسرعةٍ وكلفةٍ أقلّ. ونقمةٌ لأنّه يستهلك ذاكرةً ومواردَ أكثر من برنامجٍ أصليٍّ خالصٍ يؤدّي المهمّة نفسها. لهذا قد يبطّئ جهازك برنامجٌ بسيطٌ في وظيفته لكنّه مبنيٌّ هكذا، وهو ما يفسّر شكوى كثيرين من ثقل برامج صارت تبدو بسيطة.
الأمان يختلف بالنوع
لكلّ نوعٍ وجهه الأمنيّ. التطبيق الأصليّ يعيش في صندوق رملٍ بأذوناتٍ واضحةٍ تمنحها أو تمنعها، كما مرّ بك في مقال الهواتف، لكنّه إن كان خبيثًا نال ما أذنت له به على جهازك. وتطبيق الويب محصورٌ في المتصفّح، لا يصل إلى جهازك إلّا بما يسمح به المتصفّح بقيودٍ صارمة، فخطره على نظامك أقلّ، لكنّه قد يخدعك في المتصفّح نفسه بصفحةٍ مزيّفة.
ولهذا نصائح الأمان تختلف قليلًا بالنوع. مع الأصليّ، راقب الأذونات وحمّل من المتجر كما مرّ بك في مقال اقتناء البرمجيّات. ومع الويب، تحقّق من عنوان الموقع أنّه الحقيقيّ لا مزيّفٌ يقلّده، وأنّ الاتّصال مشفّرٌ آمن. النوعان يحتاجان يقظتك، لكن في مواضع مختلفة: الأصليّ عند التثبيت والأذونات، والويب عند التأكّد من هويّة الموقع وأمان الاتّصال به.
لماذا تختار شركةٌ نوعًا؟
قرار الشركة بين هذه الأنواع اقتصاديٌّ وتقنيٌّ معًا. الميزانيّة أوّلًا: بناء تطبيقاتٍ أصليّةٍ لكلّ نظامٍ مكلفٌ ويحتاج فرقًا متخصّصة، بينما تطبيقٌ واحدٌ بلغات الويب أرخص وأسرع. والحاجة إلى الأداء ثانيًا: لعبةٌ ثقيلةٌ أو تطبيق تصميمٍ يحتاج قوّة الأصليّ، بينما خدمةٌ بسيطةٌ تكفيها قدرة الويب. ورسوم المتاجر ثالثًا: يتجنّب بعضهم نسبة المتجر من كلّ عمليّةٍ بالذهاب إلى الويب مباشرةً.
ولهذا ترى شركةً كبيرةً تبني تطبيقًا أصليًّا فاخرًا حين يهمّها الأداء والتكامل، وأخرى تكتفي بتطبيق ويبٍ تقدّميٍّ يصل للجميع بكلفةٍ أقلّ. وكثيرٌ منها يجمع: تطبيقٌ أصليٌّ لمن يريده، وتطبيق ويبٍ لمن يفضّل المتصفّح، يخدمان الغرض نفسه بطريقتين. حين تفهم هذه الحسابات، تفهم لماذا تجد الخدمة الواحدة أحيانًا بأشكالٍ متعدّدة، ولماذا تختلف تجربتك بينها اختلافًا تلمسه.
ووراء هذا صراعٌ اقتصاديٌّ حقيقيّ. متاجر التطبيقات تأخذ نسبةً من كلّ عمليّة بيعٍ أو اشتراكٍ داخل التطبيقات الأصليّة، وهي نسبةٌ كبيرةٌ يشكو منها كثيرٌ من المطوّرين. لهذا يدفع بعضهم مستخدميه نحو الويب، حيث لا وسيط ولا نسبة، فيبيعون مباشرةً. هذا الصراع بين أصحاب المتاجر والمطوّرين شكّل قراراتٍ كثيرةً تلمس أثرها: خدمةٌ تطلب منك الاشتراك من موقعها لا من داخل تطبيقها، تجنّبًا لنسبة المتجر.
وقد تدخّلت جهاتٌ تنظيميّةٌ في هذا الصراع، ففرضت على بعض الأنظمة فتح باب التثبيت من خارج متجرها الرسميّ، ودفعٍ خارج نظام المتجر. هذه التغييرات تعيد ترتيب الأمور، وتوسّع خياراتك مستخدمًا: قد تجد قريبًا تطبيقاتٍ خارج المتاجر، وطرق دفعٍ أرخص. لكنّها تفتح أيضًا أبواب الخطر التي حذّرتك منها، فالحرّيّة الأوسع مسؤوليّةٌ أكبر عليك في تمييز المصدر الآمن من غيره.
أمثلةٌ من حياتك اليوميّة
لتربط هذا بواقعك، فكّر في نوع كلّ ما تستعمله. الألعاب الثقيلة ثلاثيّة الأبعاد على هاتفك أصليّةٌ دائمًا، لأنّها تحتاج أقصى أداءٍ ووصولٍ للعتاد. وتطبيق البنك غالبًا أصليٌّ أيضًا، لحساسيّته وحاجته لأمانٍ وأذوناتٍ دقيقة. أمّا لوحة تحكّم عملك، أو أداة تصميمٍ بسيطة، أو خدمة بريدٍ تفتحها في المتصفّح، فهي تطبيقات ويب. وكثيرٌ من تطبيقات المتاجر والخدمات صار تقدّميًّا أو هجينًا يجمع بين الطرفين.
ولاحظ أنّ الخدمة الواحدة قد تظهر بأنواعٍ عدّة معًا. خدمةٌ لها تطبيقٌ أصليٌّ على الهاتف، وموقعٌ كامل على الحاسوب، وتطبيقٌ تقدّميٌّ للأجهزة الأخرى، كلّها للغرض نفسه. حين تفهم هذا، لا تعود تتعجّب لماذا تختلف تجربتك للخدمة الواحدة بين جهازٍ وآخر: أنت تستعمل أنواعًا مختلفةً من التطبيق نفسه، لكلٍّ قدراته وحدوده. الاسم واحد، والتطبيق تحته أنواع.
كيف تعرف أيّها تستعمل؟
كيف تميّز أنت النوع الذي تستعمله؟ إن فتحته في متصفّحٍ برابطٍ، فهو تطبيق ويب. إن ثبّتّه من متجرٍ وله أيقونةٌ ويعمل دون متصفّح، فهو أصليٌّ أو هجينٌ أو تقدّميّ، وقد يصعب التمييز بينها بالعين. علامةٌ مفيدة: إن عرض عليك موقعٌ زرّ «إضافة إلى الشاشة الرئيسيّة» أو «تثبيت التطبيق» وأنت في المتصفّح، فهو غالبًا تطبيق ويبٍ تقدّميّ، لا أصليٌّ من المتجر.
لكن هل يهمّك التمييز أصلًا؟ للمستخدم العاديّ، ما يهمّ هو التجربة: أيعمل جيّدًا، أيصل لما تحتاج، أيحترم خصوصيّتك؟ لا نوعه في ذاته. لكنّ معرفة النوع تفيدك في مواضع: تفهم لماذا يعمل تطبيقٌ دون إنترنت وآخر لا، ولماذا يشغل أحدهما مساحةً كبيرةً وآخر لا شيء، ومن أين تحدّثه. المعرفة هنا تحوّلك من مستخدمٍ يتعجّب إلى مستخدمٍ يفهم سلوك أدواته.
ماذا يعني النوع لك؟
للنوع أثرٌ عمليٌّ على أمورٍ تهمّك. المساحة: الأصليّ يشغل مساحةً على جهازك، وتطبيق الويب لا يكاد يشغل شيئًا. التحديث: الأصليّ تحدّثه من المتجر، وتطبيق الويب يُحدَّث تلقائيًّا في كلّ فتحةٍ من الخادم. الخصوصيّة: الأصليّ في صندوقٍ معزولٍ بأذوناتٍ واضحةٍ كما مرّ بك، وتطبيق الويب يعمل في المتصفّح بقيوده الخاصّة. العمل دون اتّصال: الأصليّ والتقدّميّ يعملان دونه غالبًا، وتطبيق الويب العاديّ يتوقّف.
ولك أن تختار حسب حاجتك. تريد أداءً وتكاملًا وعملًا دون اتّصالٍ لأداةٍ تستعملها كثيرًا؟ فضّل الأصليّ. تريد شيئًا سريعًا لمرّةٍ دون تثبيتٍ يلوّث جهازك؟ فتطبيق الويب أنسب. تريد وسطًا خفيفًا يعمل دون اتّصالٍ بلا ثقل التثبيت الكامل؟ فالتقدّميّ خيارٌ جميل. أنت لست ملزمًا بالنوع الذي تدفعك إليه الشركة دائمًا، ففي كثيرٍ من الخدمات بدائل بأنواعٍ مختلفةٍ تختار منها.
وللبطّاريّة والمساحة نصيبٌ في القرار على الهاتف. التطبيق الأصليّ الكثير قد يمتلئ به هاتفك ويستهلك بطّاريّتك في الخلفيّة، بينما لا يشغل تطبيق الويب شيئًا يُذكَر ولا يعمل خلفك. لهذا إن ضاقت مساحتك أو نفدت بطّاريّتك سريعًا، فمراجعة تطبيقاتك الأصليّة الثقيلة، والاكتفاء بنسخ الويب لما لا تستعمله كثيرًا، حلٌّ عمليٌّ ذكيّ. ليس كلّ خدمةٍ تستحقّ تطبيقًا أصليًّا يسكن جهازك دائمًا.
ومن زاوية الخصوصيّة، اعلم أنّ التطبيق الأصليّ قد يجمع عنك أكثر ممّا يجمعه موقعٌ في المتصفّح، لأنّه يصل إلى مستشعراتٍ وبياناتٍ في جهازك يحجبها المتصفّح عن الموقع. لهذا إن كانت خصوصيّتك تهمّك في خدمةٍ ما، فاستعمالها في المتصفّح أحيانًا أقلّ كشفًا لك من تطبيقها الأصليّ. وازن بين راحة التطبيق الأصليّ وما يطّلع عليه، خاصّةً في خدماتٍ لا تثق بها تمامًا لكنّك مضطرٌّ لاستعمالها.
وحتّى إمكانيّة الوصول لذوي الاحتياجات تتأثّر بالنوع. التطبيق الأصليّ يرث أدوات النظام المساعدة، كقارئ الشاشة الذي مرّ بك في مقال أجهزة الإخراج، فيعمل معها بسلاسةٍ إن بُنِي جيّدًا. وتطبيق الويب يعتمد على دعم المتصفّح لهذه الأدوات، وقد يكون أضعف إن لم يُبنَ بعناية. هذا يهمّ ملايين المستخدمين، ويذكّرك أنّ جودة التطبيق ليست في مظهره فقط، بل في وصوله لكلّ الناس على اختلاف قدراتهم.
ومسألة العمل دون اتّصالٍ أدقّ ممّا تبدو. تطبيق الويب العاديّ يتوقّف تمامًا دون إنترنت، لأنّ أصله على خادمٍ بعيد. لكنّ التطبيق التقدّميّ يحفظ نسخةً محلّيّةً تعمل دون اتّصال، كما مرّ بك في عامل الخدمة، والأصليّ يخزّن بياناته في جهازك فيعمل بلا شبكةٍ إلّا فيما يحتاج جلبه. لهذا إن كنت تعمل في مكانٍ ضعيف الاتّصال، فالنوع الذي يعمل دون شبكةٍ ليس رفاهيّةً، بل ضرورةٌ تختار على أساسها.
الحدود تذوب
الاتّجاه العامّ أنّ الحدود بين الأنواع تذوب عامًا بعد عام. الويب يكتسب قدراتٍ كانت حكرًا على الأصليّ: وصولٌ أعمق للجهاز، وأداءٌ أعلى بتقنيّاتٍ حديثة، وعملٌ دون اتّصال. والأصليّ يستعير من الويب سرعة التحديث والمرونة. النتيجة أنّ الفرق الذي كان صارخًا صار يضيق، وصار كثيرٌ من التطبيقات مزيجًا يصعب تصنيفه في خانةٍ واحدةٍ صافية.
هذا في مصلحتك أنت. كلّما اقتربت الأنواع، نلت قوّة الأصليّ ويسر الويب معًا في تطبيقاتٍ واحدة، دون أن تختار بين حسنةٍ وأخرى. لكن يبقى المبدأ الذي مرّ بك ثابتًا تحت كلّ هذا التطوّر: هناك برنامجٌ يعمل قريبًا منك على جهازك، وآخر يعمل بعيدًا على خادمٍ تصل إليه، وثالثٌ يمزج بين القريب والبعيد. فهم هذا المحور، القريب والبعيد والمزيج بينهما، يبقى نافعًا مهما تغيّرت الأسماء والتقنيّات.
ولهذا لا تنشغل كثيرًا بحفظ المصطلحات وحدودها الدقيقة، فهي تتغيّر وتتداخل. انشغل بالسؤال العمليّ: أين يعمل هذا التطبيق، قريبًا على جهازي أم بعيدًا على خادم؟ وماذا يعني ذلك لأدائه وخصوصيّتي واتّصالي؟ هذا السؤال يبقى مفتاحك مهما ظهرت أنواعٌ جديدةٌ بأسماء جديدة. المصطلحات قشور، والمبدأ الذي تحتها ثابت، ومن أمسك المبدأ لم تحيّره الأسماء المتجدّدة.
جرّبه بنفسك
افتح موقعًا تستعمله كثيرًا في متصفّح هاتفك أو حاسوبك، وابحث في قائمة المتصفّح عن خيار «تثبيت التطبيق» أو «إضافة إلى الشاشة الرئيسيّة». إن وجدته، فالموقع تطبيق ويبٍ تقدّميّ. ثبّته وجرّبه: ستراه يفتح في نافذته الخاصّة بأيقونةٍ كأيّ تطبيق، وربّما يعمل حتّى دون اتّصال. هذه تجربةٌ مباشرةٌ لما مرّ بك، تريك النوع الوسط يعمل بيدك، وتكشف لك تطبيقاتٍ تقدّميّةً كنت تظنّها مواقع عاديّة، وتوفّر عليك تثبيت نسخةٍ أصليّةٍ ثقيلةٍ لخدمةٍ يكفيك منها تطبيقٌ خفيفٌ في المتصفّح.
ثمّ جرّب المقارنة: افتح خدمةً لها تطبيقٌ أصليٌّ ونسخة ويبٍ معًا، كبريدٍ أو خرائط، ولاحظ الفرق في السرعة والقدرات والمساحة. أيّهما أسرع؟ أيّهما يصل إلى موقعك وكاميرتك أسهل؟ أيّهما يعمل دون اتّصال؟ هذه المقارنة الحيّة تجعل الفروق التي مرّت بك ملموسةً لا نظريّة، وتعلّمك أن تختار النوع الأنسب لك بوعي، بدل أن تستعمل ما وقع في يدك أوّلًا.
من البرمجيّات إلى الأجهزة
عرفتَ أنواع التطبيقات: الأصليّ القويّ المتكامل، وتطبيق الويب الواصل السهل، والهجين والتقدّميّ اللذين يجمعان بين الحسنين. وفهمتَ المفاضلة الجوهريّة بينها، وكيف يعمل التطبيق التقدّميّ، ولماذا تختار الشركات، وكيف تعرف وتختار أنت. صار «التطبيق» عندك أنواعًا واضحةً لا كلمةً واحدةً غامضة، وصرت تفهم لماذا تختلف تجربتك بينها، ولماذا يعمل واحدٌ دون اتّصالٍ ويثقل آخر ويكشف ثالثٌ عنك أكثر.
وبهذا تكون قد أتممتَ جزء البرمجيّات: ما هي، وكيف تعمل، وكيف تقتنيها، وأنواعها. عرفتَ العتاد والبيانات والنظام والبرمجيّات، أي المكوّنات كلّها وكيف تتعاون معًا. يبقى أن تنزل من الفهم إلى الحياة العمليّة: أيّ حاسوبٍ تشتري، وهل تبنيه أم تبتاعه جاهزًا، وكيف توصّله بالعالم، ولماذا يبطؤ مع الزمن، وكيف تحميه. هذا هو الجزء الأخير من السلسلة: استعمال الحاسوب واقتناؤه وصيانته، تنزل فيه من فهم كيف يعمل الجهاز إلى قرارات تتّخذها وأنت تشتريه وتستعمله وتحافظ عليه، ومطلعه أنواع الحواسيب وأيّها يناسبك.
المصادر
- AWS، «الفرق بين تطبيقات الويب والتطبيقات الأصليّة والهجينة» (تعريف كلّ نوعٍ ومفاضلة الأداء والوصول والكلفة بينها). ↩
- MDN Web Docs، «Progressive web apps» (تطبيقات الويب التقدّميّة وقدراتها: التثبيت والعمل دون اتّصال والإشعارات عبر عامل الخدمة). ↩
- المدرسة، «ما هي تطبيقات الويب التقدّميّة PWA؟» (مزايا PWA: العمل دون اتّصال والإشعارات والتثبيت دون متجر بشيفرةٍ واحدة). ↩