من كلّ لتر بنزين تحرقه دراجتك، يصل إلى العجلة أقلّ من ربعه. تقدّر وزارة الطاقة الأمريكية أنّ المحرّك يُضيّع بين 68 و72 بالمئة من طاقة الوقود حرارةً واحتكاكاً قبل أن يصل شيء إلى الأسفلت[1]. وهذان الثلثان الضائعان هما موضوع هذا المقال، لأنّهما لا يختفيان من تلقاء أنفسهما، وإن لم يجدا مخرجاً فسيصهران ما حولهما.
في مقال المحرّك رأيتَ كيف يولّد شوطٌ واحد من أربعة القوة كلّها، ووقفتُ في آخره عند عدوّين يولدان مع كلّ انفجار: احتكاك المعادن المتحرّكة بعضها ببعض، وحرارة تكفي لصهرها. هذا المقال عن النظامَين اللذين يمنعان ذلك، نظام التزييت ونظام التبريد، وعن السبب الذي يجعل أحدهما يشتغل في الآخر.
وأرسم حدوده من الآن. أشرح هنا كيف يعمل النظامان وماذا يعنيان لدراجتك، وأترك اختيار الزيت نفسه، لزوجةً ونوعاً ومعياراً، إلى دليل الزيت الذي يليه، وكيمياء سائل التبريد إلى دليل سائل التبريد بعده. الثلاثة مقال واحد قُسم على ثلاثة، وهذا أوّله.
الاحتكاك أوّلاً: كيف يجري الزيت في المحرّك
ابدأ من اللحظة التي يظنّها أغلب الناس بريئة: الثواني الأولى بعد ضغط زرّ التشغيل في صباح بارد. المحرّك واقف منذ الليل، والزيت كلّه نزل بالجاذبية إلى الحوض في أسفله، والمكابس والصمامات وعمود الكامات في الأعلى جافّة إلّا من طبقة رقيقة بقيت ملتصقة بالمعدن. في هذه الثواني يتلامس المعدن بالمعدن فعلاً، وهو ما يسمّيه المهندسون التزييت الحدّي.
ثمّ تدور المضخّة ويصل الزيت إلى مواضعه، فتتكوّن بين كلّ سطحَين متحرّكَين طبقة زيت متّصلة سماكتها بين 2 و100 ميكرون[2]. أرقّ من شعرة في أغلب المواضع، وكافية لأن يسبح المعدن فوق المعدن دون أن يمسّه. هذا التزييت الهيدروديناميكي هو الحالة الطبيعية للمحرّك وهو دائر، والتزييت الحدّي حالة الإقلاع والإطفاء. ومن هنا رقم يستحقّ أن يبقى في رأسك: يقدّر مختصّو التزييت أنّ ما يصل إلى 70 بالمئة من تآكل الآلات يقع في لحظات الإقلاع والإطفاء وحدها[2]. فالمحرّك الذي يعمل ساعتَين متّصلتَين يتآكل أقلّ من محرّك يُشغَّل ويُطفأ عشر مرّات في يوم واحد.
الرحلة من الحوض إلى الطبقة
الطريق الذي يقطعه الزيت في كلّ ثانية له خمس محطّات. يبدأ من الحوض، وهو خزّان الزيت في قاع المحرّك حيث يستريح الزيت حين تقف الدراجة. تسحبه مضخّة تدور مع المحرّك نفسه، فتدفعه تحت ضغط عالٍ إلى الفلتر أوّلاً، لا إلى الأجزاء الحسّاسة. ومن الفلتر يدخل شبكة قنوات محفورة في جسم المحرّك، تُسمّى القنوات الرئيسية، تفرّعه إلى محامل عمود المرفق وأعمدة الكامات وأدلّة الصمامات. ومحطّته الأخيرة تلك الطبقة الرقيقة بين المكبس وجدار الأسطوانة، التي يقوم عليها كلّ شيء. ثمّ يسقط إلى الحوض ويبدأ من جديد.

وفي هذا المسار صمّامان صغيران لا يذكرهما أحد وهما يحميانه. صمّام تنفيس عند المضخّة يفتح إن زاد الضغط، كما يحدث في الإقلاع البارد حين يكون الزيت غليظاً، فيعيد الفائض إلى الحوض بدل أن يفتق حشيةً. وصمّام تجاوز في الفلتر يفتح إن انسدّ الفلتر تماماً، فيمرّر الزيت قذراً إلى المحرّك بدل أن يقطعه عنه. فالفلتر المهمل يبقي الدراجة تمشي، بزيت غير مفلتر يدور في محرّكها بصمت. وهذا أخطر من أن تتوقّف.

وليس لكلّ محرّك خرطوشة كهذه. بعض المحرّكات الصغيرة، ومنها أفراد من عائلة CG التي تملأ شوارعنا، تكتفي بمصفاة شبكية ومرشّح يعمل بالطرد المركزي على عمود المرفق، يُنظَّف عند الصيانة بدل أن يُستبدل. فإن قال لك محلّ القطع إنّ دراجتك لا فلتر لها، فاقرأ دليلها قبل أن تصدّقه أو تكذّبه.
الحوض الرطب والحوض الجافّ
ما وصفتُه هو الحوض الرطب، وهو ما في أغلب الدراجات: الزيت يسكن قاع المحرّك نفسه. وثمّة ترتيب آخر اسمه الحوض الجافّ، يبقى فيه القاع شبه فارغ. تكسح مضخّةٌ ثانية كلّ ما يهبط إليه وتضخّه إلى خزّان خارجي منفصل، ومن ذلك الخزّان تسحب المضخّة الرئيسية ما تحتاجه[4].
ولماذا يتعب أحد نفسه بمضخّتَين وخزّان؟ لثلاثة أسباب تفهمها من الدراجات التي تعتمده. في القفزات والانحدارات الحادّة على الوعر قد ينزاح الزيت في الحوض الرطب عن فوهة المضخّة لحظةً فينقطع، والخزّان الخارجي يمنع ذلك، ولهذا تجده في هوندا XR وياماها XT. والقاع الفارغ يتيح تركيب المحرّك أخفض في الهيكل، فيهبط مركز الثقل. والخزّان الخارجي يتّسع لزيت أكثر ويبرّده أفضل، وهو السبب الذي جعل هارلي ديفيدسون تعتمده منذ ثلاثينيات القرن الماضي[4]. الآلية واحدة في الحالتَين، والفرق في أين ينام الزيت.
ما يفعله الزيت غير الانزلاق
مررتُ في مقال التشريح على وظائف الزيت الأربع مروراً سريعاً، وأعيدها هنا سطراً واحداً لأبني عليها. الزيت يزيّت فيمنع التآكل، ويبرّد لأنّه يمرّ على أسفل المكبس حيث لا يصل سائل التبريد أصلاً. وينظّف لأنّه يحمل البرادة والسخام إلى الفلتر، ويحمي لأنّ فيه إضافات تحبس الأحماض والرطوبة عن المعدن.

وأضيف وظيفة خامسة لا تظهر في الرسوم: الزيت يسدّ. طبقته بين حلقات المكبس وجدار الأسطوانة هي ما يُتمّ إحكام غرفة الاحتراق، فالمحرّك الذي «يأكل زيتاً» يفقد ضغطه وقوّته قبل أن يفقد زيته. وفي كثير من المحرّكات الحديثة يعمل الزيت سائلاً هيدروليكياً أيضاً، يشدّ سلسلة الكامات ويضبط توقيتها. كلّ هذا يقوم به سائل واحد سعته في دراجة صغيرة لتر واحد.
لماذا يشيخ الزيت
الزيت يتعب قبل أن ينفد، ولأربعة أسباب تعمل معاً. الأوّل الحرارة: لكلّ 10 درجات مئوية إضافية يعيشها الزيت تتضاعف سرعة تأكسده ويقصر عمره إلى النصف[3]، وهذه قاعدة كيميائية عمرها أكثر من قرن اسمها قاعدة أرينيوس. فزيتٌ يعيش صيفاً في زحام دمشق أو الرياض عند حرارة أعلى بعشرين درجة من نظيره في ربيع ألماني يشيخ أربع مرّات أسرع، والكيلومترات نفسها.
والثاني التشبّع. للزيت وللفلتر سعة محدودة من الشوائب، وحين تمتلئ يبدأ الزيت يدور بما جمعه. والثالث التخفيف: قطرات بنزين لم تحترق وقطرات ماء تكثّفت من غازات الاحتراق تتسرّب إلى الحوض، وأكثر ما تتسرّب في المشاوير القصيرة التي لا يسخن فيها المحرّك بما يكفي ليبخّرها. فالدراجة التي تقطع ثلاثة كيلومترات إلى العمل كلّ صباح يتلف زيتها أسرع من دراجة تقطع ثلاثين.

والرابع خاصّ بالدراجات وحدها، وهو القصّ. في محرّك السيارة لا يمسّ الزيتُ تروسَ علبة السرعة، لأنّ لها سائلها المنفصل. أمّا في الدراجة فالزيت نفسه يمرّ بين أسنان التروس آلاف المرّات في الدقيقة، فتقصّ الأسنان جزيئاته الطويلة التي تعطيه لزوجته، ويترقّق قبل أوانه. ولهذا يشيخ زيت الدراجة قبل زيت السيارة حتى لو تطابق النوع والكيلومترات، وسأشرح هذا الحوض المشترك بعد قليل. أمّا كم كيلومتراً بين التغييرَين، فالرقم الحاكم في دليل دراجتك، والجدول الكامل في مقال الصيانة.
الحوض المشترك: زيت واحد لثلاثة زبائن
هنا الفرق الجوهري بين تزييت السيارة وتزييت الدراجة، وهو الذي يقف خلف نصف قواعد اختيار الزيت. في السيارة ثلاثة سوائل منفصلة: زيت للمحرّك، وسائل لناقل الحركة، وسائل للقابض إن كان هيدروليكياً. وفي أغلب الدراجات حوض واحد يغمر الثلاثة معاً: المحرّك وعلبة التروس والقابض[5]. ولهذا يُسمّى القابض قابضاً رطباً، لأنّ أقراصه تسبح في زيت المحرّك نفسه.

والغمر مقصود، فمنطقة الاحتكاك التي تنطلق بها من الإشارة تولّد في الأقراص حرارة يبرّدها الزيت. لكنّه يفرض على الزيت شرطاً متناقضاً: أن يقلّل احتكاك المعدن في المحرّك، وأن يترك للأقراص احتكاكاً يكفيها لتمسك. وزيت السيارات الحديث مصمَّم لعكس ذلك تماماً، فهو يحمل معدِّلات احتكاك قوية توفّر الوقود، وتجعل أقراص القابض تنزلق[6]. فتلفّ المقبض ويصرخ المحرّك ولا تتسارع الدراجة، ثمّ تتزجّج الأقراص بالحرارة وتنتهي.
الحلّ ختمٌ على العلبة اسمه JASO MA، من المعيار الياباني JASO T903، وهو الفئة المختبَرة على احتكاك القابض الرطب تحديداً. وفي نسخته الحديثة الصادرة سنة 2023 تنقسم إلى MA1 وMA2 بحسب شدّة الإمساك[7]. وتقف بجانبهما فئة MB المخصّصة للسكوترات ذات القابض الجافّ، وهي لا تصلح لدراجتك رغم أنّها تحمل اسم JASO نفسه. هذا كلّ ما تحتاجه من المعيار هنا، وتفصيله ولزوجاته في دليل الزيت.
الحرارة ثانياً: ثلثا الوقود يبحثان عن مخرج
عد إلى الرقم الذي بدأتُ به. إن كان ربع طاقة الوقود يصير حركة، فالباقي حرارة تخرج من طريقَين. غازات العادم الساخنة تحمل جزءاً كبيراً منها إلى الهواء مباشرة، والباقي يستقرّ في معدن المحرّك نفسه: رأس الأسطوانة وجدارها والمكبس. هذا الجزء الأخير هو الذي يحتاج نظام تبريد، لأنّ المعدن لا يطرد الحرارة وحده بالسرعة المطلوبة.
ولماذا يهمّ ذلك؟ لأنّ المحرّك الساخن أكثر من حدّه يخسر على أربع جبهات في وقت واحد. يتمدّد المعدن فتضيق الخلوصات ويزيد الاحتكاك، ويسخن الزيت فتسرع شيخوخته بالقاعدة التي مرّت. ويصير خليط الوقود قابلاً للاشتعال من الحرارة والضغط وحدهما قبل أوانه، وهو الطرق الذي فصّلتُه في مقال الوقود. وأخطر منه أن يتوهّج طرف الشمعة أو راسب كربوني فيشعل الخليط قبل الشرارة أصلاً، كما ستقرأ في مقال شمعات الإشعال. والرابعة أنّ رأس الأسطوانة من الألومنيوم قد يتقوّس فتفشل حشيته، ويختلط الزيت بسائل التبريد، وهذا عطل يُفتح له المحرّك.
والمشكلة الهندسية أنّ الفارق الحراري ضخم من الجهتَين. حرارة المعدن قد تبلغ 250 درجة والهواء حوله 20 درجة، فالفرق 230 درجة تعمل عليها كلّ أنظمة التبريد[8]. والحرارة المستهدفة لجدار الأسطوانة نحو 90 درجة: أعلى من ذلك يبدأ ما وصفتُه، وأدنى منه يتكثّف الوقود على الجدار ويغسل الزيت عنه[8]. فمهمّة التبريد إبقاء المحرّك في نافذة ضيّقة مهما تغيّر الطريق والجوّ، والأبرد من حدّه عيب كالأسخن. وطريقتان تفعلان ذلك.
التبريد بالهواء: الزعانف والريح
انظر إلى محرّك أيّ دراجة كلاسيكية أو دراجة تنقّل صغيرة وستجد أسطوانته ورأسها مغطَّيَين بزعانف معدنية متوازية. وظيفتها الوحيدة مضاعفة مساحة السطح الذي يلامس الهواء، لأنّ الحرارة تنتقل إلى الهواء بقدر المساحة المعروضة له. والريح التي تصنعها حركة الدراجة تمرّ بين الزعانف وتأخذ الحرارة معها. المبرّد هنا هو الطريق نفسه.

وقوّة هذا النظام في بساطته، وضعفه فيها أيضاً. لا مضخّة ولا خراطيم ولا سائل يتسرّب، ووزنه أخفّ، وصوت المحرّك يخرج منه بلا جدار ماء يكتمه، وهو ما تقوله هارلي ديفيدسون نفسها عن محرّكاتها[9]. لكنّه يعتمد على الحركة اعتماداً كاملاً. قف في زحام ظهيرة تمّوز وقد سكن الهواء، فتتراكم الحرارة في المعدن ولا تجد مخرجاً. وتقول هارلي في الصفحة نفسها إنّ محرّكها الهوائي «قد يسخن كثيراً» في زحام رطب في آب، وإنّه يرمي حرارته على ساقَي الراكب[9].
وله عيب ثانٍ أدقّ: الهواء الذي يبرّد أوّل ما يلاقيه يسخن فلا يبرّد آخر ما يلاقيه بالكفاءة نفسها[8]. ولهذا تسخن الأسطوانة الخلفية في التوأم على شكل V أكثر من الأمامية، لأنّها تتلقّى هواءً سبق أن مرّ على أختها. والمحرّك الهوائي يتغيّر مع الجوّ أيضاً: أقوى في صباح بارد وأضعف في ظهيرة حارّة، لأنّ حرارة تشغيله تتبع حرارة الهواء لا حرارةً يختارها المهندس.

وهذه الصفة الأخيرة هي التي كلّفت المحرّك الهوائي أسواقه. فمعيار الانبعاثات الأوروبي يورو 5 يقيس الدراجة من إقلاعها البارد، وقد طُبّق على الطرازات الجديدة من مطلع 2020 وعلى الجميع من مطلع 2021. والمحرّك الهوائي يسخن أبطأ لأنّ لا منظّم حرارة يحبس فيه حرارته. ثمّ يعجز عن ضبط حرارته العليا في آخر الاختبار، فتزيد أكاسيد النيتروجين[12]. ومع تطبيقه خرجت من الإنتاج دراجات هوائية شهيرة، ومنها سبورتستر 883 و1200 وهوندا CB1100، وبقي الهوائي حيث يحتمل ثمنه الهندسي: في BMW R 18 وهارلي الكبيرة ورويال إنفيلد[13]. وبقي كذلك في الدراجات الصغيرة الرخيصة خارج أوروبا، وهي أغلب ما في شوارعنا.
التبريد بالزيت: الحلّ الوسط الذي كان يفوز بالسباقات
حين ترى رادياتيراً صغيراً أمام محرّك مزعنف، فهذا مبرّد زيت لا مبرّد سائل. يمرّ فيه زيت المحرّك الساخن فيبرّده الهواء ويعود، فيصير الزيت وسيط التبريد الثاني إلى جانب الزعانف. وتسمّي الشركات الهندية هذا الترتيب تبريداً بالزيت وتسوّقه فئةً وسطى بين الهوائي والسائل[11]، وهو تسمية صادقة ما دام مبرّد الزيت موجوداً فعلاً.

وأشهر من طوّر الفكرة إلى نظام كامل سوزوكي في نظامها SACS سنة 1985 على دراجة GSX-R750 الأولى. مضخّة زيت بغرفتَين: غرفة ضغط عالٍ تزيّت المحامل والصمامات، وغرفة حجم كبير تضخّ الزيت رشّاً على أسفل المكابس وأعلى غرف الاحتراق حيث لا يصل الهواء. ثمّ يمرّ الزيت في الفلتر ومبرّد الزيت ويعود إلى الحوض[10]. الفكرة مأخوذة من محرّكات الطائرات، وبنت عليها سوزوكي جيلاً كاملاً من دراجاتها الرياضية بلا رادياتير ماء. ثمّ انتقلت إلى الماء سنة 1992، وبقي النظام في عائلة بانديت حتى 2006 وفي DR650 إلى اليوم[10].
التبريد بالسائل: حلقة مغلقة ومنظّم يقرّر
هذا نظام أغلب الدراجات الحديثة، وهو نظام سيارتك نفسه. حول الأسطوانات ورأسها جدار مزدوج يمرّ في فراغه سائل تبريد، وتُسمّى هذه الجدران السترة المائية (Water Jacket). تدفع مضخّة تدور مع المحرّك السائلَ في السترة فيمتصّ حرارة الجدران، ثمّ يخرج ساخناً إلى الرادياتير في مقدّمة الدراجة. والرادياتير شبكة من القنوات الدقيقة والزعانف يمرّ الهواء بينها، فيبرد السائل ويعود. والسائل ليس ماءً، وقد أفردتُ له مقالاً كاملاً لأنّ الماء العادي يغلي ويتجمّد ويصدئ.

والذكاء كلّه في قطعتَين صغيرتَين في هذه الحلقة. الأولى منظّم الحرارة (Thermostat): صمّام يبقى مغلقاً والمحرّك بارد، فيحبس السائل داخل السترة ولا يمرّره إلى الرادياتير، فيسخن المحرّك بسرعة إلى حرارة عمله. ثمّ يفتح عند حرارة محدّدة، في حدود الثمانين والتسعين درجة في أغلب الدراجات، ويظلّ يفتح ويضيق ليثبّت السائل عندها. والثانية المروحة: حسّاس يراقب حرارة السائل، فإن وقفت في زحام وغاب الهواء المتحرّك أدار مروحة كهربائية تسحب الهواء عبر الرادياتير مكانك. وفوقهما غطاء الرادياتير، وهو صمّام ضغط لا سدادة، يرفع ضغط الحلقة فيرفع درجة غليان السائل إلى ما فوق 130 درجة بدل مئة الماء[8].

والفرق الحقيقي بين هذا النظام والهوائي في الثبات. انظر إلى الشكل 1: المحرّك الهوائي تتبع حرارته الطريق، فتصعد في الزحام وتهبط على الطريق المفتوح وتتغيّر مع الجوّ. والمحرّك السائل يصعد سريعاً في الإقلاع لأنّ منظّمه يحبس حرارته، ثمّ يستوي خطّاً واحداً في الزحام وعلى الطريق معاً. الرحلة واحدة، والخطّان مختلفان.
ومن هذا الثبات تأتي كلّ مزايا السائل الأخرى. المهندس الذي يضمن حرارة تشغيل واحدة يستطيع أن يضيّق الخلوصات بين الأجزاء ويرفع نسبة الانضغاط، فيخرج من السعة نفسها قوةً أكبر. ويبني محرّكاً يجتاز اختبار الانبعاثات، لأنّ إحماءه سريع وحرارته العليا مضبوطة. والسترة المائية تكتم جزءاً من صوت المحرّك الداخلي، وهو ما تعدّه هارلي ميزةً حين تصف نظامها[9]. وثمنه مضخّة وخراطيم وحسّاس ومروحة ومنظّم، وكلّ واحد منها نقطة فشل محتملة، ووزن إضافي، وسائل يُبدَّل كلّ سنتَين أو ثلاث.
وبين النظامَين طريق وسط لطيف تسلكه هارلي في محرّكاتها الكبيرة الحديثة. تبقي الأسطوانات هوائية التبريد بزعانفها المكشوفة، وتمرّر السائل في رؤوس الأسطوانات وحدها، حيث تتركّز الحرارة حول الصمامات وشمعة الإشعال[9]. تحتفظ بالشكل الذي يشتريه زبونها، وتضع الماء في الموضع الوحيد الذي يحتاجه فعلاً.
وحالة رابعة: مروحة السكوتر
السكوتر يبرّد بالهواء، لكن بطريقة مختلفة عن الدراجة الكلاسيكية. محرّكه مخفيّ داخل كسوة بلاستيكية لا تصله الريح، فتُركَّب على طرف عمود المرفق مروحة تدور مع المحرّك ما دام يعمل، وتدفع الهواء في مجارٍ بلاستيكية تجبره على المرور بين الزعانف. وهذا تبريد هوائي قسري لا يعتمد على حركة السكوتر أصلاً، ولهذا يحتمل السكوتر زحام المدينة أفضل من دراجة هوائية أكبر منه. نقطة ضعفه الوحيدة تلك المجاري: كيس بلاستيكي أو أوراق شجر تسدّها، فتدور المروحة بلا فائدة.
ماذا يعني هذا لدراجتك أنت
ما سبق فيزياء لا تتغيّر. أمّا ما تفعله أنت فيتغيّر بنوع دراجتك، وأربع حالات تغطّي أغلب ما على الطريق.
الدراجة الهوائية: الزيت هو نظام تبريدك
إن كانت دراجتك كلاسيكية أو كروزر أو دراجة تنقّل صغيرة من عائلة CG وأشباهها، فالزعانف نصف تبريدك والزيت نصفه الآخر، لأنّه الوحيد الذي يصل إلى أسفل المكبس وأعلى الرأس. فمستوى الزيت وعمره عندك مسألة حرارة قبل أن يكونا مسألة احتكاك، وتأخير تغييره تأخيرٌ في تبريد المحرّك. وفي الزحام الطويل أطفئ المحرّك إن كان التوقّف سيطول دقيقتَين أو أكثر، فالمحرّك الواقف بلا هواء يجمع حرارةً لا يصرفها. وامنحه في الصباح دقيقةً على السرعة الخاملة قبل أن تطلب منه قوّته، فكتله المعدنية الكبيرة تصل إلى حرارة عملها ببطء، والإقلاع البارد هو موضع التآكل كما رأيت.

الدراجة الحديثة: أنت مسؤول عن سائلَين
في الدراجة سائلة التبريد لم يعد الزحام مشكلة، وستسمع المروحة تدور وحدها حين تقف طويلاً. فإن ارتفع مؤشّر الحرارة في زحام ولم تسمع المروحة، فهذا إنذار يستدعي التوقّف لا المراقبة. وأنت الآن تراقب سائلَين: مستوى الزيت من نافذته أو عصاه، ومستوى سائل التبريد في قارورته البلاستيكية، مع نظرة إلى الخراطيم كلّ فترة بحثاً عن تشقّق أو رشح. والرادياتير نفسه ألومنيوم رقيق في مقدّمة الدراجة، وحصاة من شاحنة أمامك تثقبه وتنهي رحلتك، وشبك حماية رخيص يغنيك عن ذلك.

السكوتر: افحص المجاري
السكوتر مصمَّم للزحام كما رأيت، فليس عليك فيه إلّا أمر واحد يخصّ تبريده: تأكّد أنّ مجاري الهواء البلاستيكية حول محرّكه سليمة ونظيفة كلّما فككتَ غطاءً. وإن شعرتَ بضعف في ظهيرة حارّة فابدأ منها قبل أن تتّهم شيئاً آخر.

دراجة الوعر: الزيت يُقاس بالساعات
دراجات الموتوكروس والإندورو آلات سباق تحمل زيتاً قليلاً لتخفّ، وتُستعمل فيها منطقة احتكاك القابض بكثافة على سرعات بطيئة، فيتعب زيتها أسرع من أيّ دراجة طريق. ولهذا تُقاس فترات تغييره بساعات التشغيل لا بالكيلومترات: دليل مالك KTM 450 EXC-F موديل 2024 يطلب تغييراً أوّل بعد ساعة تشغيل واحدة، ثمّ كلّ 15 ساعة، والسعة كلّها 1.2 لتر[14]. وعدوّ رادياتيرها الطين قبل الحجر، فطبقة طين جافّة تسدّ زعانفه تماماً، وغسله بعد كلّ رحلة موحلة أهمّ صيانة لتبريده.

وتمرين اليوم قبل أيّ شيء آخر: اذهب إلى دراجتك وحدّد ثلاثة مواضع بعينك. أين نافذة الزيت أو عصا قياسه؟ وأين قارورة سائل التبريد وعلامتا حدّها الأدنى والأعلى، إن كانت دراجتك سائلة؟ ومن أين يخرج صوت المروحة حين تعمل؟ من يعرف هذه المواضع الثلاثة لا يفاجئه شيء في هذا المقال كلّه.
على طرقنا: أربعة مناخات لنظام واحد
الفيزياء واحدة في حلب وفي دبي وفي برلين وفي تورونتو. لكنّ حرارة الجوّ وعمر الأسطول وما يُباع في السوق تختلف بينها اختلافاً يغيّر ما تفعله أنت، فاقرأ الفقرة التي تخصّك.
سوريا: حين يكون الزيت هو النظام كلّه
أغلب ما في شوارعنا محرّكات هوائية صغيرة من عائلة CG وأخواتها، وهي عائلة صمّمتها هوندا أصلاً لأسواق يقلّ فيها الاعتناء الوقائي. فصماماتها علوية بقضبان دفع بدل عمود كامات حسّاس، وفلتر هوائها إسفنجي يُغسل، وسلسلتها مغلقة[16]. تبريدها هواء وزيت لا غير، وسعة حوضها لتر واحد، فكلّ ما قرأتَه عن الزيت مبرّداً ينطبق عليها بلا تخفيف: لتر واحد يزيّت ويبرّد وينظّف ويُقصّ في التروس ويعيش صيفاً حارّاً. غيّره في موعده ولو بدا نظيفاً، ولا تتركه ينقص. وقيادتها في زحام دمشق في تمّوز تطلب ما طلبتُه قبل قليل: أطفئها في الوقفات الطويلة. أمّا الدراجات السائلة القليلة عندنا فأخطر ما يصيبها شتاء ماءٌ عادي وُضع في طارئة صيفية ونُسي، وذلك في مقال سائل التبريد.
الخليج: هامش أضيق من أيّ مكان آخر
سجّل المركز الوطني للأرصاد في الإمارات 50.0 درجة في الشوامخ بأبوظبي مطلع آب 2026، وتوقّع نحو 50 درجة في الكويت في الموجة نفسها[15]. عُد إلى فارق 230 درجة الذي يعمل عليه التبريد: كلّ درجة يرتفعها الجوّ درجةٌ تُخصم من هامش نظامك. فالمحرّك الهوائي الكبير، كما تقول الشركات الهندية نفسها، يعمل أفضل في المناخ الأبرد ويتعب في الزحام الحارّ[11]. ولهذا صار السائل أو مبرّد الزيت اختياراً عاقلاً للتنقّل اليومي في الرياض أو دبي، لا رفاهية. وفي السائل ستدور المروحة في كلّ وقفة، ويشيخ سائل التبريد أسرع، ويعيش الزيت أعلى بعشرين درجة ممّا حسبت له أدلّة أوروبا، فقصّر فتراته على هذا الحساب لا على حساب العدّاد.
أوروبا: يورو 5 اختار لك
القارئ في ألمانيا أو فرنسا يشتري في سوق حسمت المسألة قانوناً: منذ 2021 لا تُباع دراجة جديدة لا تجتاز يورو 5، وقد رأيتَ لماذا يسقط فيه المحرّك الهوائي الرخيص[12]. فالمستعمل الحديث عندك سائل التبريد في الغالب، ومسؤوليتك فيه سائلان ومنظّم حرارة يعمل في برد يحتاجه فعلاً. فالإحماء السريع الذي يمنحه المنظّم يوصل المحرّك إلى حرارته في صباح بأربع درجات، قبل أن يتكثّف الوقود على الجدران. وقبل التخزين الشتوي بدّل الزيت لا بعده، فأحماض الاحتراق في زيت مستعمل تعمل على المعدن طوال أشهر الوقوف، وهذا في مقال الصيانة.
أمريكا الشمالية: حيث يعيش الهوائي الكبير
في الولايات المتحدة وكندا يبقى المحرّك الهوائي الكبير حيّاً على نطاق لا يعرفه سوق آخر، فهارلي الكبيرة وإنديان كلّها هوائية أو نصف هوائية[13]. ولهذا كتبت هارلي صفحة كاملة تشرح لزبائنها لماذا يسخن محرّكهم في الزحام، وكيف حلّت ذلك برؤوس سائلة التبريد[9]. فإن كنت تشتري كروزر هوائياً في فينيكس أو هيوستن فاقرأ فقرة الخليج، لأنّ صيفهما لا يختلف كثيراً. وإن كنت في كندا فمسألتك مسألة أوروبا: منظّم يعمل في البرد، وتخزين شتوي طويل. ومسافات الطريق السريع الطويلة تجعل شبك حماية الرادياتير من الحصى والحشرات أنفع هناك منه في أيّ مدينة.
النظامان معاً
عرفتَ الآن كيف يُبقي المحرّك نفسه حيّاً وهو يحاول تدمير نفسه بطريقتَين. الزيت يفصل المعدن عن المعدن بطبقة أرقّ من شعرة، ويحمل الحرارة من مواضع لا يصلها شيء آخر، ويشيخ بالحرارة والشوائب والتخفيف والقصّ. والتبريد يصرف الثلثَين الضائعَين من الوقود إلى الهواء، بزعانف تتبع الطريق أو بحلقة مغلقة تتبع منظّمها. والنظامان يشتغل أحدهما في الآخر: زيت أبرد يعيش أطول، ومحرّك أثبت حرارةً يحفظ زيته.
وبقي السائلان أنفسهما. في المقال القادم تقف أمام رفّ الزيوت وتقرأ ما على العلبة: ما معنى 10W-40، والفرق بين المعدني والتخليقي، وأيّ ختم يحمي قابضك الرطب. ذلك دليل زيت الدراجة، وبعده دليل سائل التبريد، ولماذا الماء العادي عدوّ محرّكك. وإلى ذلك الحين، قُد بأمان.
المصادر
- وزارة الطاقة الأمريكية، موقع «fueleconomy.gov»، صفحة «أين تذهب الطاقة»: في سيارة بنزين عادية تضيع 68 إلى 72 بالمئة من طاقة الوقود في المحرّك حرارةً واحتكاكاً، ولا يصل إلى العجلات إلّا 18 إلى 25 بالمئة.
- مجلّة Machinery Lubrication، مقال «Lubrication Regimes Explained»: أنظمة التزييت الثلاثة، وسماكة طبقة الزيت الهيدروديناميكية بين 2 و100 ميكرون، وأنّ ما يصل إلى 70 بالمئة من التآكل يقع في الإقلاع والإطفاء حيث يسود التزييت الحدّي.
- مجلّة Machinery Lubrication، مقال «How Heat Affects Lubricants: the Arrhenius Rate Rule»: كلّ 10 درجات مئوية إضافية تضاعف سرعة تأكسد الزيت وتقصّر عمره إلى النصف.
- ويكيبيديا، مادة «Dry sump»: آلية الحوض الجافّ بمضخّة كسح وخزّان خارجي، ومزاياه في منع انقطاع الزيت والخفض من ارتفاع المحرّك، والدراجات التي تعتمده ومنها هارلي ديفيدسون منذ ثلاثينيات القرن العشرين وهوندا XR وياماها XT وSR.
- سوزوكي كندا، ورقة «JASO T903 Engine Oil Standard»: معيار زيوت الدراجات رباعية الأشواط، ومشاركة الزيت الواحد بين المحرّك وعلبة التروس والقابض الرطب، وفئتا MA وMB.
- موقع مواصفات الزيوت Oilspecifications.org، مقال «JASO MA and JASO MB classifications»: التصنيف مبنيّ على اختبار احتكاك القابض، وزيوت السيارات المعدَّلة الاحتكاك لا تكفي قابضاً رطباً يشترك مع المحرّك في زيته.
- مختبرات إنترتك، صفحة «JASO T903:2023»: نسخة 2023 من المعيار، واختبار الاحتكاك الديناميكي والساكن وزمن التوقّف الذي يفرز فئات MA1 وMA2 وMB.
- ويكيبيديا، مادة «Internal combustion engine cooling»: الفارق بين معدن عند 250 درجة وهواء عند 20، وأنّ الهواء المارّ على أجزاء متتابعة يسخن عند كلّ واحدة فيبرّد الأولى أكثر من الأخيرة، وحرارة جدار الأسطوانة المستهدفة نحو 90 درجة، وبلوغ سائل التبريد المضغوط 135 درجة دون غليان.
- هارلي ديفيدسون، صفحة «Liquid Cooled vs Air Cooled Motorcycle Engines»: مزايا كلّ نظام وعيوبه بلسان الشركة نفسها، ووصف نظامها المزدوج الذي يمرّر السائل في رؤوس الأسطوانات وحدها.
- ويكيبيديا، مادة «Suzuki Advanced Cooling System»: نظام SACS منذ GSX-R750 سنة 1985، ومضخّة الزيت المزدوجة الغرفة، ورشّ الزيت على أسفل المكابس وأعلى غرف الاحتراق، واستمراره في عائلة بانديت حتى 2006 وفي DR650 إلى اليوم.
- تي في إس موتور، مقال «Air Cooled vs Oil Cooled vs Liquid Cooled Engines»: تعريف التبريد بالزيت كما تسوّقه الشركات الهندية، وأنّ المحرّكات الهوائية الكبيرة تعمل أفضل في المناخ الأبرد وتتعب في الزحام الحارّ.
- بينيتس بايك سوشال، مقال «What does Euro 5 mean to motorcycles»: معيار يورو 5 على الطرازات الجديدة من مطلع 2020 وعلى الجميع من مطلع 2021، ولماذا يعاقب المحرّك الهوائي في الاختبار: إحماء أطول، وعجز عن ضبط الحرارة العليا فتزيد أكاسيد النيتروجين.
- فيزوردون، مقال «Top 10 air-cooled bikes you can still buy new» (2021): خروج سبورتستر 883 و1200 وهوندا CB1100 مع يورو 5، وقائمة ما بقي هوائياً ومنها BMW R 18 ورويال إنفيلد ميتيور 350 وهارلي الكبيرة.
- مجلّة Australasian Dirt Bike، مقال «2024 KTM 450 EXC-F oil change» نقلاً عن دليل المالك: تغيير أول بعد ساعة تشغيل واحدة، ثمّ كلّ 15 ساعة، وسعة 1.2 لتر.
- غلف نيوز، «UAE hits 50C as Middle East enters hottest phase of summer» (آب 2026): المركز الوطني للأرصاد يسجّل 50.0 درجة في الشوامخ بأبوظبي، وتوقّعات بنحو 50 درجة في الكويت.
- ويكيبيديا، مادة «Honda CG125»: محرّك أحادي هوائي التبريد بصمامات علوية، صُمّم لأسواق يقلّ فيها الاعتناء الوقائي، بفلتر هواء إسفنجي يُغسل وسلسلة مغلقة، واستهلاك نحو 40 كيلومتراً باللتر.