محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

31من 32

عالم الدراجات النارية

الدراجات النارية في سوريا: لماذا هي جزء من الحل؟ رأي ورد على المعترضين

خوذة دراجة نارية سوداء مستعملة وقد بهت طلاؤها، موضوعة على ذراع مرآة دراجة متوقّفة في شارع سوري، ويظهر أمامها المقود ومقبضاه ومقابض الفرامل، وخلفها شارع مزدحم بسيارات أجرة صفراء وبسطة خضار، في ضوء أصيل دافئ.

نحو 9,000 دراجة نارية حجزها فرع مرور دمشق خلال أشهر، وغرامات تصل إلى مليون ليرة، وحجز شهراً كاملاً، ومنع من دخول العاصمة إلا بتصريح.[1] ثم جاء القرار الأكبر: منع استيراد الدراجات النارية كلياً، بكل أنواعها ومسمياتها، وهو نافذ منذ نيسان الماضي.[2] الرسالة الرسمية والشعبية واحدة تقريباً: الدراجة النارية مشكلة.

هذا مقال رأي، ورأيي فيه صريح من سطره الأول: الدراجة النارية ليست مشكلة سوريا؛ هي واحد من أفضل الحلول لواقع المواصلات والطرقات والوضع المادي في سوريا، والمشاكل الحقيقية الملتصقة بها، وهي موجودة فعلاً، تعالَج بالتنظيم لا بالشيطنة والمنع. سأدافع عن هذا الرأي بالأرقام حيث توجد أرقام، وسأرد على الاعتراضات الأربعة الشهيرة واحداً واحداً، دون أن أجمّل ما لا يُجمَّل.

أولاً: لماذا هي حل سوري بامتياز؟

حساب الوقود لا يرحم

لتفهم لماذا امتلأت شوارعنا بالدراجات، عد إلى المعادلة التي عاشها السوريون سنوات الثورة: وقود نادر وغالٍ معاً، ومخصصات بنزين تُقاس بالقطّارة. يومها كانت حصة الدراجة البالغة 25 ليتراً كل عشرة أيام تعني شهراً كاملاً من الحركة الفعلية لصاحبها، بينما تبتلع السيارة حصتها في أيام.[4] والسبب في هندسة الآلة نفسها. دراجة التنقل من فئة 125 سي سي تقطع نحو 40 كيلومتراً باللتر الواحد،[3] أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما تقطعه أصغر سيارة في المدينة. تلك السنوات هي التي جعلت الدراجة خيار الضرورة الأول. ثم انقلبت الصفحة، وعاد الوقود إلى محطات سوريا الحرة متوافراً بلا طوابير ولا مخصصات، والحمد لله، وهذا مكسب قائم لا ينتقص منه شيء. أما سعره فيتحرك مع كل نشرة تسعير، وقد قفز هذا الشهر قفزة حادة سأضع أرقامها بعد قليل. ومع ذلك بقيت الدراجات في الشوارع تتكاثر لا تتراجع.

والسبب بسيط: انفراج الحال نقل حجة الدراجة من حجة نجاة إلى حجة اقتصاد رشيد. ثلث الاستهلاك يعني ثلث الفاتورة في الرخاء كما في الشدة، والفرق أن ما كان بالأمس شرط بقاء صار اليوم ادخاراً شهرياً صافياً يختاره العاقل اختياراً.

وفي أشد تلك السنوات خنقاً للمواصلات، وثّقت التقارير الصحفية ما عرفه كل سوري بجيبه: أجرة التاكسي وحدها كانت تلتهم أكثر من ثلث راتب شهري كامل لموظف. فولد «تاكسي الدراجة» الذي ينقل الناس بأجور أرخص، وغضّت الجهات الرسمية نفسها الطرف عنه، لأنه كان يسد فجوة لا يسدها غيرها.[4] لم تكن تلك فوضى؛ كانت سوقاً تحل مشكلة تركها الجميع بلا حل، وهذا هو أصل الحكاية الذي يجب إنصافه قبل أي نقاش عن حاضر الدراجات: هذه الآلة لم تدخل حياتنا موضةً؛ دخلتها منقذاً، والوفاء يقتضي ألا يُنسى لها ذلك في الأيام الأفضل.

وحوّل النسب إلى بيت حقيقي بأرقام اليوم لا بأسعار سنوات الشح. لتر البنزين أوكتان 90 يكلف 185 ليرة سورية جديدة والأوكتان 95 يكلف 195، بنشرة أقرّتها اللجنة الدائمة لتسعير المشتقات النفطية ونفذت في 15 أيلول 2026.[8] ووصفت الوزارة هذا الرفع بأنه مؤقت وربطته بدخول مصفاة بانياس في صيانة شاملة ترفع كلفة الاستيراد.[9] وكان اللتر نفسه بـ125 ليرة أواخر حزيران الماضي بعد خفض قارب العشرين بالمئة،[6] فالفارق بين الرقمين ثمانية وأربعون بالمئة في شهرين ونصف.

خذ موظفاً يقطع 25 كيلومتراً يومياً ذهاباً وإياباً، أي نحو 600 كيلومتر في الشهر. على دراجة تنقل يحرق نحو 15 لتراً بما يعادل 2,775 ليرة، وعلى أصغر سيارة يحرق 50 لتراً على الأقل بما يعادل 9,250 ليرة. ضع الرقمين بجانب الحد الأدنى للأجور البالغ 12,560 ليرة جديدة منذ أيار الماضي، أي نحو مئة دولار، وبجانب متوسط رواتب القطاع العام الذي ما زال بين 80 و100 دولار.[7] يتضح حجم المسألة: وقود السيارة وحده يبتلع نحو ثلاثة أرباع الحد الأدنى للراتب، بينما تكتفي الدراجة بنحو خُمسه. والفارق بينهما 6,475 ليرة شهرياً، أي أكثر من نصف راتب كامل يبقى في جيب العائلة كل شهر، عاماً بعد عام.

شكل 1 فاتورة وقود الشهر أمام الحد الأدنى للأجور ثلاثة أعمدة أفقية تبدأ من الصفر على اليمين وتمتدّ يساراً بطول يتناسب مع المبلغ، وكلّها بالليرة السورية الجديدة على مسافة ستّ مئة كيلومتر في الشهر. عمود دراجة التنقل من فئة 125 سي سي يبلغ ألفين وسبع مئة وخمسة وسبعين، أي نحو اثنين وعشرين بالمئة من الراتب. وعمود أصغر سيارة يبلغ تسعة آلاف ومئتين وخمسين، أي نحو أربعة وسبعين بالمئة منه، وهو المميَّز باللون والخطّ الأثقل لأنّه الرقم الذي يقرّر المسألة. والعمود الثالث هو الحد الأدنى للأجور نفسه، اثنا عشر ألفاً وخمس مئة وستّون، مرسوماً بخطّ خفيف لأنّه المسطرة لا الدعوى. والنسبة بين العمودين الأوّلين لا تتغيّر مهما تغيّر سعر اللتر، لأنّ الدراجة تشرب ثلث ما تشربه السيارة على الطريق نفسه. دراجة تنقل 125 سي سي 2,775 أصغر سيارة 9,250 الحد الأدنى للأجور 12,560 بالليرة السورية الجديدة، شهرياً، على 600 كيلومتر فاتورة وقود الشهر أمام الحد الأدنى للأجور ثلاثة أعمدة أفقية تبدأ من الصفر على اليمين وتمتدّ يساراً بطول يتناسب مع المبلغ، بالليرة السورية الجديدة على ستّ مئة كيلومتر في الشهر. دراجة التنقل ألفان وسبع مئة وخمسة وسبعون، أي نحو اثنين وعشرين بالمئة من الراتب. وأصغر سيارة تسعة آلاف ومئتان وخمسون، أي نحو أربعة وسبعين بالمئة منه، وهو العمود المميَّز لأنّه الرقم الذي يقرّر. والثالث هو الحد الأدنى للأجور نفسه، اثنا عشر ألفاً وخمس مئة وستّون، مرسوماً خفيفاً لأنّه المسطرة. والنسبة بين الأوّلين لا تتغيّر مهما تغيّر سعر اللتر. دراجة 125 سي سي 2,775 أصغر سيارة 9,250 الحد الأدنى للأجور 12,560 ليرة جديدة شهرياً، على 600 كم
فاتورة وقود شهر واحد على مسافة 600 كيلومتر، مقيسة على الحد الأدنى للأجور بأسعار 15 أيلول 2026. والعمود الثالث هو الراتب نفسه، موضوعاً مسطرةً تحت العمودين.

ولاحظ ما فعله ارتفاع السعر بهذه الحسبة: ضاعف حدّتها. وهنا جوهر الحجة الذي لا يتغير مع كل نشرة تسعير. النسبة بين الدراجة والسيارة نسبة استهلاك لا نسبة سعر، فهي ثابتة مهما تحرك اللتر، والدراجة تشرب أقل من ثلث ما تشربه أصغر سيارة على الطريق نفسه. سواء كان اللتر بـ125 أو بـ185 أو بضعفهما، تبقى القسمة هي هي. وكل ارتفاع جديد يزيد هذه الحجة ثقلاً على من تجاهلها. هذه ادخار دائم لا يحتاج ضائقة ليصير منطقياً.

والحسبة نفسها تصح على مستوى البلد كله: سوريا تستورد وقودها بعملة صعبة يحتاجها الإعمار في ألف باب آخر، وكل راكب اختار العجلتين بدل الأربع خفّض فاتورة الاستيراد الوطنية بثلثي استهلاكه. بلد يعيد بناء نفسه تخدمه وسيلة النقل الأوفر وقوداً خدمةً تتجاوز صاحبها إلى الاقتصاد كله، وهذه حجة تكبر مع البلد ولا تصغر بتحسن أحواله.

ثم ارفع النظر عن حدودنا لحظة. مئات ملايين البشر من جاكرتا إلى لاغوس إلى دلهي يذهبون إلى أعمالهم كل صباح على عجلتين، وفي بلدان بأكملها الدراجة هي المركبة الأولى للأسرة لا الثانية. السوري الذي اكتشف الدراجة في سنوات الثورة لم يخترع سلوكاً غريباً؛ التحق متأخراً بالطريقة التي يتنقل بها معظم الجنوب العالمي أصلاً. الغريب ليس أن نركبها؛ الغريب أننا تأخرنا.

اقتصاد كامل على عجلتين

انظر حولك في أي مدينة سورية اليوم. التوصيل الذي يعيش عليه آلاف الشباب دراجةٌ نارية، ومونة البيت من السوق دراجة، ووصول العامل إلى ورشته البعيدة دراجة، وطبيب الريف إلى قريته دراجة. ثمن الدخول إلى هذا الاقتصاد كله أقل من عُشر ثمن أرخص سيارة مستعملة، وصيانته بمتناول أي جيب، وقطعه في كل حارة. في بلد خرج من حرب وخسر فيه الناس مدخراتهم، وسيلة النقل التي يشتريها شاب من مدخرات سنة عمل هي فرصة عمل ومعيشة بحد ذاتها، لا ترف يُستغنى عنه.

وأضف ما لا يدخل في الحسابات المالية. عشر دراجات تقف في موقف سيارة واحدة. وشوارعنا القديمة الضيقة، التي صُممت قبل السيارة بقرون، تتنفس مع الدراجات ولا تختنق. والأزقة المتضررة التي لا تدخلها سيارة أصلاً تدخلها الدراجة بحمولتها.

وخذ دمشق مثالاً ملموساً. في أحياء كاملة على سفح قاسيون، وركن الدين أوضحها، لا مكان لركن سيارة أصلاً. الحارات تصعد وتنزل في طرق متعرجة، وأكثرها لا يتسع لسيارة واحدة، والبيوت متلاصقة بلا مرآب ولا رصيف يتسع. وأول ما يواجه ساكنها عند التفكير في سيارة هو مكانها قبل ثمنها، والدراجة تجيب عن السؤالين معاً: تصعد الحارة التي لا تصعدها سيارة، وتنام تحت الدرج أو في مدخل البيت. وركن الدين واحدة من كثير، فكل حي قديم أو مرتفع أو مكتظ في مدننا يشبهها في هذا بالضبط. المدينة السورية، بهندستها وواقعها، صديقة الدراجة أكثر مما هي صديقة السيارة.

قابلة للإصلاح في كل مكان

الدراجات السائدة عندنا من عائلات هندسية صُممت أصلاً للأسواق الصعبة: محركات بسيطة تتحمل الوقود الرديء والإهمال، يعرفها كل ميكانيكي من درعا إلى القامشلي، وقطعها رخيصة ومتوافرة. هذه ليست صدفة؛ هذه فلسفة تصميم كاملة سأفصّلها في مقال المواصفات، وهي تعني عملياً أن الدراجة عندنا لا «تموت» بعطل؛ دائماً يوجد من يصلحها وبما يوجد من قطع. وفي هذا الموقع سلسلة كاملة من 29 مقالاً تشرح لك هذه الآلة من قرار شرائها إلى جدول صيانتها، لأنني أؤمن أن من يفهم آلته يستعملها أفضل وأسلم.

بنية تحتية حين غابت البنى التحتية

ولمن نسي، تذكير قصير بما فعلته هذه الآلة في أصعب السنوات: حين شحّ الوقود حتى توقفت السرافيس، وصار الوصول إلى الخبز والدواء والدوام مشكلة يومية، كانت الدراجة هي التي تتحرك. توصل ربطة الخبز وجرة الغاز إلى حارات لا تصلها شاحنة. وتقل المريض إلى نقطة طبية حيث لا إسعاف يجيب، وتبقي عامل المشفى والفرن على رأس عمله حين تعطل كل شيء آخر. لم يخطط لها أحد بنيةً تحتية للطوارئ، لكنها كانت كذلك بالضبط: شبكة نقل شعبية تمول نفسها وتصلح نفسها وتصل إلى كل مكان. البلد الذي جربته وسيلة نجاة يستحق أن يعاملها اليوم بأفضل من صفة «مشكلة».

وثمة باب يُفتح ببطء يستحق التسجيل هنا. فمنذ 2022 وثّقت التقارير سوريات يقصدن جامعاتهن وأعمالهن على عجلتين هرباً من عبء المواصلات. وأسبابهن عملية بحتة: ربع ساعة على دراجة بدل ساعة في الباص، وخلاص من مساومة سائقي التكاسي. وثمنها استغراب في الشارع ومضايقة من بعض السائقين.[10]

وكان ذلك على الدراجات الهوائية أولاً، ثم بدأ يظهر على الكهربائية. ففي آب الماضي نُقلت قصة نور حمامية بوصفها أوّل فتاة تعمل في توصيل الطلبات بدراجة كهربائية في دمشق، وهي نفسها تأمل أن يصير المشهد عادياً يوماً.[11] والفرق بين الخبرين هو الخلاصة: الأوّل يصف ظاهرة صغيرة قائمة، والثاني يصف حالة واحدة ما زالت تُروى لأنها الأولى. الباب مفتوح بمقدار شقّ. وأنا أرى في العجلتين وسيلة تنقّل جيدة للنساء تحديداً، لأنّ صعوبات المواصلات تضيق عليهنّ أكثر مما تضيق على سواهنّ، وهذه حسنة تسجَّل للدراجة لا عليها.

راكب دراجة نارية بخوذة كاملة مصوَّر من الخلف، وعلى دراجته رفّ خلفيّ محمّل بأكياس مربوطة بحبال، يسير في شارع سوري مزدحم بالسيارات وسيارة خدمة بيضاء، وخلفه أبنية سكنية عليها غسيل وخزانات ماء.
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تمثّل المشهد الذي يصفه هذا الفصل: راكب بخوذته، وحمولة مربوطة على رفّ خلفيّ، يشقّ زحاماً واقفاً لا تتحرك فيه السيارات.

وماذا عن البيئة؟

دراجة تستهلك ربع وقود السيارة تعني في المجمل انبعاثات أقل لكل كيلومتر مقطوع، وازدحاماً أقل يوفر على الجميع ساعات التسمم وقوفاً. لكن الإنصاف يوجب الاعتراف بالاستثناء: القديم جداً من الدراجات، وخصوصاً بقايا المحركات ثنائية الأشواط، يدخن أكثر من حصته فعلاً. ولاحظ إلى أين يقودنا هذا الاعتراف: إلى ضرورة تجديد الأسطول بأنواع أحدث وأنظف، أي عكس اتجاه منع الاستيراد الذي يجمد القديم في مكانه تماماً.

ثانياً: الرد على الاعتراضات الأربعة

سأتعامل مع كل اعتراض بأقصى جديته، لا بأضعف صيغه، وسأبدأ في كل مرة بما هو صحيح فيه قبل الرد عليه؛ فالاعتراضات الأربعة ليست متساوية الوزن، وبعضها يحمل نصف حقيقة تستحق الاحترام.

«الدراجات خطرة»

أبدأ بالاعتراض الأقوى، ولن أراوغ فيه: نعم، راكب الدراجة أكثر هشاشة من راكب السيارة، فلا صندوق معدنياً حوله ولا أحزمة ولا وسائد. من ينكر هذا يخسر المصداقية من أول جملة. لكن السؤال الصحيح ليس «هل فيها خطر؟» بل «هل الخطر قدرٌ أم متغير يُدار؟». والجواب عند العلم قاطع: متغير يُدار، وبأدوات رخيصة معروفة.

الخوذة وحدها، بحسب تحليل تلوي لدراسات من بلدان تشبه ظروفنا، تخفض إصابات الرأس بنسبة تقارب 88%، وفي إحدى الدراسات مات 2.8% فقط من مرتدي الخوذ بعد الحوادث مقابل 14.3% من غير المرتدين.[5] اقرأ الرقمين مرة أخرى: الفرق بين الفئتين ليس تفصيلاً؛ هو خمسة أضعاف في احتمال الموت، تشتريه أو تبيعه بقطعة تلبسها على رأسك.

ثم انظر بصدق في حوادث الدراجات عندنا: قاصر بلا رخصة ولا خوذة على دراجة غير مسجلة يقودها بلا ساعة تدريب واحدة. كل كلمة في هذه الجملة قابلة للعلاج بالتنظيم: رخصة حقيقية بتدريب حقيقي، وإلزام بالخوذة يُطبَّق فعلاً، وتعليم لأساسيات النجاة كالتي تشرحها مقالات القيادة في هذه السلسلة. الدول التي فعلتها خفضت قتلاها دون أن تمنع دراجة واحدة، والخطر ليس في العجلتين؛ الخطر في تركهما بلا رخصة ولا خوذة ولا تعليم، ثم لوم العجلتين.

وثمة مغالطة خفية في هذا الاعتراض تستحق تسميتها: المقارنة تفترض أن بديل الدراجة سيارةٌ حديثة آمنة، والواقع السوري يقول غير ذلك. البديل الفعلي لراكب الدراجة عندنا هو التعلق بباب سرفيس محشو فوق طاقته، أو صندوق شاحنة مكشوف يتقاسمه عشرة عمال، أو مشي كيلومترات على طرق بلا إنارة ولا أرصفة. قارن الدراجةَ ببدائلها الحقيقية هذه، براكبٍ يلبس خوذته ويحمل رخصته، وسيتغير شكل الحساب كثيراً. السلامة المطلقة ليست بين الخيارات المطروحة في سوريا؛ المطروح إدارة مخاطر واقعية، والدراجة المنظمة تقف في هذا السباق أفضل بكثير من سمعتها.

«الدراجات للحرامية»

هذا الاعتراض يخلط بين الأداة ومستخدمها خلطاً ما كنا لنقبله في أي شيء آخر. الهواتف تُستخدم في الاحتيال ولا يسميها أحد «أجهزة النصابين»، والسيارات تُستخدم في السرقة والخطف أضعاف ما تُستخدم الدراجات ولا ينادي أحد بمنع السيارات. الذي يجعل الدراجة جذابة للمجرم ليس محركها؛ هو غياب اللوحة والسجل: دراجة مجهولة لا تتبع أحداً يستحيل تعقبها. وهذه بالضبط حجة لصالح التسجيل الشامل لا لصالح المنع: سجّل كل دراجة، علّق لوحة واضحة عليها، واربطها بمالك معروف، يفقد المجرم ميزته وتبقى للناس وسيلتهم. ومهل التسوية التي فتحتها فروع المرور لتقنين أوضاع الدراجات غير المسجلة خطوة في الاتجاه الصحيح تماماً.[1] والمطلوب توسيعها وتسهيلها لا تضييقها، لأن كل دراجة تدخل السجل تخرج من مساحة المجهول.

وتذكر من يعاقبه المنع فعلياً: ليس اللص الذي لا يعبأ بقانون أصلاً، بل عامل التوصيل الذي يعيل بيتاً، والموظف الذي وجد أخيراً طريقة يصل بها إلى عمله. معاقبة الأغلبية الملتزمة بجريرة أقلية مجرمة ليست سياسة أمنية؛ هي استسلام إداري يرتدي ثوب الحزم.

«الدراجات مزعجة»

هنا أقف مع المعترضين نصف وقفة، لأن الإزعاج حقيقي. لكن انسبه إلى أصحابه: الدراجة التي تخرج من مصنعها أهدأ من أغلب ما يملأ شوارعنا من شاحنات ومولدات كهرباء تعمل الليل كله. الضجيج الذي يوقظ الحي مصدره ظاهرة محددة معروفة: عوادم معدلة أو منزوعة كواتمها عمداً، على دراجات أقلية تستمتع بالصوت على حساب الجميع. وعلاج الظاهرة المحددة يكون بإجراء محدد: مخالفة صارمة للعادم المعدل بعينه، وضبط للفئة العمرية التي تتباهى به، وكلاهما ضمن صلاحيات موجودة أصلاً وتُطبَّق فعلاً كما تشير حملات المرور الأخيرة.[1] أما تحميل كل دراجة هادئة ذنبَ عادمٍ معدلٍ في دراجة أخرى فظلم لا يقبله منطق. وللمفارقة، مستقبل هذا الملف يمر من الدراجة نفسها: الدراجات الكهربائية التي تغزو مدننا صامتة صمتاً شبه تام، حتى صار صمتها هو التحدي الأمني الجديد لا ضجيجها.

«الدراجات غير حضارية»

هذا أضعف الاعتراضات وأكثرها كشفاً لصاحبه، لأنه ليس اعتراضاً على الدراجة بل على من يركبها: احتقار طبقي يلبس ثوب الذوق العام. فلنختبره على العالم: في إيطاليا التي تصدّر الذوق للكوكب، الفيسبا أيقونة وطنية تظهر في الأفلام والمتاحف. في اليابان وتايوان وفيتنام، الدراجة والسكوتر عمود المواصلات في مدن تسبقنا بعقود في النظافة والنظام. باريس ولندن تفتحان مساراتها للدراجات النارية الصغيرة لتخفيف الاختناق. فأي حضارة بالضبط تلك التي تتسع لهذا كله وتضيق بدراجة عامل سوري؟ حتى مؤسسات الدولة في أعرق البلدان تركبها رسمياً: شرطة مرور على دراجات، وبريد يوزَّع على دراجات، وإسعاف أولي في المدن المزدحمة يصل على دراجات قبل سيارته.

الحقيقة أبسط وأقسى: الدراجة عندنا مركبة من لا يملك ثمن سيارة، فالتُصقت بها صورة الفقر، وصار احتقارها طريقة مهذبة لاحتقار راكبها. وبلد يعيد بناء نفسه بعد حرب يجدر به أن يحتفي بوسيلة النقل التي يقدر عليها شبابه، لا أن يخجل منها. الحضارة ليست في عدد العجلات؛ هي في خوذة تُلبس، وإشارة تُحترم، ولوحة مسجلة، وجار لا يُزعَج، وكل واحدة من هذه يفعلها راكب الدراجة الواعي كل يوم.

والاعتراض الخامس الذي يستحق جواباً: «يقودون كالمجانين»

أضيفه بنفسي لأنه أصدق الاعتراضات وأقلها شعارات: التزاحم بين السيارات بسرعة، والصعود على الأرصفة، وعكس السير، وثلاثة ركاب بلا خوذة واحدة. كله موجود، وأنا أراه يومياً مثلك، ولن أدافع عنه بكلمة. لكن دقق في الفاعل: هذه سلوكيات سائق لا صفات آلة، والسائق نفسه ينقلها معه إلى أي مقود يمسكه. الفارق أن سائق الدراجة المتهور مكشوف للعين بينما متهور السيارة محجوب بزجاج قاتم. العلاج هو الثلاثية المملة نفسها التي تكررت في هذا المقال: رخصة تُمتحن، ومخالفة تُحصَّل، وثقافة تُبنى. وأزعم أن راكب الدراجة أسرع تهذيباً من غيره لسبب بسيط: هو أول من يدفع ثمن رعونته وأغلاها.

ثالثاً: تجربة من جرب المنع قبلنا

لسنا أول بلد يقف أمام هذا الملف، والتجارب أمامنا صنفان. مدن صينية كثيرة منعت الدراجات النارية منعاً شاملاً، حتى بلغ عدد المدن التي منعتها أو قيّدتها أكثر من مئة وستين مدينة بحلول نهاية 2006. فماذا حدث؟ تحوّل الطلب على المواصلات الرخيصة إلى الدراجات الكهربائية بقوانين أخفّ، وقفزت مبيعاتها من عشرات الآلاف في أواخر التسعينيات إلى أكثر من عشرين مليوناً سنوياً بعد عقد. ثمّ عاد الجدل نفسه بأسماء جديدة: بحلول 2009 كانت عشر مدن، فيها غوانزو وشنزن، قد منعت الكهربائية أو قيّدتها بالحجج نفسها التي مُنعت بها النارية.[13] وفي لاغوس منعت الحكومة دراجات الأجرة «الأوكادا» منعاً شاملاً سنة 2022 بعد جريمة قتل وتصاعد الحوادث، وهي أسباب أمنية وجيهة. فانقطع رزق أعداد كبيرة من الشباب بين ليلة وضحاها، وخسر الركاب أرخص وسيلة كانت أمامهم، وخلص تقرير لمنظمة أكشن إيد إلى أنّ المنع عمّق الفقر واللامساواة في الأسر الأكثر هشاشة.[14] أما الصنف الثاني فبلدان مثل فيتنام، ألزمت بالخوذة سنة 2007 وسجّلت وامتحنت. فارتفع لبس الخوذة من نحو ثلاثين بالمئة إلى نحو ثلاثة وتسعين، وانخفضت إصابات الرأس بنحو 16 بالمئة والوفيات بنحو 18 بالمئة في الأشهر الثلاثة الأولى وحدها.[15] والإنصاف يقتضي إضافة أنّ الدراسات طويلة المدى أقلّ حسماً من أرقام السنة الأولى، لكنّ اتجاه النتيجة واحد: شوارع تعمل، ومقتلة أقلّ، بلا منع دراجة واحدة. الفارق بين التجربتين ليس في حب الدراجات أو كرهها؛ في اختيار أداة الإدارة: من منع اشترى هدوءاً قصيراً بمشكلة أطول، ومن نظّم تعب سنتين وارتاح عقوداً.

شكل 2 أداتان أمام المشكلة نفسها، ونهايتان مختلفتان مساران متوازيان يُقرأ كلّ منهما من اليمين إلى اليسار في ثلاث محطات، وفوقهما سطر يقول إنّ المشكلة التي يواجهانها واحدة: حوادث وفوضى تسجيل. المسار الأعلى يبدأ بالمنع، فيبقى الطلب على المواصلات الرخيصة كما هو بينما يُغلق باب العرض، فينتهي إلى التهريب وإلى دراجات بلا لوحات، وهي المشكلة الأمنية نفسها التي انطلق المنع منها. والمسار الأسفل يبدأ بالتنظيم، فيمرّ بلوحة ورخصة وخوذة، وينتهي إلى شارع يعمل وقتلى أقلّ. وهذه المحطّة الأخيرة وحدها هي المميَّزة باللون والخطّ الأثقل، لأنّ الفرق بين الأداتين لا يظهر في أوّل الطريق بل في آخره. المشكلة واحدة في المسارين: حوادث وفوضى تسجيل المنع الطلب يبقى والعرض يُغلق تهريب ودراجات بلا لوحات التنظيم لوحة ورخصة وخوذة شارع يعمل وقتلى أقلّ أداتان أمام المشكلة نفسها، ونهايتان مختلفتان عمودان متجاوران يُقرأ كلّ منهما من الأعلى إلى الأسفل في ثلاث محطات، وفوقهما سطر يقول إنّ المشكلة واحدة: حوادث وفوضى تسجيل. والعمود الأيمن هو المنع: الطلب يبقى والعرض يُغلق، فينتهي إلى التهريب وإلى دراجات بلا لوحات، وهي المشكلة الأمنية نفسها التي انطلق منها. والعمود الأيسر هو التنظيم: لوحة ورخصة وخوذة، وينتهي إلى شارع يعمل وقتلى أقلّ. وهذه المحطّة الأخيرة وحدها هي المميَّزة، لأنّ الفرق بين الأداتين يظهر في آخر الطريق لا في أوّله. المشكلة واحدة: حوادث وفوضى تسجيل المنع الطلب يبقى والعرض يُغلق تهريب ودراجات بلا لوحات التنظيم لوحة ورخصة وخوذة شارع يعمل وقتلى أقلّ
المسار الذي سلكته مدن منعت، والمسار الذي سلكته بلدان نظّمت. والمحطة الأولى واحدة في الحالتين: مشكلة حقيقية في الحوادث والتسجيل.

رابعاً: قراءة هادئة في قرار المنع

قرار منع الاستيراد الصادر نهاية 2025، والنافذ منذ خمسة أشهر، استثنى الدراجات الموجودة أصلاً والمستوفية أوراقها،[2] وأفهم دوافعه: موجة دخول عشوائي بعد التحرير، وفوضى حقيقية في التسجيل، وحوادث وشكاوى. التقاط الأنفاس الإداري مفهوم. لكن رأيي أن المنع الشامل أداة خاطئة لمشكلة صحيحة، لثلاثة أسباب.

  1. يجمّد الأسطول الحالي بعيوبه: المنع يعني أن الدراجات الموجودة، بجودتها المتفاوتة وأعمارها، هي كل ما سيملكه السوريون لسنوات. عرض مجمد وطلب يكبر يعني معادلة اقتصادية واحدة لا ثانية لها. أسعار مستعمل تصعد، وقديم يُرقَّع بما تيسر، وأنواع أحدث وأأمن (بفرامل ABS مثلاً) لا تدخل لتنافس. فيدفع الراكب السوري أكثر مقابل أقل أماناً.
  2. يعاقب الحاجة لا المخالفة: الطلب على الدراجات لم يولد ترفاً؛ ولدته سنوات موثقة من ضيق المواصلات والمعيشة. إغلاق باب العرض لا يلغي الطلب؛ يرفع سعره ويدفعه نحو التهريب، أي نحو مزيد من الدراجات المجهولة التي هي أصل المشكلة الأمنية.
  3. البديل المنظم موجود ومجرَّب: استيراد مشروط بمواصفات ومنافذ رسمية، وتسجيل إلزامي عند البيع الأول، ورخصة قبل المفتاح. هذه ليست نظريات؛ هي ما تفعله كل دولة نظمت هذا الملف بنجاح. وقل مثل ذلك في نظام تصاريح دخول العاصمة: حاجة أمنية مفهومة اليوم. لكنها بوصفها حلاً دائماً تعني عاصمة مغلقة في وجه عامل توصيل من ريفها، وهو عبء معيشي يُدفع كل صباح.

ولنترك رأيي جانباً، ولننظر فيما نُقل بعد شهور من النفاذ. نقلت سانا في نيسان الماضي أنّ أسعار الدراجات بدأت تصعد قبل ثلاثة أشهر من موعد المنع، بزيادة أولى قاربت ثلاثين دولاراً للدراجة الواحدة. ونقلت عن تاجر دراجات أنّ السماح لعدد قليل من التجار باستيراد كميات محدودة أدخل إلى السوق منتجات منخفضة الجودة.[12] وهذان بالضبط ما توقّعه السببان الأوّلان أعلاه: عرض مجمّد يرفع السعر، وباب ضيّق يمرّر الأردأ لا الأفضل.

وفي التقرير نفسه ما يجب أن يُقال بإنصاف عن الجهة الأخرى: 547 إصابة من حوادث الدراجات في شباط وآذار 2026 وحدهما، بحسب مدير صحة ريف دمشق.[12] فالمشكلة حقيقية إذاً، والخلاف بيني وبين القرار على الأداة لا على وجود المشكلة. وفيه أيضاً قول صاحب دراجة إنّ أكثر من 70 بالمئة من أهل الريف يعتمدون عليها في التنقل بين القرى والأراضي الزراعية. وهو تقدير رجل من السوق لا رقم رسمي، لكنه يصف حجم من يقع عليه أثر أيّ قرار في هذا الملف.

ماذا أطلب بدل المنع؟ خمس خطوات

حتى لا يكون هذا المقال نقداً بلا بديل، هذه خطتي من خمس نقاط، وكلها قابلة للتنفيذ بالأدوات الموجودة:

  1. تسجيل شامل ميسّر: مهل تسوية دائمة الأبواب برسوم رمزية وإجراء لا يستغرق نهاراً كاملاً، حتى تصبح اللوحة أرخص وأسهل من مخاطر عدمها؛ الناس لا تهرب من التسجيل حباً بالفوضى بل هرباً من طوابيره وتكاليفه. وأقصر طريق لقطع الطوابير أن يجري التسجيل ودفع الرسوم إلكترونياً من الهاتف، فلا يخسر صاحب الدراجة يوم عمل كي يصير نظامياً.
  2. رخصة حقيقية: اختبار عملي فعلي لا ورقة تُشترى. ومعه فئات متدرجة على الطريقة الأوروبية تربط سعة المحرك بعمر السائق وخبرته: فئة صغيرة لمن بدأ للتو، وأعلى منها لمن أمضى سنوات نظيفة من المخالفات. فلا يقفز أحد من لا شيء إلى دراجة تفوق قدرته. ومعها منع حازم لقيادة القاصرين، فهم وقود أغلب الحوادث والشكاوى.
  3. خوذة إلزامية تُطبَّق: والأهم أن تكون متوافرة بسعر مقدور، وهنا دور للدولة نفسها. تسهيل استيراد الخوذ المعتمدة وإعفاؤها من الرسوم، أو بيعها مباشرة عبر منافذها بسعر التكلفة، أو حتى تصنيعها محلياً إن أمكن. فمصنع خوذ أرخص على الخزينة من أقسام إصابات الرأس في المشافي. راجع دليل العتاد بالميزانية المحدودة لتعرف أن الحماية الأساسية ليست حكراً على الأغنياء.
  4. مخالفة النوعية لا الفئة: عادم معدل، قيادة استعراضية، حمولة جنونية: مخالفات محددة على أفعال محددة، لا حملات موسمية على كل من يركب.
  5. ثقافة راكب: التوعية التي بدأتها إدارات المرور[1] تحتاج محتوى يحترم عقل الراكب ويعلمه فعلاً، وهذه السلسلة كلها مساهمتي المجانية في هذا الجهد بالذات.

ولئلا يُفهم كلامي خطأ

لا أقول إن الدراجة بديل عن نقل عام محترم؛ المدن الكبيرة تحتاج باصات تعمل وقطار ضواحٍ يوماً ما، ولا اقتصاد ينهض على العجلتين وحدهما. أقول إن الدراجة هي الجسر الواقعي الوحيد المتاح اليوم بين انهيار المواصلات وبين ذلك الغد، جسر يموله الناس من جيوبهم ولا ينتظر موازنات وقروضاً. من حسن السياسة أن تعبر البلاد الجسر وتصونه، لا أن تهدمه قبل أن يبنى البديل.

وإن كنت تقرأ من خارج سوريا، من لبنان أو العراق أو مصر أو أي بلد يعرف طوابير البنزين وضيق المواصلات، فبدّل أسماء المدن وستجد المقال يتحدث عنك أيضاً؛ الحجة واحدة أينما ضاق الاقتصاد واتسعت الحاجة إلى الحركة.

وأنت أيها الراكب: حصتك من الحل أربعة أفعال

لأن انتظار القرارات ليس خطة، هذه حصتك أنت من المعركة، وتبدأ غداً صباحاً. سجّل دراجتك في أول مهلة تسوية تفتح ولا تؤجل، فكل لوحة جديدة حجة إضافية بيد أمثالي في وجه دعاة المنع. والبس الخوذة كل مرة بلا استثناء، فأنت إعلان متحرك إما لصالح قضيتنا وإما ضدها. واخفض صوتك: عادم سليم وسرعة عاقلة في الحارات؛ الجار الذي لا تزعجه اليوم يقف في صف الدراجات غداً. وعلّم واحداً: قريبك المراهق الذي يوشك أن يركب، خذه أنت إلى الرخصة والخوذة قبل أن يأخذه أصدقاؤه إلى الطيش. أربعة أفعال لا تكلف شيئاً، وتفعل في صورة الدراجات ما لا تفعله ألف مقالة كهذه.

كلمة أخيرة

ولست وحدي في هذا الموقف؛ حتى في التغطية الرسمية نفسها التي عددت المخالفات والحجوزات، طالب المواطنون بالمعادلة ذاتها: عقوبة أشد على المتهور، وطريق سالكة للملتزم.[1] هذا هو الإجماع الشعبي الحقيقي إذا أنصتَّ له: لا أحد يدافع عن الفوضى، ولا أحد يريد خسارة وسيلته.

سيقول قائل إنني منحاز، وأنا كذلك فعلاً. منحاز لوسيلة نقل أثبتت في أصعب سنوات هذا البلد أنها تحمل الناس حين عجز كل شيء آخر عن حملهم، ومنحاز عن معرفة لا عن هوى؛ فمن كتب تسعة وعشرين مقالاً في تشريح هذه الآلة وصيانتها وفن قيادتها يعرف عيوبها قطعةً قطعة كما يعرف مزاياها. لكن انحيازي مشروط، وشرطه في كل سطر أعلاه: خوذة ورخصة ولوحة وهدوء. أعطني هذه الأربعة، وسأريك كيف تتحول «مشكلة الدراجات» إلى شبكة مواصلات وطنية بنت نفسها بنفسها، بلا قرش من خزينة الدولة. البلدان لا تُقاس بما تمنعه؛ تُقاس بما تحسن تنظيمه، والدراجة النارية امتحان تنظيم من الدرجة الأولى ينتظر من ينجح فيه.

وإن أقنعك هذا المقال بالفكرة وبقي سؤالك العملي «أي دراجة إذاً؟»، فقد كتبت له جوابه الكامل: أفضل وأسوأ أنواع الدراجات لسوريا، والمواصفات المثالية لدراجة طرقنا، وهو المقال الشقيق لهذا الرأي.

وإن أردت أن تكون ذلك الراكب الذي لا يعطيهم حجة، فمكتبة كاملة بانتظارك على هذا الموقع. تبدأ من مقال البداية، وتتفرّع في تشريح الدراجة، ولا تنتهي عند جدول صيانتها.

قُد بأمان، وسجّل دراجتك، والبس خوذتك؛ فأقوى رد على كارهي الدراجات راكبٌ لا يعطيهم حجة.

المصادر

  • سانا – الدراجات النارية في دمشق وريفها: ضجيج وحوادث وعقوبات (نحو 9,000 دراجة محجوزة، الغرامات والمهل، تصريح دخول دمشق، حملات التوعية). sana.sy
  • منصة تأكد (Verify-Sy) – قرارات تنظيم إدخال السيارات وحظر استيراد الدراجات (القرار 5/2025 بتاريخ 29/12/2025، النفاذ من 1 نيسان 2026، استثناء الدراجات المستوفية أوراقها). verify-sy.com
  • Wikipedia – Honda CG125 (استهلاك نحو 40 كم/لتر لفئة دراجات التنقل 125). en.wikipedia.org
  • الجزيرة نت – دراجات نارية وشاحنات لنقل الركاب: أزمة مواصلات غير مسبوقة في سوريا (2022) (مخصصات 25 لتراً/10 أيام، أجرة التاكسي ثلث الراتب، تاكسي الدراجة). aljazeera.net
  • تحليل تلوي منشور في PMC – فعالية خوذ الدراجات في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل (خفض إصابات الرأس نحو 88%، وفيات 2.8% مقابل 14.3%). pmc.ncbi.nlm.nih.gov
  • سانا – وزير الطاقة يُقرّ تخفيضاً على أسعار المشتقات البترولية (27 حزيران 2026: أوكتان 95 بسعر 130 وأوكتان 90 بسعر 125 ليرة سورية جديدة للتر). sana.sy
  • الجزيرة نت – وزير المالية السوري: زيادة الأجور ستطال مستقبلاً جميع الوزارات المتبقية (حزيران 2026: زيادة 50% منذ أيار، حد أدنى 12,560 ليرة جديدة أي نحو 100 دولار، متوسط رواتب القطاع العام 80 إلى 100 دولار). aljazeera.net
  • سانا – تعديل مؤقت لأسعار المشتقات النفطية والنشرة الجديدة ابتداءً من اليوم (نشرة اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المنتجات النفطية والثروة المعدنية، نافذة 15 أيلول 2026: أوكتان 95 بسعر 195 وأوكتان 90 بسعر 185 والمازوت بسعر 175 ليرة سورية جديدة للتر). sana.sy
  • العربي الجديد – سورية ترفع أسعار الوقود 40% وسط احتجاجات وتحذيرات (13 أيلول 2026: الأسعار السابقة 147 و152 و125، وسبب الرفع المعلن هو كلفة الاستيراد ودخول مصفاة بانياس في صيانة شاملة نحو شهرين، والاحتجاجات في الحسكة ودير الزور والرقة وريف حلب). alaraby.co.uk
  • تلفزيون سوريا، «نساء يتحدين العادات ويستخدمن الدراجات كبديل للمواصلات في دمشق» (18 كانون الثاني 2022): طالبات وموظفات ومدرّسة يقصدن الجامعة والعمل على دراجات هوائية؛ وربع ساعة على الدراجة مقابل ساعة في الباص، والتخلّص من مساومة سائقي التكاسي، في مقابل استغراب الشارع وتضييق بعض السائقين. وفي التقرير إشارة إلى عشرات الفتيات في فعالية دراجات بدمشق، وإلى بدايات تجريب الدراجات النارية عند بعضهن. وهو عن الدراجات الهوائية أساساً، فلا يصحّ حمله على الدراجات النارية.
  • النهار، «نور حمامية: أول فتاة توصيل طلبات بدراجة كهربائية في دمشق» (31 آب 2026): حالة مفردة تُروى بوصفها الأولى، وفيها تشجيع من الزبائن ومضايقات من بعض المارة والسائقين، وأمل صاحبتها أن يصير عمل النساء في هذا المجال أمراً عادياً. ولا يذكر التقرير أخريات يعملن فيه، فهو شاهد على فتح الباب لا على اتساعه.
  • سانا، «منع استيراد الدراجات النارية في سوريا… خطوة تنظيمية تقابلها تحديات في تلبية الطلب» (10 نيسان 2026): ارتفاع أسعار الدراجات قبل ثلاثة أشهر من موعد المنع بزيادة أولى قاربت 30 دولاراً للدراجة، وقول التاجر بشير كحالة إنّ السماح لعدد قليل من التجار باستيراد كميات محدودة أدخل منتجات منخفضة الجودة، و547 إصابة من حوادث الدراجات في شباط وآذار 2026 بحسب مدير صحة ريف دمشق، وتقدير أحد أصحاب الدراجات أنّ أكثر من 70 بالمئة من أهل الريف يعتمدون عليها بين القرى والأراضي الزراعية. وهذا التقدير الأخير قول صاحب دراجة لا إحصاء رسميّ.
  • دراسة محكّمة في دورية Research in Transportation Business & Management، «Where is the politics? E-bike mobility in urban China and civilizational government»: منع الدراجات النارية أو تقييدها في أكثر من مئة وستين مدينة صينية بحلول نهاية 2006، وانتقال الطلب إلى الدراجات الكهربائية التي قفزت مبيعاتها من عشرات الآلاف سنوياً في أواخر التسعينيات إلى أكثر من عشرين مليوناً بعد عقد، ثمّ توسّع المنع إلى الكهربائية نفسها في مدن منها غوانزو وشنزن بالحجج ذاتها.
  • أفريكانيوز، «Ban on motorbike taxi (Okada) begins in Nigeria’s Lagos» (حزيران 2022)، وتحليل Next City، «Are Nigeria’s Bans on Motorbike Taxis Backfiring?»: المنع الشامل في لاغوس سنة 2022 وأسبابه الأمنية، وفقدان أعداد كبيرة من الشباب مصدر رزقهم، وخسارة الركاب أرخص وسيلة تنقّل، وخلوص تقرير لمنظمة ActionAid في نيجيريا إلى أنّ المنع عمّق اللامساواة ودفع الأسر الهشّة إلى فقر أعمق.
  • تحليل منشور في PubMed، «Impact of mandatory motorcycle helmet wearing legislation on head injuries in Viet Nam»: قانون الخوذة الإلزامية سنة 2007 رفع نسبة لبسها من نحو 30 بالمئة إلى نحو 93، وخفض خطر إصابات الرأس نحو 16 بالمئة وخطر الوفاة نحو 18 بالمئة في الأشهر الثلاثة الأولى من التطبيق. والدراسات الأطول مدى أقلّ حسماً من أرقام السنة الأولى، وهو ما تذكره هذه المقالة صراحةً.

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة