فهمت جهازك الآن كاملًا: عتاده، وبياناته، ونظامه، وبرمجيّاته، ومنافذه، وكيف تشتريه أو تبنيه. لكنّك تعرف هذه الظاهرة التي تحبط كلّ مستخدم: الجهاز الذي كان يطير يوم اشتريته يبطؤ عامًا بعد عام، حتّى يصير فتح برنامجٍ بسيطٍ انتظارًا مؤلمًا. لماذا يحدث هذا؟ أهو العتاد «تعب» و«شاخ»؟ أم شيءٌ آخر يمكن علاجه دون أن تدفع في جهازٍ جديد؟ هذا المقال يكشف الحقيقة، وهي مطمئنةٌ أكثر ممّا تظنّ.
في هذا المقال تفهم لماذا تبطؤ الحواسيب فعلًا، مستعينًا بكلّ ما تعلّمته في السلسلة. أكشف لك الحقيقة المطمئنة أنّ العتاد لم يتباطأ، ثمّ أستعرض لك الأسباب الحقيقيّة واحدًا واحدًا: تراكم البرمجيّات، وامتلاء القرص، والحرارة والغبار، وتضخّم البرامج، والخبث، وتغيّر توقّعاتك. وتفهم متى يكون العتاد هو العلّة فعلًا، وأبني لك سلّم حلولٍ من المجّانيّ إلى الترقية، وصولًا إلى متى تستسلم وتستبدل.
الحقيقة المطمئنة: العتاد لم يتباطأ
لنبدأ بحقيقةٍ تريح البال وتصحّح فهمًا خاطئًا شائعًا. معالج جهازك اليوم ينفّذ التعليمات بالسرعة نفسها التي كان ينفّذها بها يوم اشتريته، لا أبطأ بذرّة. العتاد لا «يتعب» ولا «يشيخ» فيبطؤ كما يشيخ الإنسان. دورة الجلب والفكّ والتنفيذ التي مرّت بك في مقال المعالج تجري بالتردّد نفسه، والذاكرة بالسرعة نفسها. فيزيائيًّا، جهازك سريعٌ كما وُلِد. فمن أين يأتي البطء الذي تحسّه إذن؟
البطء الذي تحسّه ليس في العتاد، بل فيما يُحمَّل عليه ويُطلَب منه. تخيّل حصانًا قويًّا لم تضعف عضلاته، لكنّك حمّلته أثقالًا تتراكم عامًا بعد عام: فيبدو أبطأ وهو بقوّته، لأنّ الحمل زاد لا القوّة نقصت. جهازك كذلك: عتادٌ ثابت القوّة، وحملٌ متزايدٌ من برمجيّاتٍ وملفّاتٍ وخبثٍ وحرارة. حين تفهم هذا، تعرف أنّ العلاج ممكنٌ غالبًا: خفّف الحمل يعُد الأداء، دون أن تشتري عتادًا جديدًا، ودون أن تحتاج خبرةً تقنيّةً عميقة.
السبب الأوّل: تراكم البرمجيّات
أكثر أسباب البطء شيوعًا تراكم البرامج مع الزمن. كلّما ثبّتّ برنامجًا، أضاف بعضها نفسه إلى قائمة ما يعمل تلقائيًّا عند الإقلاع، كما مرّ بك في مقالي الإقلاع ونظام التشغيل. فيبدأ جهازك بعد سنينٍ محمّلًا بعشرات البرامج والخدمات التي تعمل في الخلفيّة دون أن تطلبها، تلتهم الذاكرة والمعالج، وتبطّئ الإقلاع والتشغيل معًا. جهازٌ نظيفٌ بدأ ببضع خدماتٍ صار يحمل جيشًا منها يزاحم برامجك على الموارد.
هذا التراكم أوّل ما تعالجه، وأثره أكبر ممّا تتوقّع. راجع قائمة برامج بدء التشغيل من مدير المهامّ، وعطّل كلّ ما لا تحتاج عمله فور الإقلاع، فمعظم البرامج لا يلزم أن تعمل قبل أن تفتحها أنت. وأزل البرامج التي لم تعد تستعملها كما مرّ بك في مقال اقتناء البرمجيّات. هذا وحده قد يعيد لجهازك نصف رشاقته المفقودة، دون قرشٍ واحد، في دقائق من العمل الواعي.[1]
السبب الثاني: امتلاء القرص
سببٌ خفيٌّ قويٌّ هو امتلاء قرص التخزين. حين يقترب قرصك من الامتلاء التامّ، يبطؤ الجهاز بطئًا ملموسًا، وقد ينخفض الأداء بمقدارٍ كبيرٍ حين تتجاوز نسبة الامتلاء خمسًا وتسعين بالمئة.[2] والسبب يجمع ما تعلّمته: النظام يحتاج مساحةً حرّةً ليضع فيها ملفّ المبادلة الذي مرّ بك في مقال نظام التشغيل، وهو يوسّع الذاكرة على القرص. فإن امتلأ القرص، ضاق هذا المتنفّس، فيختنق النظام.
وللمشغّل الصلب سببٌ إضافيّ. كما مرّ بك في مقالي التخزين ونظام الملفّات، يحتاج المشغّل الصلب مساحةً حرّةً ليوزّع الكتابة على خلاياه ويطيل عمره، وليهيّئ الخلايا مسبقًا بأمر TRIM. قرصٌ ممتلئٌ يحرمه هذا المتنفّس، فيبطؤ ويتآكل أسرع. القاعدة العمليّة: اترك دائمًا هامشًا حرًّا معقولًا على قرصك، ولا تملأه حتّى آخره. حذف ما لا تحتاج وتنظيف الملفّات المؤقّتة يعيد هذا الهامش وسرعته معه.
السبب الثالث: الحرارة والغبار
سببٌ ماديٌّ يغفله كثيرون: الحرارة. مرّ بك في مقالي المعالج والصندوق أنّ المعالج يبطّئ نفسه تلقائيًّا حين ترتفع حرارته، حمايةً من التلف، وهو ما يسمّى الاختناق الحراريّ. ومع السنين يتراكم الغبار في الجهاز، فيسدّ فتحات التهوية ويكسو المراوح والمشتّتات، فيضعف التبريد وترتفع الحرارة، فيبطّئ المعالج نفسه أكثر. جهازٌ كان باردًا سريعًا صار حارًّا بطيئًا، والسبب طبقة غبارٍ لا تراها.
العلاج هنا ماديٌّ بسيط: تنظيف الجهاز من الغبار دوريًّا. في المكتبيّ تفتحه وتنفخ الغبار عن المراوح والمشتّتات والفتحات، وفي المحمول تنظّف فتحاته بحذر. وتأكّد أنّ فتحات التهوية غير محجوبةٍ بوضع الجهاز على سطحٍ ليّنٍ كالفراش يسدّها. جهازٌ نظيفٌ يتنفّس يبقى باردًا فسريعًا. هذه صيانةٌ ماديّةٌ يغفلها من يظنّ البطء برمجيًّا دائمًا، وقد تكون هي العلّة كلّها في جهازٍ مكتومٍ محبوسٍ في الغبار.
السبب الرابع: تضخّم البرمجيّات نفسها
وهذا أعمق الأسباب وأخفاها. مرّ بك في مقال البرمجيّات أنّ البرامج تنمو مع كلّ إصدارٍ فتثقل. نظام التشغيل نفسه، والمتصفّح، والتطبيقات، كلّها تكبر مع التحديثات، فتطلب من العتاد أكثر ممّا كانت تطلب يوم اشتريت الجهاز. عتادك ثابتٌ، والبرمجيّات تتضخّم فوقه عامًا بعد عام. فيبدو الجهاز أبطأ لأنّ ما يُحمَّل عليه صار أثقل، لا لأنّه ضعف، تمامًا كطريقٍ لم يتغيّر لكنّ السيّارات التي تسير عليه صارت أكبر وأكثر. هذا هو «الشيخوخة» الحقيقيّة للحواسيب: لا العتاد يهرم، بل البرمجيّات تكبر عليه.
هذا السبب أصعب علاجًا لأنّه ليس خطأً تصلحه، بل طبيعة تطوّر البرمجيّات. لكن لك حيلٌ: أبقِ إصدارًا أخفّ من برنامجٍ ثقيلٍ إن كفاك، واستعمل بدائل خفيفةً للبرامج المتضخّمة، وفكّر في نظامٍ خفيفٍ كتوزيعة لينكس التي مرّت بك لإحياء جهازٍ اختنق بنظامٍ ثقيل. لن توقف تضخّم العالم البرمجيّ، لكنّك تختار ما تحمّله على جهازك، فتبقيه في حدود ما يحتمله عتادك بارتياح.
المتصفّح: أكبر متّهمٍ يوميّ
لكثيرٍ منّا، أبطأ ما في الجهاز ليس الجهاز، بل المتصفّح. مرّ بك في مقال كيف يعمل البرنامج أنّ المتصفّح صار نظام تشغيلٍ صغيرًا يشغّل تطبيقاتٍ كاملة. وكلّ صفحةٍ تفتحها تطبيقٌ يستهلك ذاكرةً ومعالجًا. حين تفتح عشرات الألسنة معًا، يلتهم المتصفّح وحده معظم ذاكرتك، فيبطؤ كلّ شيء. جهازٌ يبدو بطيئًا قد يكون سليمًا، لكنّ متصفّحًا محمّلًا بأربعين لسانًا هو من يخنقه.
العلاج بسيطٌ وفعّال: أغلق الألسنة التي لا تحتاجها، ولا تجعل المتصفّح مقبرةً لصفحاتٍ نسيتها. وراجع إضافات المتصفّح التي حذّرتك منها في مقال الاقتناء، فبعضها يبطّئ التصفّح ويستهلك الموارد في الخلفيّة. إضافةٌ واحدةٌ ثقيلةٌ أو ثلاثون لسانًا مفتوحًا قد يفسّران بطئًا تلومه على جهازك ظلمًا. جرّب إغلاق المتصفّح كاملًا وإعادة فتحه بألسنةٍ قليلة، وانظر كيف يتنفّس جهازك.
السبب الخامس: البرمجيّات الخبيثة
قد يكون البطء المفاجئ علامة خبثٍ تسلّل إلى جهازك. كثيرٌ من البرمجيّات الخبيثة التي حذّرتك منها في مقالي البرمجيّات والاقتناء يعمل في الخلفيّة يستهلك موارد جهازك: بعضها يستغلّ معالجك لحساباتٍ لصالح غيره، وبعضها يجمع بياناتك ويرسلها، وبعضها يغرقك بالإعلانات. كلّها تلتهم المعالج والذاكرة والشبكة، فيبطؤ جهازك دون سببٍ ظاهرٍ تراه في برامجك المعتادة.
لهذا إن بطؤ جهازك فجأةً دون أن تثبّت شيئًا ثقيلًا، أو رأيت نشاطًا غريبًا في الشبكة والمعالج، فافحصه ببرنامج حمايةٍ موثوقٍ فورًا. راجع العمليّات العاملة في مدير المهامّ، وابحث عمّا يستهلك كثيرًا ولا تعرفه. الخبث سببٌ شائعٌ للبطء يغفله من يبحث عنه في مكانٍ آخر، والوقاية منه بما مرّ بك من حذرٍ في التحميل أهون من مطاردته بعد أن يستقرّ ويلتهم جهازك.
ومفارقةٌ يجب أن تعرفها: برنامج الحماية نفسه قد يكون سبب البطء. بعض حزم الحماية التجاريّة الثقيلة تفحص كلّ شيءٍ باستمرارٍ فتستهلك موارد جهازك أكثر ممّا يستهلكه خبثٌ محتمل، وتضيف مزايا لا تحتاجها تعمل في الخلفيّة. لهذا، كما مرّ بك في مقال الاقتناء، تكفي معظم الناس الحماية المدمجة في النظام، وهي خفيفةٌ فعّالة. لا تحمّل جهازك حزمة حمايةٍ ثقيلةً تبطّئه باسم حمايته، فتدفع بالسرعة ثمن أمانٍ يعطيه النظام مجّانًا.
السبب السادس: توقّعاتك تغيّرت
وسببٌ نفسيٌّ حقيقيٌّ يغفله الجميع: أنت وعالمك تغيّرتما، لا جهازك وحده. المواقع صارت أثقل، والتطبيقات أضخم، والمحتوى أعلى دقّة، فما كان يكفيه جهازك بالأمس صار يطلب أكثر اليوم. وأنت اعتدت السرعة فصار البطء الطفيف يزعجك أكثر. الجهاز نفسه يفعل ما كان يفعل، لكنّ العالم من حوله رفع سقف ما يُطلَب منه. جزءٌ من «بطء» جهازك أنّ العالم تسارع، لا أنّه تباطأ.
هذا لا يعني أنّ البطء وهمٌ، بل أنّ جزءًا منه نسبيٌّ لا مطلق. جهازٌ يكفي للكتابة والتصفّح الخفيف قد يبقى كافيًا لهما سنين، وإن عجز عن أحدث الألعاب والمواقع الثقيلة. لهذا قبل أن تحكم على جهازك بالبطء، اسأل: أبطؤ في المهامّ التي اشتريته لها، أم في مهامّ جديدةٍ أثقل لم تكن في الحسبان؟ التمييز بينهما يوفّر عليك استبدالًا قد لا تحتاجه، إن كان جهازك ما زال يخدم حاجتك الأصليّة.
على المحمول: البطّاريّة والطاقة
للمحمول سببٌ خاصٌّ يغفله كثيرون. حين تضعف بطّاريّته مع السنين، أو حين يعمل على البطّاريّة لا الكهرباء، قد يخفّض النظام أداء المعالج عمدًا ليوفّر الطاقة ويمدّ الشحن، فيبطؤ الجهاز في هذه الحالة. لهذا قد تجد محمولك أسرع موصولًا بالكهرباء منه على البطّاريّة. وبطّاريّةٌ متهالكةٌ قد تدفع النظام لخفض الأداء دائمًا. هذا سلوكٌ مقصودٌ لتوفير الطاقة، لا عطبٌ، وإن أبطأ جهازك فعلًا.
راجع إعدادات الطاقة في محمولك: اضبطه على وضع الأداء العالي حين توصله بالكهرباء وتحتاج سرعته، وعلى توفير الطاقة حين تريد إطالة البطّاريّة. وإن كانت البطّاريّة متهالكةً جدًّا، فقد يعيد تبديلها الأداء إلى جانب عمر الشحن. اعرف أنّ خفض الأداء لتوفير الطاقة خيارٌ في يدك غالبًا، لا قدرٌ محتوم، فتوازن بين السرعة والبطّاريّة حسب حاجتك في كلّ لحظة.
حين يكون العتاد هو العلّة فعلًا
وبعد كلّ ما سبق، يبقى أنّ العتاد قد يكون العلّة أحيانًا، لكن ليس بالطريقة التي يظنّها الناس. المعالج لا يبطؤ، لكنّ قطعًا أخرى قد تعطب أو تتآكل. مشغّل الحالة الصلبة له عمر كتابةٍ محدودٌ كما مرّ بك في مقال التخزين، فقد يبطؤ حين يقترب من نهايته. والقرص الصلب الميكانيكيّ قد تظهر فيه قطاعاتٌ تالفةٌ تبطّئ القراءة. والبطّاريّة تتهالك. هذه أعطالٌ حقيقيّةٌ في قطعٍ بعينها، لا «شيخوخةٌ» عامّةٌ في الجهاز كلّه.
الفرق مهمٌّ لأنّه يوجّه العلاج. إن كان البطء من قطعةٍ متهالكة، فتبديلها وحدها يعيد الأداء، بدل استبدال الجهاز كلّه. قرصٌ يحتضر يُستبدَل بآخر، وذاكرةٌ ضاقت تُزاد، وبطّاريّةٌ ماتت تُبدَّل. هنا تظهر قيمة فهمك للقطع وقيمة قابليّة الترقية التي مرّت بك: تشخّص القطعة العليلة وتعالجها وحدها. من فهم جهازه قطعةً قطعةً لا يرمي كلّه لعطب واحدةٍ منه.
سلّم الحلول: من المجّانيّ إلى الترقية
رتّب علاجك من الأرخص إلى الأغلى، فلا تدفع قبل أن تجرّب المجّانيّ. أوّلًا، وكلّه بلا مال: عطّل برامج بدء التشغيل الزائدة، وأزل ما لا تستعمله، ونظّف القرص واترك هامشًا حرًّا، وافحص الخبث، ونظّف الغبار الماديّ، وأعد التشغيل الكامل الذي يمسح فوضى الذاكرة. هذه الخطوات وحدها تعيد الحياة لأغلب الأجهزة البطيئة، وكثيرون يستبدلون جهازًا كان يكفيه تنظيفٌ في ساعة.
فإن لم تكفِ، انتقل إلى الترقية الرخيصة قبل الاستبدال. زيادة الذاكرة تريح جهازًا يختنق عند فتح عدّة برامج، كما مرّ بك في مقال الذاكرة. لكنّ الترقية الذهبيّة، الأعظم أثرًا في جهازٍ قديم، هي استبدال القرص الصلب الميكانيكيّ بمشغّل حالةٍ صلبة. هذه القطعة وحدها تحوّل جهازًا يزحف إلى جهازٍ يطير: يقلع في ثوانٍ، وتفتح البرامج فورًا، كأنّه جهازٌ جديدٌ بجزءٍ يسيرٍ من ثمنه.[3]
ولماذا هذا القرص تحديدًا هو الأعظم أثرًا؟ لأنّ القرص الميكانيكيّ البطيء، كما مرّ بك في مقال التخزين، هو عنق الزجاجة في أغلب الأجهزة القديمة: المعالج والذاكرة ينتظرانه وهو يزحف بقراءته الميكانيكيّة. فحين تستبدله بمشغّلٍ صلبٍ أسرع بمراحل، يزول عنق الزجاجة، فينطلق كلّ شيء. من عرف مبدأ عنق الزجاجة عرف لماذا هذه الترقية بالذات تصنع الفرق الأكبر، وتؤجّل الحاجة إلى جهازٍ جديدٍ سنين.
أسطورة برامج التسريع
وقبل ختام الحلول، تحذيرٌ مهمّ. ستجد إعلاناتٍ كثيرةً لبرامج تعدك بأن «تسرّع جهازك بضغطة زرّ» و«تنظّف السجلّ» و«تحسّن الأداء». معظم هذه البرامج عديم الفائدة في أحسن حال، وفي أسوئه طفيليٌّ يبطّئ جهازك أكثر ممّا يسرّعه، أو بابٌ للخبث كما حذّرتك في مقال الاقتناء. الوعد بحلٍّ سحريٍّ بضغطة زرٍّ لمشكلةٍ متعدّدة الأسباب وعدٌ كاذبٌ بطبيعته، فلا يوجد زرٌّ واحدٌ يعالج كلّ ما مرّ بك.
كلّ ما تحتاجه لتسريع جهازك موجودٌ في نظامك نفسه مجّانًا: مدير المهامّ لبرامج بدء التشغيل، وأداة تنظيف القرص، وإزالة البرامج، وفحص الحماية المدمج. لا تحتاج برنامجًا خارجيًّا يزعم فعل ذلك، خاصّةً من مصدرٍ مشبوه. الأدوات الأصيلة في نظامك تكفي، وهي آمنةٌ موثوقة. تذكّر القاعدة من مقال الاقتناء: إن كان برنامجٌ مجّانيٌّ يعدك بالكثير مقابل لا شيء، فاسأل كيف يربح صانعه، وغالبًا الجواب على حسابك أنت.
الخيار النوويّ: إعادة تثبيت النظام
حين يتراكم على جهازك من الفوضى ما يصعب تتبّعه، يبقى حلٌّ جذريٌّ يعيده كأنّه جديد: إعادة تثبيت نظام التشغيل من الصفر. يمحو هذا كلّ ما تراكم من برامج وإعداداتٍ وفوضى وخبثٍ محتمل، ويعطيك نظامًا نظيفًا كيوم اشتريته. كثيرٌ من الأجهزة التي يظنّ أصحابها أنّها «شاخت» تعود سريعةً تمامًا بعد إعادة تثبيتٍ نظيفة، لأنّ علّتها كانت التراكم لا العتاد، كما مرّ بك طوال المقال.
لكن لهذا الخيار ثمنه، فاستعدّ له. احفظ نسخةً من كلّ بياناتك المهمّة أوّلًا، فإعادة التثبيت تمحو القرص غالبًا، كما مرّ بك في مقال نظام الملفّات. وستعيد تثبيت برامجك وضبط إعداداتك من جديد، وهو جهدٌ يأخذ وقتًا. لهذا هو خيارٌ دوريٌّ كلّ بضع سنينٍ أو عند تراكمٍ شديد، لا حلٌّ يوميّ. لكنّه أنظف علاجٍ جذريٍّ لجهازٍ أثقلته السنون، ويؤجّل الحاجة إلى الاستبدال طويلًا.
حيلٌ صغيرةٌ تجمع الفرق
وثمّة حيلٌ صغيرةٌ تتراكم في فرقٍ ملموس. أعد تشغيل جهازك كاملًا بين الحين والآخر، فكثيرٌ ممّن يشكون البطء لا يطفئون أجهزتهم أسابيع، فتتراكم فوضى الذاكرة؛ وإعادة التشغيل تمسحها وتبدأ نظيفةً. وخفّف المؤثّرات البصريّة والحركات في إعدادات النظام إن كان جهازك ضعيفًا، فهي تستهلك موارد لأجل الجمال وحده. وأبقِ نظامك محدّثًا، فبعض التحديثات تحسّن الأداء وتصلح عيوبًا تبطّئ.
متى تستسلم وتستبدل؟
ومع ذلك يأتي وقتٌ يكون الاستبدال فيه أحكم من الإحياء. حين تكون قد جرّبت كلّ ما سبق، ولا يزال الجهاز يعجز عن مهامّك الأساسيّة، وحين تكون تكلفة ترقيةٍ تكفي جزءًا كبيرًا من ثمن جهازٍ جديدٍ أقوى بكثير، وحين يتوقّف نظامه عن تلقّي تحديثات الأمان فيصير خطرًا كما مرّ بك، عندها الاستبدال قرارٌ عاقل. لا تعاند في إحياء جهازٍ تجاوز عمره النافع، فالإصرار قد يكلّفك أكثر من الاستبدال.
لكن لا تصل إلى هذا القرار إلّا بعد أن تستنفد الأرخص. كثيرون يستبدلون أجهزةً كان يكفيها تنظيفٌ وترقيةٌ رخيصة، فيهدرون مالًا ويزيدون النفايات الإلكترونيّة. والقاعدة الذهبيّة: عالج قبل أن تستبدل، وابدأ بالمجّانيّ، ثمّ الرخيص، ولا تشترِ جديدًا إلّا حين يعجز جهازك عن حاجتك الحقيقيّة رغم كلّ محاولةٍ للإحياء. هكذا توفّر مالك، وتطيل عمر جهازك، وتقلّل ما تلقيه في النفايات دون داعٍ.
وخير من العلاج الوقاية بعاداتٍ تبقي جهازك سريعًا من البداية. ثبّت ما تحتاجه فقط، وأزل ما انتهيت منه، ولا تدع البرامج تتراكم بلا حساب. راجع برامج بدء التشغيل كلّما ثبّتّ جديدًا. واترك دائمًا هامشًا حرًّا على قرصك. ونظّف الغبار دوريًّا. وأبقِ نظامك وبرامجك محدّثةً في الأمان. هذه عاداتٌ تأخذ دقائق متفرّقة، لكنّها تجنّبك جهازًا يزحف بعد سنتين، وتبقيه قريبًا من رشاقته الأولى سنين.
والفكرة الجامعة في هذا كلّه أنّ سرعة جهازك في يدك أكثر ممّا تظنّ. لست رهينة «شيخوخةٍ» محتومةٍ تفرض عليك جهازًا جديدًا كلّ سنتين. حين تفهم أنّ البطء حملٌ متراكمٌ لا عتادٌ ضعيف، تملك زمام علاجه: تخفّف الحمل فتعود السرعة. هذه المعرفة تحرّرك من دورة الاستبدال المكلفة، وتجعلك سيّد جهازك لا خاضعًا لبطئه، تمامًا كما كان هدف هذه السلسلة كلّها: أن تفهم فتتحكّم.
جرّبه بنفسك
شخّص جهازك الآن كطبيب. افتح مدير المهامّ وراقب أثناء البطء: ما الذي يستهلك المعالج والذاكرة والقرص؟ إن كان القرص ممتلئًا باستمرارٍ بمئةٍ بالمئة، فهو عنق زجاجتك. وإن كانت الذاكرة ممتلئةً، فتحتاج زيادةً أو تقليل ما تفتحه. وإن كان المعالج مشغولًا ببرنامجٍ لا تعرفه، فابحث عنه فقد يكون خبثًا. هذا التشخيص يريك السبب بدل أن تخمّن، فتعالج العلّة لا العرض.
ثمّ طبّق سلّم الحلول المجّانيّ كلّه في جلسةٍ واحدة: عطّل برامج بدء التشغيل الزائدة، وأزل ما لا تستعمله، ونظّف القرص واترك هامشًا، وافحص الخبث، وأعد التشغيل. وإن كان جهازك يعمل بقرصٍ ميكانيكيٍّ قديم، فابحث عن كلفة ترقيته إلى مشغّل حالةٍ صلبة، وستُدهَش كم يكلّف قليلًا مقابل ما يعيده من حياة. جرّب هذا قبل أن تفكّر في جهازٍ جديد، فقد يعود جهازك كأنّه وُلِد من جديد، وتوفّر ثمن جهازٍ لم تكن تحتاجه أصلًا.
من السرعة إلى الأمان
عرفتَ أنّ العتاد لا يتباطأ فيزيائيًّا، وأنّ البطء يأتي من تراكم البرمجيّات، وامتلاء القرص، والحرارة والغبار، وتضخّم البرامج، والخبث، وتغيّر توقّعاتك، وأحيانًا عطب قطعةٍ بعينها. وبنيتَ سلّم حلولٍ من المجّانيّ إلى الترقية الذهبيّة إلى الاستبدال حين يلزم. صرت تشخّص بطء جهازك وتعالجه بوعي، مستعينًا بكلّ ما فهمته في هذه السلسلة عن القطع والنظام والبرمجيّات، فما عاد البطء لغزًا محبطًا بل مشكلةً لها أسبابٌ معروفةٌ وحلولٌ في متناولك.
وقد مرّ بك في هذا المقال وغيره طيفٌ يهدّد جهازك أخطر من البطء: البرمجيّات الخبيثة، والثغرات، ومن يريد بياناتك. حذّرتك منه مرارًا، وآن أوان أن أفرده لك بالحديث. كيف تحمي جهازك وبياناتك في عالمٍ يمتلئ بالمخاطر؟ ما أهمّ ما تفعله دون أن تكون خبيرًا؟ هذا موضوع المقال الأخير في السلسلة: أساسيّات أمان جهازك، حيث أجمع لك خيوط الحماية التي بثثتُها في كلّ مقال، وأصوغها دليلًا عمليًّا يحمي جهازك وبياناتك دون أن تكون خبيرًا.
المصادر
- موضوع، «بطء الكمبيوتر وأسبابه» (تراكم البرامج العاملة في الخلفيّة وبرامج بدء التشغيل واستنزافها للموارد). ↩
- iBelieveInScience، «خمسة أسباب تجعل حاسوبك بطيئًا» (أثر امتلاء القرص والاختناق الحراريّ في هبوط الأداء). ↩
- DiskPart، «لماذا يعمل حاسوبي ببطء فجأة» (الترقية إلى مشغّل الحالة الصلبة كأكبر تحسينٍ لأداء جهازٍ قديم). ↩