في 22 أبريل 2026 قال رئيس Google التنفيذيّ إنّ 75 بالمئة من الشيفرة الجديدة في شركته صار يولّدها الذكاء الاصطناعيّ ثمّ يراجعها مهندسون ويوافقون عليها. وكانت النسبة قبل ذلك 50 بالمئة في الخريف السابق.[1] وفي 6 أكتوبر 2026 نشر موقع Stack Overflow استطلاعه السنويّ للمطوّرين، وفيه أنّ 73 بالمئة منهم يستعملون مساعدي البرمجة كلّ يوم.[2] فالشيء الذي يكتبه البشر والآلات معًا بهذه الكثافة هو البرمجيّات: كلّ ما يجعل الحاسوب يفعل شيئًا.
رأيت في المقالات السابقة العتاد قطعةً قطعة، ثمّ الأنظمة التي تديره، من الحاسوب المكتبيّ إلى الهاتف. وفي هذا المقال تخطو خطوةً إلى الوراء لترى الصورة كلّها. ستعرف ما البرنامج أصلًا، ومن أين جاءت الكلمة، ولماذا تحمل البرامج أخطاءً، ومن يملكها حين تشتريها، ثمّ ماذا تغيّر في 2026 في طريقة كتابتها وفي القوانين التي تحكمها.
تعليماتٌ وبياناتٌ في الذاكرة
يعرّف المعهد الوطنيّ الأمريكيّ للمعايير والتقنية البرمجيّات بأنّها برامج حاسوب وما يرافقها من بيانات، يمكن أن تُكتب أو تتغيّر أثناء التشغيل.[3] والعتاد هو ما تلمسه بيدك: المعالج والذاكرة والقرص والشاشة. أمّا البرنامج فسلسلةٌ طويلة من التعليمات الصغيرة، كلّ واحدةٍ منها تقول للمعالج شيئًا بسيطًا. اجمع هذين الرقمين، أو انقل هذه القيمة إلى ذلك المكان، أو اقفز إلى تعليمةٍ أخرى إن تحقّق شرط.
وهذه التعليمات تعيش في ملفّات، كالتي رأيتها في مقال الملفّ. فالمتصفّح الذي تقرأ به هذه السطور ملفّاتٌ على قرصك، فيها تعليماتٌ للمعالج وصورٌ وخطوطٌ ونصوص، وحين تفتحه ينسخ النظام ما يحتاجه منها إلى الذاكرة ويبدأ التنفيذ. والعتاد بلا برنامج قطعٌ ساكنة، والبرنامج بلا عتاد نصٌّ لا ينفّذه أحد.
وقد تسأل: ما الفرق إذن بين ملفّ برنامج وملفّ مستند؟ كلاهما بايتات على القرص. والفرق في ما يفعله النظام بهما. فملفّ البرنامج يحمل تعليماتٍ ينفّذها المعالج مباشرة، أمّا المستند فبياناتٌ يقرؤها برنامجٌ آخر ويعرضها لك. ولهذا كان فتح ملفٍّ تنفيذيّ مجهول أخطر بكثير من فتح صورة، فالأوّل يعطي صانعه حقّ أن يأمر معالجك بما يشاء.
كلمةٌ عمرها أقلّ من سبعين سنة
أقدم استعمالٍ مطبوع معروف لكلمة software جاء في مقالٍ كتبه عالم الإحصاء John Tukey في عدد يناير 1958 من مجلّة The American Mathematical Monthly الأمريكيّة.[4] وقابل فيه البرمجيّات بالعتاد، الذي وصفه بأنّه الأنابيب المفرّغة والترانزستورات والأسلاك والأشرطة، وقال إنّ البرمجيّات صارت مهمّةً بقدره على الأقلّ. وهو العالم نفسه الذي رأيت في مقال النظام الثنائيّ أنّه صاغ كلمة bit.
لكنّ الفكرة أقدم من الكلمة بقرنٍ وأكثر. ففي 1843 نشرت Ada Lovelace ملاحظاتٍ على آلة Charles Babbage التحليليّة. ويقول متحف تاريخ الحاسوب إنّها تضمّنت أوّل وصفٍ منشور لسلسلة عمليّاتٍ متتابعة تحلّ مسائل رياضيّة، ولهذا تُذكر كثيرًا بأنّها أوّل مبرمجة.[5] والآلة نفسها لم تكتمل في حياة صاحبها، فبقي ذلك البرنامج على الورق.
ورأت Lovelace في الآلة أبعد من الحساب. فكتبت في ملاحظاتها أنّ الآلة تستطيع أن ترتّب كمّيّاتها العدديّة وتجمعها كما لو كانت حروفًا أو أيّ رموزٍ عامّة أخرى.[6] وهذه هي الفكرة التي تعيش عليها البرمجيّات اليوم. فالأرقام في الحاسوب قد تمثّل حروفًا أو ألوانًا أو أصواتًا، كما رأيت في مقال ترميز البيانات، والبرنامج هو الذي يقرّر ما تعنيه.
الفكرة التي صنعت الحاسوب الحديث
كانت أوائل الحواسيب الإلكترونيّة تُبرمج بإعادة توصيل الأسلاك والمفاتيح، كما رأيت في مقال تاريخ الحوسبة، فتغيير المهمّة كان يستغرق أيّامًا. ثمّ جاءت الفكرة الحاسمة في تقريرٍ كتبه John von Neumann بتاريخ 30 يونيو 1945 عن حاسوب EDVAC. وقال فيه إنّ التعليمات التي تحكم مسألةً معقّدة قد تكون كثيرة، وهذه المادّة يجب أن تُحفظ في الذاكرة.[7] أي إنّ البرنامج يُخزَّن في الذاكرة نفسها التي تُخزَّن فيها البيانات.
وفي الساعة الحادية عشرة صباح 21 يونيو 1948 بدأ حاسوبٌ تجريبيّ صغير في جامعة Manchester، لقّبه صانعوه بالطفل، تشغيل أوّل برنامجٍ له. وتقول الجامعة إنّه أوّل حاسوبٍ في العالم شغّل برنامجًا مخزّنًا إلكترونيًّا في ذاكرته.[8] وبعد أيّامٍ من ذلك أجرى عليه صانعوه برنامجًا استمرّ اثنتين وخمسين دقيقة، نفّذ فيه نحو 2.1 مليون تعليمة.[9]
هذه هي الخطوة التي جعلت الحاسوب آلةً عامّة. فإن كان البرنامج بيانات في الذاكرة، فتغيير عمل الآلة لا يحتاج إلى مفكٍّ ولا إلى أسلاك جديدة، ويكفيك أن تحمّل برنامجًا آخر. والجهاز نفسه الذي يحرّر صورةً الآن يشغّل لعبةً بعد دقيقة، ويحسب ضرائبك بعد ساعة.

طبقاتٌ فوق طبقات
البرمجيّات في حاسوبك طبقات، أدناها أقربها إلى العتاد. في القاع البرامج الثابتة، ويعرّفها المعهد الأمريكيّ نفسه بأنّها برامج وبيانات مخزّنة في العتاد، في ذاكرةٍ للقراءة عادةً، بحيث لا تتغيّر أثناء التنفيذ.[10] ومنها برنامج UEFI الذي يوقظ الجهاز، كما رأيت في مقال الإقلاع.
فوقها نظام التشغيل ونواته، ومعه برامج التشغيل التي تخاطب القطع. ثمّ أدوات النظام، كمدير الملفّات وبرامج النسخ الاحتياطيّ والضغط. وفي الأعلى التطبيقات التي تفتحها بنفسك: المتصفّح، ومحرّر النصوص، والألعاب. وفئةٌ خاصّة منها تصنع البرمجيّات نفسها، كالمترجمات ومحرّرات الشيفرة، وهي التي تحوّل ما يكتبه المبرمج إلى تعليماتٍ يفهمها المعالج، وستراها بالتفصيل في المقال القادم من هذه السلسلة.
والحدود بين هذه الطبقات أقلّ ثباتًا ممّا يوحي اسمها. فالبرنامج الثابت نفسه صار يُحدَّث، تحمله تحديثات النظام أحيانًا فيُكتب في ذاكرة اللوحة الأمّ أو القرص أو الطابعة. ونظام التشغيل يحمل معه عشرات التطبيقات الجاهزة، كالمتصفّح والحاسبة ومشغّل الفيديو. فالتقسيم أداةٌ للفهم أكثر منه جدرانًا حقيقيّة، والمهمّ أن تعرف أيّ الطبقات أقرب إلى العتاد، لأنّ خطأها أخطر وتحديثها أدقّ.
وتجد هذه الطبقات كلّها في هاتفك أيضًا، بأسماء أخرى. فالبرنامج الثابت يشغّل المودم والكاميرا، ونظام Android أو iOS يدير الذاكرة والبطّاريّة، والتطبيقات تعمل فوقه في صناديقها. والفرق أنّ الهاتف يخفي عنك أغلب الطبقات السفلى، فلا ترى إلّا التطبيقات وشاشة الإعدادات، بينما يتركها الحاسوب أقرب إلى يدك.
تشتري البرنامج أم تستأجره؟
حين تدفع ثمن برنامج، فأنت في الغالب لا تملكه. فشروط ترخيص Microsoft تقولها صراحة: البرنامج مرخَّص وغير مبيع، والاتّفاقيّة تعطيك بعض الحقوق في استعماله، وتحتفظ الشركة بكلّ ما سواها.[11] فما اشتريته هو حقّ الاستعمال بشروط، كتلك النافذة الطويلة التي توافق عليها عند التثبيت دون أن تقرأها.
وعلى الطرف الآخر البرمجيّات الحرّة. وتقول مؤسّسة البرمجيّات الحرّة إنّ الكلمة عندها تخصّ الحرّيّة، وتشبّهها بحرّيّة الكلام، فالسعر عندها شأنٌ آخر.[12] وأولى الحرّيّات الأربع عندها حرّيّة تشغيل البرنامج كما تشاء ولأيّ غرض، بل تسمح لك أن تبيع نسخًا منه. وتشترط منظّمة المصدر المفتوح أن يأتي البرنامج مع شيفرته المصدريّة، وأن يسمح بتوزيعها مع النسخة الجاهزة.[13] وأشهر تراخيص هذا العالم رخصة GPL، التي صدر إصدارها الثالث في 29 يونيو 2007 وما زالت تحكم مشاريع كثيرة.[14]
ثمّ جاءت السحابة بنموذجٍ ثالث. فالبرمجيّات كخدمة، بحسب تعريف المعهد الأمريكيّ، تعني أن تستعمل تطبيقات المزوّد التي تعمل على بنيته السحابيّة، دون أن تدير تلك البنية أو تتحكّم فيها.[15] فالبريد الإلكترونيّ في المتصفّح والمستندات المشتركة تعمل على خوادم غيرك، وتدفع لها اشتراكًا أو تدفع ببياناتك، وإن توقّف الاشتراك أو أغلقت الشركة الخدمة، توقّف البرنامج معها.
ولهذا النموذج مزايا واضحة: لا تثبيت، ولا تحديث تدويه بنفسك، وتفتح عملك من أيّ جهاز. وله أثمانٌ تظهر متأخّرة. فإن انقطع الإنترنت انقطع البرنامج غالبًا، وإن رفعت الشركة السعر لم يبق لك إلّا أن تدفع أو ترحل، وملفّاتك محفوظةٌ بصيغةٍ يقرّرها غيرك على خوادم لا تعرف مكانها. فقبل أن تبني عملك على خدمة، اعرف كيف تُخرج بياناتك منها.
البرامج المجّانيّة: من يدفع ثمنها؟
كتابة برنامجٍ جيّد تكلّف رواتب مهندسين لسنوات، فإن وصلك مجّانًا فأحدٌ ما يدفع. أحيانًا يدفع المعلنون، فيعرض البرنامج إعلاناتٍ ويجمع عنك بياناتٍ تجعلها أدقّ. وأحيانًا تدفع أنت لاحقًا، فالنسخة المجّانيّة ناقصة وتدعوك إلى الاشتراك في الكاملة. وأحيانًا تدفع شركةٌ لها مصلحةٌ في انتشار البرنامج، كمتصفّحٍ يقودك إلى محرّك بحثها.
وفي البرمجيّات الحرّة تدفع أطرافٌ أخرى: متطوّعون يكتبون في وقت فراغهم، وشركاتٌ تعتمد على البرنامج فتموّل تطويره، ومؤسّساتٌ تبيع الدعم والتدريب والاستضافة حوله لمن لا يريد أن يديره بنفسه. ولا عيب في أيٍّ من هذه النماذج، لكنّ معرفتك بمن يدفع تخبرك بما يريده البرنامج منك، وبما قد يتغيّر حين تتغيّر مصلحة من يموّله.
ماذا تعني أرقام الإصدار؟
ترى بجانب اسم كلّ برنامجٍ رقمًا مثل 2.14.3. وكثيرٌ من المشاريع تتبع قاعدةً اسمها الإصدار الدلاليّ. فالرقم الأوّل يزيد حين يتغيّر البرنامج تغييرًا لا يتوافق مع ما قبله، والثاني حين تُضاف ميزةٌ متوافقة، والثالث حين يُصلَح خطأٌ دون أن يتغيّر شيءٌ آخر.[16]
وفائدة القاعدة عمليّة. فإن رأيت أنّ مكتبةً يعتمد عليها برنامجك انتقلت من 2 إلى 3 في الرقم الأوّل، فاعرف أنّ شيئًا قد ينكسر، فاقرأ ملاحظات الإصدار قبل التحديث. أمّا الأنظمة الكبيرة فلها أسماؤها الخاصّة، فإصدارات Windows 11 تُسمّى بالسنة ونصفها، مثل 26H2، وإصدارات Android تحمل رقمًا واحدًا يزيد كلّ سنة مع الإصدار الكبير الجديد.
لماذا تحمل البرامج أخطاءً؟
في 9 سبتمبر 1947 وجد مشغّلو حاسوب Harvard Mark II عثّةً عالقةً بين نقطتي تلامس في المرحّل رقم 70. فألصقوها في سجلّ التشغيل وكتبوا تحتها أنّها «أوّل حالةٍ فعليّة لعثورٍ على حشرة».[17] والقصّة تُروى كثيرًا على أنّها أصل كلمة bug في الحوسبة. لكنّ متحف التاريخ الأمريكيّ يصحّحها: المهندسون يسمّون العيوب الصغيرة في الآلات «حشرات» منذ أكثر من قرن، وتحدّث Thomas Edison عنها في سبعينيّات القرن التاسع عشر.[18] فالنكتة في السجلّ أنّ الحشرة هذه المرّة كانت حقيقيّة.

أمّا أغلب أخطاء البرامج فلا علاقة لها بالحشرات. ففي 4 يونيو 1996 انفجر صاروخ Ariane 5 في رحلته الأولى بعد أقلّ من دقيقة من إطلاقه. ووجدت لجنة التحقيق الأوروبيّة أنّ برنامج نظام الملاحة أُخذ من سلفه Ariane 4 كما هو تقريبًا. وكانت فيه دالّةٌ لم يحتجها الصاروخ الجديد أصلًا، فحاولت أن تحوّل رقمًا عشريًّا من 64 بت إلى عددٍ صحيح من 16 بت، فلم يتّسع له.[19] شيفرةٌ صحيحة في سياقها القديم صارت خطأً في سياقٍ جديد.
والدرس هنا أوسع من الصواريخ. فإعادة استعمال الشيفرة توفّر سنواتٍ من العمل، وكلّ برنامجٍ حديث مبنيٌّ عليها. لكنّ الشيفرة تحمل معها افتراضات من كتبها: أقصى رقمٍ سيمرّ بها، وأيّ جهازٍ ستعمل عليه، وأيّ مستخدمٍ سيضغط أزرارها. وحين يتغيّر السياق ولا يتغيّر الافتراض، يظهر الخطأ في أسوأ لحظة.
والبرامج الحديثة فيها ملايين الأسطر، يكتبها مئات المبرمجين على مدى سنوات، وتعمل على آلاف التركيبات من العتاد، فلا أحد يستطيع أن يختبر كلّ حالةٍ قد تقع في أيدي ملايين المستخدمين. وقدّر تقريرٌ أعدّه المعهد الأمريكيّ للمعايير في 2002 أنّ ضعف أدوات اختبار البرمجيّات يكلّف الاقتصاد الأمريكيّ وحده نحو 59.5 مليار دولار في السنة.[20] ولهذا تصلك التحديثات باستمرار، فكلّ تحديثٍ أمنيّ اعترافٌ بخطأٍ وُجد بعد أن وصل البرنامج إليك. وقد رأيت في مقال برامج التشغيل كيف أوقف خطأٌ واحد ملايين الحواسيب في يومٍ واحد.
متطلّبات التشغيل
كلّ برنامجٍ يُكتب لنظامٍ بعينه ولحدٍّ أدنى من العتاد. فنظام Windows 11 نفسه، بحسب صفحة Microsoft، يحتاج إلى معالجٍ من 64 بت بنواتين على الأقلّ، وذاكرةٍ بسعة 4 غيغابايت، ومساحة 64 غيغابايت، وشريحة الأمان TPM في إصدارها الثاني.[21] والتطبيقات التي تعمل عليه تضع شروطها فوق شروطه.
فحين تقرأ متطلّبات برنامج، فرّق بين الحدّ الأدنى والموصى به. الحدّ الأدنى يعني أنّ البرنامج سيفتح، والموصى به يعني أنّه سيعمل براحة. وإن كان جهازك على حدّ الأدنى بالضبط، فتوقّع بطئًا مع أوّل ملفٍّ كبير أو أوّل تحديثٍ يرفع المتطلّبات.
لماذا تكبر البرامج مع كلّ إصدار؟
في فبراير 1995 نشر عالم الحاسوب السويسريّ Niklaus Wirth مقالًا عنوانه «دعوةٌ إلى برمجيّاتٍ رشيقة». واقتبس فيه قانونين: الأوّل أنّ البرمجيّات تتمدّد لتملأ الذاكرة المتاحة، والثاني أنّ البرمجيّات تبطؤ أسرع ممّا يسرع العتاد.[22] ونسب الأوّل إلى Parkinson والثاني إلى Reiser، وإن صار الناس يسمّونه اليوم قانون Wirth.
والأرقام تؤيّده بعد ثلاثين سنة. فبحسب إحصاءٍ نشره موقع Phoronix في يونيو 2026، بلغت شجرة نواة Linux في إصدارها 7.2 نحو 43.9 مليون سطر، منها نحو 33.7 مليون سطرٍ من الشيفرة الفعليّة.[23] وكلّ سطرٍ جديد يضيف ميزةً أو يدعم قطعةً جديدة، لكنّه يضيف كذلك احتمال خطأٍ جديد، ويستهلك من مساحة القرص والذاكرة. ولهذا يبطؤ الحاسوب القديم مع البرامج الجديدة، ولو بقي عتاده سليمًا كما هو.
البرامج المقرصنة: الثمن المخفيّ
نسخةٌ مكسورة من برنامجٍ مدفوع تبدو صفقةً رابحة، لكنّ من كسر حمايته يستطيع أن يضيف إليه ما يشاء. وفي 2017 نشرت جامعة سنغافورة الوطنيّة دراسةً بتكليفٍ من Microsoft، وجدت أنّ 92 بالمئة من الحواسيب الجديدة التي ثُبّتت عليها برامج مقرصنة كانت مصابةً ببرمجيّاتٍ خبيثة قبل أن تُستعمل. ووجدت كذلك أنّ 61 بالمئة من الأقراص المقرصنة التي فحصتها كانت تحملها.[24] والجهة التي موّلت الدراسة صاحبة مصلحةٍ في نتيجتها، فخذ الرقم بحذر.
لكنّ المنطق نفسه لا يحتاج إلى دراسة. فالبرنامج يعمل بصلاحيّاتك، ويقرأ ما تقرؤه، وقد رأيت في مقال أنظمة الحاسوب الثلاثة كيف وصل بابٌ خلفيّ حتّى إلى مكتبةٍ مفتوحة يراجعها كثيرون من المطوّرين حول العالم. فكيف ببرنامجٍ عدّله مجهولٌ ووزّعه في موقعٍ مجهول؟ وإن كان ثمن البرنامج عائقًا، ففي الغالب تجد بديلًا مجّانيًّا أو حرًّا يؤدّي المهمّة نفسها.
القانون يدخل إلى الشيفرة
في 10 ديسمبر 2024 دخل قانون المرونة السيبرانيّة الأوروبيّ حيّز التنفيذ.[25] ومنذ 11 سبتمبر 2026 صار على صانعي المنتجات الرقميّة التي تُباع في الاتّحاد الأوروبيّ أن يبلّغوا عن الثغرات التي تُستغلّ فعلًا. ثمّ تسري بقيّة الالتزامات كلّها في 11 ديسمبر 2027 على المنتجات التي تُطرح بعده.[26] ومن هذه الالتزامات أن يعدّ الصانع «قائمة مكوّنات البرمجيّات»، وهي سجلٌّ رسميّ بالمكوّنات التي بُني منها البرنامج وعلاقاتها، يغطّي على الأقلّ المكتبات التي يعتمد عليها مباشرة.[26]
والفكرة بسيطة. فالبرنامج الحديث يُبنى من مئات المكتبات التي كتبها غير صانعه، فإن ظهرت ثغرةٌ في واحدةٍ منها، فلا بدّ أن يعرف الصانع بسرعة أيّ منتجاته يحتويها وكم جهازًا يحتاج إلى الإصلاح. وهذا بالضبط ما احتاجه كثيرون حين ظهر الباب الخلفيّ في مكتبة xz سنة 2024.
من يكتب البرامج اليوم؟
تقول GitHub في تقريرها السنويّ لعام 2025 إنّ أكثر من 180 مليون مطوّر يعملون على منصّتها، وإنّ لغة TypeScript صارت في أغسطس 2025 أكثر اللغات استعمالًا عليها.[27] أمّا استطلاع Stack Overflow لسنة 2026 فيضع JavaScript في المرتبة الأولى للسنة الثانية عشرة على التوالي، يستعملها 62 بالمئة ممّن أجابوا.[2] والرقمان لا يتناقضان، فالأوّل يقيس نشاط المستودعات والثاني يسأل المطوّرين عمّا يستعملونه.
والتغيير الأكبر هو ما بدأ به هذا المقال: آلاتٌ تكتب جزءًا متزايدًا من الشيفرة. ففي أكتوبر 2024 قالت Google إنّ أكثر من ربع الشيفرة الجديدة فيها يولّده الذكاء الاصطناعيّ،[28] ثمّ صارت النسبة ثلاثة أرباع بعد سنةٍ ونصف. وفي استطلاع Stack Overflow نفسه، يقضي 31 بالمئة ممّن يستعملون هذه الأدوات يوميًّا أربع ساعاتٍ أو أكثر معها كلّ يوم.[2] لكنّ عبارة Google نفسها تحمل الشرط المهمّ، فالشيفرة المولّدة يراجعها مهندسون ويوافقون عليها قبل أن تدخل. وتذكّر NASA أنّ Margaret Hamilton، التي قادت قسم هندسة البرمجيّات الذي طوّر نظام توجيه مركبات Apollo، يُنسب إليها نشر مفهوم «هندسة البرمجيّات» نفسه.[29] فالهندسة هنا هي المراجعة والاختبار والمسؤوليّة، وهذه ما زالت على البشر. وكيف تستعمل هذه الأدوات وأنت تتعلّم من غير أن تفقد فهمك لما تكتبه، شرحته في مقال مساعدات البرمجة بالذكاء الاصطناعيّ.

وطريقة التوزيع نفسها غيّرت البرمجيّات. فحين كان البرنامج يُباع على أقراصٍ في علبة، كان على صانعه أن ينهيه قبل أن يطبع النسخ، فالخطأ الذي يفلت يبقى في أيدي الناس سنوات. ومع التنزيل من الإنترنت صار الإصلاح يصل في أيّام، وصار البرنامج يتغيّر بعد أن تشتريه، فتستيقظ أحيانًا على واجهةٍ جديدة لم تطلبها ولم يسألك أحدٌ عن رأيك فيها. وكيف تصلك هذه التحديثات وتثبّتها بأمان هو موضوع مقالٍ قادم في هذه السلسلة.
جرّبه بنفسك
افتح قائمة البرامج المثبّتة في حاسوبك. في Windows تجدها في الإعدادات ثمّ التطبيقات، وفي Mac في مجلّد التطبيقات. عدّها أوّلًا، ثمّ ابحث عن ثلاثة برامج لم تفتحها منذ سنة. كلّ واحدٍ منها يأخذ مساحةً، وبعضها يعمل في الخلفيّة أو يطلب التحديث، وبعضها لم يعد يتلقّى إصلاحاتٍ أمنيّة أصلًا.
ثمّ اختر برنامجًا تستعمله كلّ يوم، وافتح صفحة «حول» فيه، واقرأ رقم إصداره. هل يتبع شكل الإصدار الدلاليّ بثلاثة أرقام؟ وابحث في موقع صانعه عن ملاحظات الإصدار الأخير، وانظر كم إصلاحًا فيها وكم ميزةً جديدة. ستعرف من القائمة كم خطأً وجده المطوّرون في برنامجٍ ظننته كاملًا.
وفي المرّة القادمة التي يطلب منك فيها برنامجٌ أن توافق على شروط ترخيصه، فاقرأ فيها ثلاثة أشياء. أوّلها هل يسمح لك باستعماله في عملٍ تجاريّ، وعلى كم جهازٍ تثبّته، وما البيانات التي يجمعها عنك. ستجد الأجوبة عادةً في فقراتٍ قصيرة وسط النصّ الطويل، وستفهم بعدها لماذا تقول Microsoft إنّها ترخّص برامجها ولا تبيعها.
عرفت الآن ما البرنامج: تعليماتٌ وبياناتٌ في ملفّات، يحمّلها النظام إلى الذاكرة. لكنّ المبرمج لا يكتب تعليمات المعالج بنفسه، فهو يكتب نصًّا بلغةٍ يقرؤها البشر. فكيف يتحوّل ذلك النصّ إلى أرقامٍ ينفّذها المعالج، وماذا يحدث بالضبط بين نقرتك على أيقونة البرنامج وظهور نافذته؟ هذا موضوع مقال كيف تعمل البرامج.
المصادر
- Google، «Sundar Pichai at Google Cloud Next 2026»، 22 أبريل 2026: «75% of all new code at Google is now AI-generated and approved by engineers, up from 50% last fall».
- Stack Overflow، «2026 Developer Survey»، 6 أكتوبر 2026: 30903 مشاركًا؛ «use coding assistants and agents daily (73%)»؛ JavaScript في المرتبة الأولى «for the 12th year in a row» بنسبة 62.0%.
- NIST CSRC، «Glossary: software»، عن CNSSI 4009-2022: «Computer programs and associated data that may be dynamically written or modified during execution».
- John W. Tukey، «The Teaching of Concrete Mathematics»، The American Mathematical Monthly، المجلّد 65، العدد 1، يناير 1958؛ والعبارة كما اقتبسها نعيه في The New York Times، 28 يوليو 2000: «at least as important» as the «hardware of tubes, transistors, wires, tapes and the like».
- Computer History Museum، «Ada Lovelace»، قُرئت في أكتوبر 2026: «the first published description of a stepwise sequence of operations for solving certain mathematical problems».
- Science Museum، «Lovelace, Turing and the invention of computers»، 14 ديسمبر 2018، مقتبسًا Lovelace سنة 1843: «The engine can arrange and combine its numerical quantities exactly as if they were letters or any other general symbols».
- John von Neumann، «First Draft of a Report on the EDVAC»، Moore School، 30 يونيو 1945، الفقرة 2.4: «The instructions which govern a complicated problem may constitute considerable material… This material must be remembered».
- The University of Manchester، «How a 70-year-old Baby changed the face of modern computing»، 21 يونيو 2018: «At 11am on 21 June, 1948… started running its first program»؛ «the first computer in the world to run a program electronically stored in its memory».
- The University of Manchester، «Computer50: The Manchester Small Scale Experimental Machine»، قُرئت في أكتوبر 2026: البرنامج الذي استمرّ 52 دقيقة بعد أيّام، «about 2.1 million instructions».
- NIST CSRC، «Glossary: firmware»، عن CNSSI 4009-2022: «Computer programs and data stored in hardware… such that the programs and data cannot be dynamically written or modified during execution».
- Microsoft، «Microsoft Software License Terms»، البند 5: «The software is licensed, not sold. This agreement only gives you some rights to use the software».
- Free Software Foundation، «What is Free Software?»، يونيو 2026: «a matter of liberty, not price»؛ «The freedom to run the program as you wish, for any purpose (freedom 0)».
- Open Source Initiative، «The Open Source Definition»، الإصدار 1.9، الشرط 2: «The program must include source code, and must allow distribution in source code as well as compiled form».
- GNU Project، «GNU General Public License»، «Version 3, 29 June 2007».
- NIST، «SP 800-145: The NIST Definition of Cloud Computing»، سبتمبر 2011: «to use the provider’s applications running on a cloud infrastructure… The consumer does not manage or control the underlying cloud infrastructure».
- Semantic Versioning، «Semantic Versioning 2.0.0»، قُرئت في أكتوبر 2026: «MAJOR version when you make incompatible API changes, MINOR version when you add functionality in a backward compatible manner, PATCH version when you make backward compatible bug fixes».
- Naval History and Heritage Command، «NH 96566-KN: The First Computer Bug»، قُرئت في أكتوبر 2026: «Moth found trapped between points at Relay # 70, Panel F, of the Mark II Aiken Relay Calculator… 9 September 1947».
- Smithsonian National Museum of American History، «Log Book With Computer Bug»، قُرئت في أكتوبر 2026: «engineers have been calling small flaws in machines bugs for over a century. Thomas Edison talked about bugs… in the 1870s».
- ESA، «ARIANE 5 Flight 501 Failure: Report by the Inquiry Board»، 19 يوليو 1996: «a data conversion from 64-bit floating point to 16-bit signed integer value»؛ والدالّة «is not required for Ariane 5».
- NIST، «The Economic Impacts of Inadequate Infrastructure for Software Testing»، يونيو 2002: «an approximate estimate of $59.5 billion as the annual cost to the nation».
- Microsoft Learn، «Windows 11 requirements»، يوليو 2026: «4 gigabytes (GB) or greater»؛ «64 GB or greater available disk space»؛ «TPM: Trusted Platform Module (TPM) version 2.0».
- Niklaus Wirth، «A Plea for Lean Software»، IEEE Computer، فبراير 1995: «Software expands to fill the available memory. (Parkinson)»؛ «Software is getting slower more rapidly than hardware becomes faster. (Reiser)».
- Phoronix (صحافة تقنيّة)، «Linux 7.2 Is Nearly 44 Million Lines»، 28 يونيو 2026: «43,898,743 lines»، منها «33,653,681 lines of detected actual code».
- Microsoft News Centre APAC، «NUS study: cybercriminals exploit pirated software»، 21 يونيو 2017، دراسة بتكليفٍ من Microsoft: «92% of new and unused computers that had pirated software installed were pre-infected with malware».
- European Commission، «Cyber Resilience Act»، سبتمبر 2026: «The CRA entered into force on 10 December 2024».
- EUR-Lex، «Regulation (EU) 2024/2847 (Cyber Resilience Act)»، المادّة 71: «shall apply from 11 December 2027. However, Article 14 shall apply from 11 September 2026»؛ الملحق الأوّل: «a software bill of materials… covering at the very least the top-level dependencies».
- GitHub، «Octoverse 2025»، 28 أكتوبر 2025: «180 million-plus developers»؛ TypeScript أكثر اللغات استعمالًا في أغسطس 2025.
- Google، «Q3 earnings call: CEO’s remarks»، 29 أكتوبر 2024: «more than a quarter of all new code at Google is generated by AI, then reviewed and accepted by engineers».
- NASA Science، «Margaret Hamilton»، نوفمبر 2024: «led the Software Engineering Division of the MIT Instrumentation Laboratory»؛ «credited with popularizing the concept of software engineering».