قلتُ في مقال الرام إنّها طاولةٌ سريعةٌ لكنّها تُمحى عند الإطفاء. فأين تُحفَظ ملفّاتك ونظامك وصورك حفظًا دائمًا يبقى بعد فصل الكهرباء؟ في الخزانة: وحدات التخزين. وهذه القطعة تحديدًا شهدت في السنوات الأخيرة ثورةً غيّرت تجربة الحاسوب كلّها، حتّى صار الفرق بين نوعٍ قديمٍ وآخر حديثٍ أكبر ترقيةٍ يشعر بها أيّ مستخدم.
في هذا المقال تفهم أنواع التخزين: القرص الصلب التقليديّ الميكانيكيّ، وقرص الحالة الصلبة الحديث. ثمّ يأتي فكّ خلطٍ شائعٍ يقع فيه أكثر من كتب بالعربيّة، بين ثلاثة مصطلحاتٍ تُذكَر معًا وكأنّها متوازية وهي ليست كذلك: SATA وNVMe وM.2. وأخيرًا جواب سؤال المشتري: أيّ تخزينٍ تختار، وبأيّ سعة، ولماذا لا تشتري الأغلى دائمًا.
التخزين: الخزانة الدائمة
إن كانت الرام طاولة العمل المؤقّتة، فالتخزين هو الخزانة الدائمة. فيه يعيش نظام التشغيل، وبرامجك، وملفّاتك وصورك وفيديوهاتك، كلّها محفوظةً حتّى بعد إطفاء الجهاز أشهرًا. حين تفتح برنامجًا، يُنقَل من هذه الخزانة إلى طاولة الرام ليعمل، لكنّ نسخته الأصليّة تبقى في التخزين. هو الذاكرة طويلة الأمد للحاسوب.
ولأنّه دائمٌ لا مؤقّت، يُقاس التخزين بسعاتٍ أكبر بكثيرٍ من الرام: مئات الغيغابايتات وتيرابايتاتٍ لا عشراتٍ فقط. تحتاج مساحةً واسعةً لأنّك تراكم ملفّاتٍ لا تُمحى: آلاف الصور، وعشرات البرامج، ونظامٌ كاملٌ وحده يشغل غيغابايتاتٍ كثيرة. سرعته أقلّ من الرام، لكنّ مهمّته مختلفة: الحفظ الدائم لا العمل اللحظيّ.
القرص الصلب التقليديّ: قرصٌ يدور
أقدم نوعٍ ما زال يُستعمَل هو القرص الصلب الميكانيكيّ، أو HDD. بداخله أقراصٌ معدنيّةٌ لامعةٌ تدور بسرعةٍ عالية، وذراعٌ دقيقةٌ تتحرّك فوقها لتقرأ البيانات وتكتبها مغناطيسيًّا، تمامًا كإبرة أسطوانةٍ قديمة. إنّه جهازٌ كهروميكانيكيٌّ فيه أجزاءٌ متحرّكةٌ فعليّة، وهذا مصدر خصائصه كلّها، حسنةً كانت أم سيّئة.[1]

سرعته محدودةٌ بحركته الماديّة، فلا تتجاوز غالبًا مئةً إلى مئتَي ميغابايت في الثانية، وهي بطيئةٌ بمقاييس اليوم. ولأنّ فيه أجزاءً تدور، فهو أكثر عرضةً للعطل من الصدمات، ويصدر صوتًا خفيفًا، ويستهلك طاقةً أكثر. لكنّه يملك ميزةً واحدةً باقية: السعة الكبيرة بسعرٍ زهيد. لهذا لم يمُت تمامًا، بل بقي لتخزين الكمّ الضخم من الملفّات الباردة.
قرص الحالة الصلبة: لا أجزاء متحرّكة
ثمّ جاءت الثورة: قرص الحالة الصلبة، أو SSD. لا أقراص تدور فيه ولا ذراع تتحرّك، بل شرائح ذاكرةٍ إلكترونيّةٍ تحفظ البيانات كهربائيًّا، تُسمّى ذاكرة فلاش من نوع NAND. غياب الأجزاء المتحرّكة يغيّر كلّ شيء: سرعةٌ أعلى بكثير، ومتانةٌ أمام الصدمات، وصمتٌ تامّ، واستهلاك طاقةٍ أقلّ، وحجمٌ أصغر وأخفّ.

وداخل القرص أكثر من شرائح الذاكرة. هناك «متحكّمٌ» صغيرٌ يدير توزيع البيانات ويطيل عمر الشرائح، وفي الأقراص الجيّدة ذاكرةٌ مؤقّتةٌ تسرّع العمل. هذه التفاصيل تفرّق بين قرصٍ جيّدٍ وآخر رديءٍ رغم تشابه السعة، ولها عودةٌ عند الحديث عن جودة الاختيار، لأنّها سرٌّ يجهله معظم المشترين.
ولذاكرة الفلاش خاصّةٌ يخافها بعض المبتدئين أكثر ممّا تستحقّ: لكلّ خليّةٍ عددٌ محدودٌ من مرّات الكتابة قبل أن تبلى. يبدو مقلقًا، لكنّ الواقع مطمئن. الأقراص الحديثة تُقاس متانتها بمئات التيرابايتات من الكتابة، وهو رقمٌ يفوق ما يكتبه مستخدمٌ عاديٌّ في سنواتٍ طويلة. المتحكّم أيضًا يوزّع الكتابة على الخلايا بالتساوي كي لا تبلى واحدةٌ قبل غيرها. لن يبلى قرصك بالاستعمال العاديّ قبل أن تستبدله لسببٍ آخر.
وثمّة فرقٌ بين سرعتين تراهما في المواصفات: القراءة والكتابة. القراءة أن يجلب القرص بياناتٍ موجودة، والكتابة أن يحفظ بياناتٍ جديدة. سرعة القراءة تهمّ في فتح البرامج وتحميل الألعاب، وسرعة الكتابة تهمّ في نسخ الملفّات وتسجيل الفيديو. الأقراص الجيّدة سريعةٌ في الاثنين، لكنّ بعض الرخيصة تعلن قراءةً عاليةً وتخفي كتابةً بطيئةً تظهر عند نقل ملفٍّ كبير.
لماذا الترقية إلى SSD أكثر ما تشعر به؟
إن سألتني عن ترقيةٍ واحدةٍ تُحيي جهازًا قديمًا، لقلتُ دون تردّد: استبدل قرصه الميكانيكيّ بقرص حالةٍ صلبة. الفرق ليس رقمًا في اختبار، بل تجربةٌ يوميّةٌ تلمسها في كلّ لحظة. جهازٌ كان يقلع في دقيقتين يقلع في ثوانٍ، وبرنامجٌ كان يفتح بعد انتظارٍ يفتح فورًا.
السبب أنّ التخزين هو أبطأ حلقةٍ في سلسلة السرعة، وكلّ عمليّةٍ تبدأ بقراءة شيءٍ منه. فتسريعه يسرّع كلّ شيءٍ يليه. لهذا يشعر مستخدمٌ بقرص حالةٍ صلبةٍ متواضعٍ بجهازٍ أرشق من آخر بمعالجٍ خارقٍ وقرصٍ ميكانيكيٍّ بطيء. في 2026 صار وجود قرص الحالة الصلبة للنظام ضرورةً لا رفاهيّة، حتّى إنّ ويندوز الحديث يفترضه.
ولنضع الفرق بالأرقام لتلمسه. القرص الميكانيكيّ يقرأ بنحو مئةٍ إلى مئتَي ميغابايتٍ في الثانية، وقرص الحالة الصلبة بوصلة SATA بنحو خمسمئةٍ وخمسين، أي أضعافًا. وقرص NVMe يقفز إلى آلافٍ. هذا يعني أنّ نسخ ملفٍّ يستغرق على الميكانيكيّ دقائق قد يتمّ على NVMe في ثوان. الفرق ليس نسبةً مئويّةً بل مضاعفاتٌ تقلب إحساسك بالجهاز.
ومن هنا نصيحةٌ تقنيّةٌ تخصّ الصيانة. القرص الميكانيكيّ يستفيد من «إلغاء التجزئة» الذي يعيد ترتيب أجزاء الملفّات المتناثرة لتقرأها الذراع أسرع. أمّا قرص الحالة الصلبة فلا يحتاجه إطلاقًا، بل قد يضرّه إن كرّرته لأنّه يستهلك مرّات كتابةٍ بلا فائدة، إذ لا ذراع فيه تتحرّك أصلًا. ويندوز الحديث يعرف الفرق ويتصرّف تلقائيًّا، فلا تلغِ تجزئة قرص حالةٍ صلبةٍ يدويًّا ظنًّا أنّك تسرّعه.
فكّ الخلط: SATA وNVMe وM.2
هنا لبّ المقال، والخلط الذي يقع فيه أكثر من كتب بالعربيّة. تجد المصطلحات الثلاثة، SATA وNVMe وM.2، مذكورةً معًا وكأنّها ثلاثة أنواعٍ متوازيةٍ تختار بينها. وهذا خطأ. هي ثلاثة أشياء مختلفةٍ تمامًا: واحدٌ يصف الشكل، وآخر يصف الوصلة، وثالثٌ يصف اللغة. لنفصّلها بوضوح.

أوّلًا الشكل. M.2 ليس نوعًا ولا سرعة، بل شكلٌ فيزيائيّ: شريحةٌ صغيرةٌ نحيفةٌ كعلبة علكٍ تُركَّب مباشرةً على اللوحة الأمّ بلا كابلات. يقابله الشكل الأقدم، قرصٌ مربّعٌ مقاس 2.5 بوصةٍ يُوصَل بكابل. فحين يقول أحدهم «قرص M.2»، فهو يصف شكله فقط، لا سرعته ولا لغته. وهذا هو الخيط الأوّل.
ثانيًا الوصلة واللغة. SATA وصلةٌ قديمةٌ ولغةٌ صُمّمت أصلًا للأقراص الميكانيكيّة، وسرعتها محدودةٌ عند نحو 550 ميغابايتٍ في الثانية. وNVMe لغةٌ حديثةٌ صُمّمت خصّيصًا لأقراص الحالة الصلبة السريعة، تسير فوق وصلة PCIE فائقة السرعة نفسها التي يستعملها كرت الشاشة. الفرق بينهما هائل: NVMe يفتح الطريق لسرعاتٍ تفوق SATA بأضعاف.[2]
وهنا تلتقي الخيوط في المفاجأة التي تحلّ العقدة: قرص M.2 قد يكون SATA أو NVMe. الشكل واحدٌ، لكنّ اللغة تحته قد تكون القديمة البطيئة أو الحديثة السريعة. لهذا لا يكفي أن ترى «M.2» على العلبة لتظنّه سريعًا؛ اقرأ هل هو NVMe أم SATA. كثيرٌ من المبتدئين اشتروا قرص M.2 ظنًّا أنّه الأسرع، فإذا هو SATA بطيءٌ في شكلٍ عصريّ.
فالخلاصة في جملة: M.2 شكلٌ، وSATA وNVMe لغتان ووصلتان. الأسرع هو NVMe بشكل M.2 على وصلة PCIE. حين تفهم هذا التمييز الثلاثيّ، لا يخدعك بائعٌ ولا إعلان، وتقرأ مواصفات أيّ قرصٍ كخبير. هذه وحدها فائدةٌ تستحقّ المقال كلّه، لأنّها تصحّح فهمًا مغلوطًا عند الأغلبيّة.
ولهذا التمييز أثرٌ عمليٌّ عند الترقية. قبل أن تشتري قرص M.2، تأكّد أنّ لوحتك الأمّ فيها منفذ M.2 يدعم NVMe، وكم منفذًا، وأيّ جيلٍ يدعم. بعض اللوحات القديمة فيها منفذ M.2 يدعم SATA فقط لا NVMe، وبعضها بلا منفذ M.2 أصلًا فتحتاج قرص SATA بشكله المربّع. دقيقةٌ في قراءة مواصفات لوحتك تجنّبك شراء قرصٍ لا يدخل أو لا يعمل بسرعته.
أجيال NVMe: من الرابع إلى الخامس
وأقراص NVMe نفسها أجيالٌ متعاقبة، تتبع أجيال وصلة PCIE. الجيل الرابع يعطي سرعاتٍ تقارب سبعة آلاف ميغابايتٍ في الثانية، والجيل الخامس يضاعفها إلى أكثر من أربعة عشر ألفًا. أرقامٌ خياليّةٌ مقارنةً بالخمسمئة والخمسين التي يعطيها SATA، ومقارنةً بالمئتين التي يعطيها القرص الميكانيكيّ. القفزة بين الأجيال حقيقيّةٌ على الورق.[3]
لكنّ الصراحة تقتضي تنبيهًا يوفّر مالك. هذه الأرقام الضخمة لا تُترجَم إلى فرقٍ محسوسٍ في الاستعمال اليوميّ ولا في الألعاب. زمن فتح لعبةٍ على قرص الجيل الرابع والخامس يتقارب إلى أقلّ من ثانية، لأنّ الألعاب تُقيَّد بالمعالج وكرت الشاشة قبل التخزين. الفرق يظهر فقط في نقل الملفّات الضخمة، كمشاريع الفيديو الخام والبيانات الكبيرة.
لهذا فالنصيحة العمليّة لمعظم الناس في 2026: قرص NVMe من الجيل الرابع هو الخيار الأذكى. يعطيك سرعةً خارقةً بسعرٍ أقلّ وحرارةٍ أدنى، ويوفّر ميزانيّتك لقطعٍ ترفع الأداء فعلًا. الجيل الخامس ترفٌ لمحترفي الفيديو والبيانات الذين ينقلون ملفّاتٍ عملاقةً يوميًّا. أمّا اللاعب والمستخدم العاديّ فلن يشعر بفرقه مقابل سعره الأعلى وحرارته.
وتنبيهٌ عن الحرارة: أقراص الجيل الخامس تسخن كثيرًا تحت الحمل، وتحتاج مبدّد حرارةٍ وإلّا أبطأت نفسها لتحمي ذاتها، فتخسر السرعة التي دفعت ثمنها. هذه مفارقةٌ أخرى تجعل الجيل الرابع الأهدأ والأعقل لمعظم الأجهزة. القوّة التي تولّد حرارةً لا تُبدَّد قوّةٌ ضائعة.
الجودة الخفيّة: ليست كلّ الأقراص سواء
قرصان بالسعة والجيل نفسيهما قد يختلفان اختلافًا كبيرًا في الجودة، لسببٍ يخفى على المشتري. النوع الأوّل من الفرق هو نوع ذاكرة NAND: بعضها يخزّن بياناتٍ أكثر في كلّ خليّةٍ فيرخص لكنّه يبطؤ ويقلّ عمره تحت الكتابة الثقيلة، وبعضها أدقّ فأغلى وأمتن. النوع الثاني هو وجود ذاكرةٍ مؤقّتةٍ خاصّةٍ في القرص تسرّع عمله؛ غيابها يجعل القرص أرخص لكنّه يتعثّر تحت الضغط.
القاعدة العمليّة دون الغرق في التفاصيل: لا تشترِ الأرخص المجهول لمجرّد سعته وسرعته المعلنة. ابحث عن ماركةٍ موثوقةٍ وراجع تقييمات القرص تحديدًا، فبينها فروقٌ في المتانة والثبات تحت الحمل لا تظهر في رقم السرعة على العلبة. القرص الرخيص المضروب قد يعطيك سرعةً لحظيّةً ثمّ يخذلك عند أوّل حملٍ حقيقيّ، أو يفقد بياناتك بعد شهور.
وثمّة آفةٌ خاصّةٌ في بعض الأسواق يجب أن تحذرها: الأقراص المزيّفة. قرصٌ رخيصٌ يُعلَن بسعةٍ ضخمةٍ كتيرابايتٍ بسعرٍ لا يُصدَّق، لكنّه في الحقيقة قرصٌ صغيرٌ بُرمِج ليكذب على النظام فيُظهِر سعةً وهميّة. حين تملؤه بالبيانات تتلف صامتةً بعد تجاوز سعته الحقيقيّة. القاعدة: السعر الذي يبدو أفضل من أن يُصدَّق غالبًا كذلك. اشترِ من بائعٍ موثوقٍ، وافحص القرص ببرنامجٍ يتحقّق من سعته الحقيقيّة عند استلامه.
ولنضع الأمر في سياقه التاريخيّ. حتّى عقدٍ مضى كانت أقراص الحالة الصلبة باهظةً تُقاس مساحتها بعشرات الغيغابايتات فقط، فكان القرص الميكانيكيّ سيّد الساحة بلا منازع. ثمّ هبطت أسعار الحالة الصلبة سنةً بعد سنة حتّى صارت في متناول الجميع، فانقلبت الأدوار وصارت هي الأصل والميكانيكيّ للأرشيف. لولا ارتفاع 2026 المؤقّت لكانت أرخص من أيّ وقت، والاتّجاه العامّ على المدى الطويل نحو مزيدٍ من السعة بسعرٍ أقلّ.
كم تحتاج؟ والاستراتيجيّة الذكيّة
أمّا السعة فتتبع استعمالك. خمسمئة غيغابايتٍ أو تيرابايتٌ تكفي المستخدم العاديّ واللاعب بمكتبةٍ متواضعة. ومن يحتفظ بمكتبةٍ كبيرةٍ من الألعاب أو الوسائط يحتاج تيرابايتين. أمّا محترفو الفيديو والتصميم فيبدؤون من أربعة تيرابايتاتٍ وما فوق، لأنّ ملفّاتهم عملاقة. قدّر ما تحتفظ به فعلًا، بما تعلّمته من مقال الوحدات، ثمّ أضف هامشًا للنموّ.
وهناك استراتيجيّةٌ ذكيّةٌ توازن بين السرعة والسعة والسعر: اجمع بين قرصين. قرص حالةٍ صلبةٍ سريعٌ للنظام والبرامج والألعاب التي تستعملها كثيرًا، وقرصٌ ميكانيكيٌّ كبيرٌ رخيصٌ للأرشيف والملفّات الباردة التي لا تحتاج سرعةً. بهذا تنال سرعة الحالة الصلبة حيث تهمّ، وسعة الميكانيكيّ حيث تكفي، بأقلّ تكلفةٍ ممكنة.
وإن كنت ترقّي جهازًا قديمًا من قرصٍ ميكانيكيٍّ إلى حالةٍ صلبة، فلست مضطرًّا لإعادة تثبيت كلّ شيءٍ من الصفر. برامج «الاستنساخ» تنسخ محتوى قرصك القديم كاملًا، نظامًا وبرامج وملفّات، إلى القرص الجديد، فتقلع منه وكأنّ شيئًا لم يتغيّر سوى السرعة. هذه العمليّة تحوّل الترقية من مهمّةٍ مرهقةٍ إلى ساعةٍ مريحة، وهي سبب إضافيٌّ يجعل ترقية التخزين أسهل ممّا يظنّ كثيرون.
لكن قاعدةٌ لا تُخالَف: نظام التشغيل يجب أن يكون على قرص الحالة الصلبة دائمًا. هو أكثر ما يُقرَأ ويُكتَب، وسرعته تحدّد إحساسك بالجهاز كلّه. وضع النظام على قرصٍ ميكانيكيٍّ لتوفير المال خطأٌ يجعل أقوى جهازٍ يزحف. وفّر في مكان الأرشيف، لا في مكان النظام.
ولتقدّر السعة التي تحتاجها بواقعيّة، اعرف كم تلتهم الأشياء. نظام التشغيل الحديث وحده يشغل عشراتٍ من الغيغابايتات، ولعبةٌ ضخمةٌ واحدةٌ قد تتجاوز المئة غيغابايت، وبرامج التصميم الثقيلة عشرات أخرى. من هنا صارت الخمسمئة غيغابايت ضيّقةً على اللاعب الجادّ، وصار التيرابايت أرضيّةً مريحة. احسب نظامك وبرامجك وألعابك المفضّلة، تجد رقمك الحقيقيّ بلا تخمين.
وفي الحواسيب المحمولة، اسأل قبل الشراء إن كان القرص قابلًا للترقية أم ملحومًا، تمامًا كما في الرام. بعض الأجهزة النحيفة تلحم تخزينها فلا يمكن زيادته أبدًا، فتضطرّ للاعتماد على تخزينٍ خارجيٍّ أو سحابيٍّ حين يمتلئ. اختر سعةً مريحةً من البداية إن كان قرصك ملحومًا، فالندم هنا لا علاج له بعد الشراء.
التخزين الخارجيّ والنسخ الاحتياطيّ
لا يقتصر التخزين على ما بداخل الجهاز. الأقراص الخارجيّة، حالةً صلبةً كانت أم ميكانيكيّة، تُوصَل عبر منفذ USB وتعطيك مساحةً إضافيّةً متنقّلة. مفيدةٌ لنقل الملفّات الكبيرة بين الأجهزة، ولتوسعة مساحة حاسوبٍ محمولٍ ضاقت، وقبل ذلك كلّه لغايةٍ لا يُستهان بها: النسخ الاحتياطيّ.

تذكّر حقيقةً مرّةً: كلّ قرصٍ يعطب يومًا، حالةً صلبةً كان أم ميكانيكيًّا. لا تسأل «هل» بل «متى». لهذا فإنّ الاحتفاظ بنسخةٍ من ملفّاتك المهمّة على قرصٍ خارجيٍّ أو في السحابة ليس ترفًا بل تأمينٌ على ذكرياتك وعملك. القرص الداخليّ الواحد نقطة عطلٍ واحدة، وفقدان صورٍ لا تُعوَّض أو عملٍ سنواتٍ فاجعةٌ يسهل تفاديها بعادةٍ بسيطة.
وفرقٌ في طبيعة العطل يستحقّ المعرفة. القرص الميكانيكيّ غالبًا يحذّرك قبل موته بأصواتٍ غريبةٍ أو بطءٍ متزايد، فتلحق بنسخ بياناتك. أمّا قرص الحالة الصلبة فقد يموت فجأةً دون إنذار، وحين يموت يصعب استرجاع بياناته أكثر من الميكانيكيّ. هذا سببٌ إضافيٌّ لألّا تعتمد على قرصٍ واحدٍ مهما كان حديثًا وسريعًا؛ السرعة لا تعني الخلود.
وثمّة نوعٌ من التخزين لا تلمسه بيدك: التخزين السحابيّ. خدماتٌ تحفظ ملفّاتك على خوادم شركةٍ بعيدةٍ تصل إليها عبر الإنترنت. مريحٌ للوصول من أيّ جهازٍ وللنسخ الاحتياطيّ التلقائيّ، لكنّه يعتمد على اتّصالك ويثير أسئلةً عن الخصوصيّة. لا يغني عن التخزين المحليّ بل يكمّله، والحكمة أن تجمع بين نسخةٍ محليّةٍ وأخرى سحابيّةٍ لأهمّ ما تملك.
ولمن يحتاج أمانًا أعلى أو سعةً ضخمةً، توجد تقنيّةٌ تجمع عدّة أقراصٍ لتعمل كواحد، تُسمّى RAID. بعض إعداداتها ينسخ بياناتك على قرصين معًا، فإن عطب أحدهما بقيت على الآخر، وبعضها يجمع سرعتيهما. مجالها محطّات العمل والخوادم أكثر من المستخدم العاديّ، لكن يكفيك أن تعرف أنّها موجودةٌ لمن يحتاج موثوقيّةً أو سعةً تتجاوز قرصًا واحدًا.

تنبيه الأسعار في 2026
كما في الرام، ارتفعت أسعار وحدات التخزين ذات الحالة الصلبة ارتفاعًا حادًّا في 2025 و2026، بسبب طلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعيّ الهائل على ذاكرة NAND. فالقرص اليوم أغلى ممّا كان قبل عامين، والأسعار متقلّبة. من الطريف أنّ هذه الأزمة أعادت للقرص الميكانيكيّ بعض جاذبيّته في التخزين الضخم الرخيص. اشترِ ما تحتاجه، وتوقّع أسعارًا أعلى من السابق.
أخطاء شائعة
الخطأ الأوّل ظنّ أنّ «M.2» يعني تلقائيًّا السرعة، فيُشترى قرص M.2 بلغة SATA بطيئةٍ في شكلٍ عصريّ. الخطأ الثاني وضع نظام التشغيل على قرصٍ ميكانيكيٍّ لتوفير المال، فيزحف الجهاز كلّه. الخطأ الثالث مطاردة الجيل الخامس بلا حاجةٍ حقيقيّة، ودفع فرقٍ كبيرٍ في السعر والحرارة مقابل فرقٍ لا يُلمَس في الاستعمال العاديّ.
والخطأ الرابع شراء الأرخص المجهول لمجرّد رقم سعته وسرعته، فيخذل صاحبه في المتانة والثبات. والخطأ الخامس، الأفدح، الاعتماد على قرصٍ واحدٍ بلا أيّ نسخةٍ احتياطيّة، حتّى يعطب فجأةً فتضيع سنواتٌ من الملفّات. تجنّب هذه الخمسة، وتكون قد اشتريت تخزينك بوعيٍ وحميت بياناتك في آن.
جرّبه بنفسك
لتعرف نوع قرصك، افتح مدير المهامّ في ويندوز، واذهب إلى تبويب الأداء، فسترى أقراصك ونوع كلٍّ منها (HDD أو SSD) وسرعته لحظةً بلحظة. أو ابحث عن اسم موديل قرصك على الإنترنت لتعرف جيله ولغته. هذه النظرة تكشف لك إن كان جهازك يعاني من قرصٍ ميكانيكيٍّ بطيءٍ يستحقّ الترقية.
ثمّ، إن كان جهازك ما زال على قرصٍ ميكانيكيّ، جرّب حساب تكلفة ترقيته إلى قرص حالةٍ صلبة. غالبًا ستجدها أرخص ترقيةٍ وأكثرها أثرًا، وقد تحيي جهازًا ظننته يحتضر. وفي كلّ الأحوال، اتّخذ قرارًا اليوم: أين نسختي الاحتياطيّة إن عطب قرصي غدًا؟ إن لم يكن لك جواب، فتلك أوّل خطوةٍ تفعلها بعد هذا المقال. انسخ أهمّ ملفّاتك على قرصٍ خارجيٍّ أو في السحابة الآن، قبل أن يذكّرك عطلٌ مفاجئٌ بما كان يجب أن تفعله.
من الخزانة إلى اللوحة التي تجمع الكلّ
عرفتَ أنّ التخزين هو الخزانة الدائمة، والفرق بين الميكانيكيّ البطيء والحالة الصلبة السريعة، وفككتَ خلط SATA وNVMe وM.2، وعرفتَ كيف تختار بحكمةٍ وتحمي بياناتك. صار قرصك، ولغته، وشكله، ووصلته، مفهومةً لا طلاسم على علبة.
لكن أين تلتقي كلّ هذه القطع؟ المعالج، والرام، والتخزين، وكرت الشاشة، تحتاج جميعًا لوحًا واحدًا تتّصل به وتتبادل عبره البيانات والطاقة. إنّه اللوحة الأمّ، الهيكل العصبيّ الذي يجمع الجهاز كلّه ويحدّد ما يمكن أن تركّبه فيه وما لا يمكن. كيف تقرؤها وتختارها؟ هذا موعد المقال القادم.
المصادر
- Kingston Technology, «SSD vs HDD: What’s the difference?» (الفرق بين القرص الميكانيكيّ والحالة الصلبة). kingston.com ↩
- Kingston Technology, «Two types of M.2 SSDs: SATA and NVMe» (M.2 شكلٌ قد يكون SATA أو NVMe). kingston.com ↩
- Corsair, «PCIe 4.0 vs PCIe 5.0 NVMe M.2 SSDs» (سرعات الجيل الرابع والخامس والفرق الواقعيّ). corsair.com ↩