حين تقول لأحدهم إنّك تقود دراجة نارية، لن يسألك عن نظام التعليق ولا عن نوع الفرامل. السؤال الأول، دائماً وفي كلّ مكان: «كم سي سي؟». وهذا السؤال يكشف عن مقدار ما يعرفه صاحبه أكثر ممّا يكشف عن الدراجة، لأنّ رقم السعة وحده لا يخبرك بشيء تقريباً عن الآلة التي تحت السائل.
في مقال تشريح الدراجة النارية رسمتُ الخريطة كلّها: أربعة أنظمة تتقاسم كلّ قطعة في الآلة. وقفتُ هناك عند الصورة الكبرى وتركتُ العمق لمقال كلّ نظام، وهذا أوّلها وأعقدها: المحرّك، القطعة التي سُمّيت الآلة كلّها على اسمها.
وهندسة المحرّك هي ما يعطي الدراجة شخصيتها. تصميمه هو ما يحدّد صوتها، وما تشعر به يدك عند لفّ المقبض، ومتى تستيقظ القوة ومتى تنام. ولهذا تختلف دراجة هارلي عن دراجة رياضية يابانية اختلافاً تشعر به قبل أن تقرأ عنه، حتى لو تساوت سعتاهما إلى السنتيمتر المكعّب.
أبدأ من الأساس: كيف يحوّل المحرّك بنزيناً سائلاً إلى دفعة تحت مقعدك؟
كيف يصنع المحرّك قوّته: أربعة أشواط
تعمل محركات الطرق الحديثة كلّها تقريباً بمبدأ واحد اسمه دورة الأشواط الأربعة[1]. والشوط حركة واحدة للمكبس من أقصى الأسطوانة إلى أقصاها، صعوداً أو هبوطاً، وأربعة منها تصنع دورة كاملة تتكرّر آلاف المرّات في الدقيقة.
تبدأ الدورة والمكبس يهبط وصمام السحب مفتوح، فيسحب هبوطه خليطاً من الهواء ورذاذ البنزين إلى الأسطوانة كما يسحب المِحقن الدواءَ. ثمّ تُغلق الصمامات جميعاً ويصعد المكبس، فيضغط الخليط في عُشر حجمه أو أقلّ، ومن الضغط وحده يسخن ويصبح قابلاً للانفجار. وعند قمّة الضغط تُطلق شمعة الإشعال (البوجية) شرارتها، فيشتعل الخليط ويدفع المكبس هبوطاً بعنف. ثمّ يفتح صمام العادم ويصعد المكبس مرّة أخيرة طارداً الغازات المحترقة إلى نظام العادم الذي مرّ بك في مقال التشريح.
والإنجليزية تختصر الأربعة في أربع كلمات يحفظها كلّ ميكانيكي: شفط، ضغط، انفجار، زفير.

وفي هذا الترتيب حقيقة يغفل عنها كثيرون، وهي أهمّ ما تأخذه من هذا القسم: شوط واحد من الأربعة هو الذي يولّد قوة. الثلاثة الأخرى تستهلك من القوة نفسها لتُتِمّ عملها، فالسحب والضغط والزفير كلّها أعمال يقوم بها المحرّك على حساب انفجاره الواحد. ولهذا يحتاج المحرّك إلى كتلة دوّارة تحفظ زخمه بين انفجار وانفجار، ولهذا أيضاً تهتزّ الأسطوانة الواحدة كما ستراه بعد قليل.
ومن هنا تفهم لماذا تزداد نعومة المحرّك بزيادة أسطواناته. فكلّ أسطوانة تضيف انفجاراً في الدورة نفسها، وكلّما تقاربت الانفجارات قصُر الصمت بينها، فقلّ ما يحتاجه المحرّك من زخم مخزون ليعبر ذلك الصمت. الأسطوانة الواحدة تعبر صمتاً طويلاً بانفجار واحد؛ والرباعي المتراصف يملأ الدورة نفسها بأربعة، فلا يكاد يترك فراغاً تحسّه.
وماذا عن محرّك الشوطين؟
ستسمع المصطلح في الدراجات القديمة جداً، وفي دراجات الموتوكروس، وفي السكوترات الصغيرة، وفي معدّات مثل مناشير الخشب وماكينات قصّ العشب. وهو ابن العمّ الفوضوي لمحرّك الأشواط الأربعة: يؤدّي العمل كلّه في شوطين لا أربعة، فيحصل على انفجار مع كلّ دورة كاملة لعمود المرفق بدلاً من انفجار كلّ دورتين.
ويستغني عن الصمامات كلّها. فبدلاً منها فتحات في جدار الأسطوانة يفتحها المكبس نفسه ويغلقها بحركته، وهو ما يجعله بسيطاً وخفيفاً ورخيصاً. والترتيب أدقّ ممّا يُقال عنه عادةً. يصعد المكبس فيضغط الخليط فوقه، ويسحب في اللحظة نفسها خليطاً جديداً إلى علبة المرفق أسفله. ثمّ يدفعه الانفجار هبوطاً، فتنكشف فتحة العادم أولاً لتخرج الغازات، ثمّ تنكشف فتحة النقل فيدخل الخليط الجديد دافعاً ما تبقّى من القديم أمامه.

وثمن هذه البساطة ثقيل. فلا نظام تزييت منفصل فيه، بل يُخلط الزيت بالبنزين ويحترق معه، ومن هنا الدخان الأزرق الذي تعرفه من الدراجات القديمة. ولأنّ العادم والنقل ينكشفان في وقت متقارب، يهرب شيء من الخليط الجديد إلى العادم قبل أن يحترق، فيُهدر الوقود ويتّسخ الهواء. أضف عمراً أقصر، لأنّ الزيت المخلوط لا يصل إلى كلّ موضع بكفاءة الزيت الدوّار. ولهذا صارت محركات الطرق الحديثة كلّها رباعية الأشواط: أنظف وأكفأ وأطول عمراً.
الأرقام الثلاثة: السعة والعزم والقوة
ثلاثة أرقام تسمعها في كلّ نقاش عن الدراجات، وهي التي تسبّب أكثر الالتباس للمبتدئين، لأنّ الناس يخلطون بين حجم المحرّك وأدائه. وهما شيئان مختلفان تماماً.
السعة: ما يقيسه رقم «سي سي» فعلاً
السعة هي الحجم الذي تكتسحه المكابس بين أعلى نقطة وأدنى نقطة في رحلتها، مجموعاً على أسطوانات المحرّك كلّها، ويُقاس بالسنتيمتر المكعّب. فدراجة سعتها 1000 سنتيمتر مكعّب بأربع أسطوانات تعني أنّ كلّ أسطوانة فيها تكتسح 250. والرقم مقياس لكمية الهواء والوقود التي يستطيع المحرّك شفطها في الدورة، أي مقياس لسعة رئته.
ولهذا يبقى الرقم مقياس إمكانية لا مقياس أداء. خُذ محرّكين سعتهما 1000 سنتيمتر مكعّب، أحدهما في كروزر والآخر في دراجة رياضية: الحجم واحد والإحساس والقوة مختلفان اختلافاً تاماً. فكّر في السعة كقُطر فوهة المدفع؛ يخبرك القطر بحجم ما يستطيع المدفع رميه، ولا يخبرك بشيء عن كمية البارود خلفه ولا عن سرعة الرمي. وهنا ينتهي التشبيه، فالمحرّك يرمي ألوف المرّات في الدقيقة والمدفع مرّة.
العزم والقوة الحصانية: الرقمان اللذان يفسّران الإحساس
هنا موضع أكثر جدل تسمعه بين الدرّاجين، وأكثره سببه أنّ الرقمين يوصفان كأنّهما خيار بين اثنين. وهما في الحقيقة وصفان لشيء واحد من زاويتين: العزم قوة الالتواء التي يولّدها المحرّك في لحظة بعينها، والقوة الحصانية معدّل إنجازه لهذا العمل مع مرور الزمن.
وأنفع تشبيه رأيتُه هو غطاء المرطبان العالق. العزم هو قوة اللَيّ التي تحتاجها لتفكّ الغطاء من موضعه أول مرّة، والقوة الحصانية هي سرعتك في لفّ الغطاء لفّات متتابعة حتى ينزع. ولهذا يرتبط الرقمان بمعادلة لا بمقابلة: القوة الحصانية تساوي العزم مضروباً بسرعة الدوران، مقسوماً على ثابت يختلف بحسب وحدات القياس المستخدمة. فلو ثبّت العزم ورفعت الدوران، ارتفعت القوة الحصانية وحدها.

وما تشعر به أنت يتبع موضع القمّتين على منحنى الدوران. فالعزم العالي عند دورات منخفضة هو الدفعة التي تلصق ظهرك بالمقعد عند إشارة المرور، والقوة الحصانية العالية عند دورات مرتفعة هي ما يواصل شدّك وأنت على طريق سريع. ومن موضع القمّتين وحده تعرف أين تعيش الدراجة قبل أن تركبها.
ولنأخذ ثلاث حالات حقيقية تجمع الخيوط. محرّك كروزر ضخم سعته 1800 سنتيمتر مكعّب، بشوط طويل وأجزاء داخلية ثقيلة. يكره الدوران السريع ويعطيك عزمه كلّه عند ألفين وخمس مئة دورة، فتشعر بلكمة من الثبات ثمّ يلهث إن طلبت سرعة قصوى. هو مصمَّم للدفع لا للجري. ومحرّك رياضي سعته 600 بشوط قصير وأجزاء خفيفة يعشق الدوران إلى أربعة عشر ألفاً. تشعر أنّه ضعيف عند إشارة المرور، ثمّ تجد قوّته كلّها تنتظرك في الأعلى. وبينهما توأم متوازي سعته 700 لا يملك لكمة الأول ولا صراخ الثاني، ويعطيك عزماً جيداً وقوة جيدة في كلّ مكان تقود فيه فعلاً.
التجويف والشوط: من أين تأتي الشخصية
يبقى السؤال: لماذا يعطي محرّك عزمه في الأسفل ويعطي غيرُه قوّته في الأعلى، وسعتهما واحدة؟ الجواب في نسبة بُعدين داخل الأسطوانة: التجويف وهو قطرها، والشوط وهو طول رحلة المكبس فيها. والنسبة بينهما هي وصفة الشخصية.
فالتجويف الواسع يترك للمهندس مساحة في رأس الأسطوانة يضع فيها صمامات أكبر، والصمامات الأكبر تتيح للمحرّك أن يتنفّس بسرعة أعلى، والتنفّس السريع هو شرط القوة الحصانية في الدورات المرتفعة. أمّا الشوط الطويل فيعطي ذراع التوصيل رافعة أطول على عمود المرفق، والرافعة الأطول تعني عزماً أكبر. تخيّل مفتاح براغي: المفتاح القصير يجعل فكّ البرغي العالق شاقاً، والطويل يفكّه بيد واحدة وأنت تديره ببطء. وحدّ التشبيه أنّ المفتاح الطويل لا يكلّفك شيئاً، أمّا الشوط الطويل فيكلّفك سرعة الدوران.

ومن هنا تُقرأ العائلتان. فمحرّك شوطه أطول من تجويفه، كمحركات هارلي ورويال إنفيلد، يملك رافعة تولّد عزماً ضخماً من دورات منخفضة. وثمنه أنّ مكبسه يقطع مسافة طويلة في كلّ دورة، فلا يستطيع الدوران سريعاً. ومحرّك تجويفه أوسع من شوطه، كمحركات الرياضية رباعية الأسطوانات، يقطع مكبسه مسافة قصيرة فيدور بأمان فوق أربعة عشر ألف دورة ويتنفّس عبر صمامات كبيرة. وثمنه عزم ضعيف في الأسفل، حيث تقود في المدينة فعلاً.
كيف تقرأ ورقة المواصفات قراءة صحيحة
الرقم الكبير على الورقة لا يعني شيئاً وحده. انظر إلى الرقم الصغير المكتوب بجانبه، أي عند كم دورة في الدقيقة تتحقّق تلك القوة، فهذا الرقم هو الذي يخبرك متى تستيقظ الدراجة.
خُذ مثالين حقيقيين. ياماها MT-07، وهي توأم متوازي، تعطي 73.4 حصاناً عند 8,750 دورة، وعزمها الكامل 67 نيوتن متر يظهر مبكراً عند 6,500[4]. وياماها R6، وهي رباعية متراصفة، تعطي نحو 123 حصاناً لكن عند 14,500 دورة، وخطّها الأحمر عند ستّة عشر ألفاً[5]. القوة على الورق تكاد تكون ضِعفاً، والفرق العملي في مكان آخر تماماً: الأولى تدفعك من ثلاثة آلاف دورة، والثانية تحتاج منك أن تبقيها فوق عشرة آلاف لترى ما تملكه.
وثمّة تفصيل يخلط الأرقام على كثيرين، وأنا نفسي رأيتُ من يقتبسه دون أن يعرفه. الأرقام التي يعلنها المصنّع تُقاس عند عمود المرفق، والأرقام التي تخرج من جهاز الفحص تُقاس عند العجلة الخلفية بعد أن يأكل القابض وناقل الحركة والسلسلة نصيبهم. فالفارق بينهما يبلغ عشرة في المئة أو أكثر، ولهذا تجد MT-07 نفسها مقيسة بنحو ستّة وستّين حصاناً على الجهاز. فإن رأيت رقمين متضاربين للدراجة نفسها، فاسأل عن موضع القياس قبل أن تظنّ أحدهما كذباً.
وما علاقة هذه الأرقام برخصتك
القانون يقرأ هذه الأرقام قراءة مختلفة عن قراءتك، كما مرّ بك في دليل رخصة قيادة الدراجة النارية. فالقانون يعنيه تصنيف الفئات بأرقام قابلة للقياس، وإحساس المحرّك خارج حسابه، والنظام الأوروبي أوضح مثال لأنّ كثيراً من قوانين المنطقة يقتبس منه[6].
وفئة A1 محدودة بثلاثة قيود مجتمعة لا بقيد واحد: سعة لا تتجاوز 125 سنتيمتراً مكعّباً، وقوة تحت 11 كيلوواط، ونسبة قوة إلى وزن لا تفوق 0.1 كيلوواط للكيلوغرام. أمّا A2 فحدّها 35 كيلوواطاً، أي نحو 47 حصاناً، مع نسبة قوة إلى وزن لا تفوق 0.2. وفي A2 شرط ثالث يفوت أكثر المشترين: الدراجة المقيّدة يجب ألّا تكون مشتقّة من طراز قوّته أصلاً أكثر من ضِعف الحدّ، أي أكثر من 70 كيلوواط. فلا تشتري دراجة كبيرة على أمل تقييدها ثمّ تكتشف أنّها ممنوعة عليك أصلاً.
أنواع المحرّكات وما يفعله التصميم بالإحساس
الأشواط الأربعة هي نفسها في كلّ محرّك على هذه الصفحة. والذي يتغيّر شيئان: عدد الأسطوانات، وزاوية عمود المرفق التي تحدّد مواضع الانفجارات في الزمن. ومن هذين وحدهما يأتي الصوت والاهتزاز وطريقة تسليم القوة، أي كلّ ما تسمّيه شخصية الدراجة.
الأسطوانة الواحدة
أبسط ترتيب ممكن: مكبس واحد كبير يؤدّي العمل كلّه. وصوته طرقات قوية متباعدة تسمع الواحدة منها وحدها، لأنّ انفجاراً واحداً يقع في كلّ دورتين ولا شيء يملأ الصمت بينهما. ولأنّ المكبس واحد وكبير وشوطه طويل غالباً، يعطيك دفعة عزم قوية من دورات منخفضة، كمطرقة ثقيلة تنزل مرّة واحدة.

وثمنه الاهتزاز. فمكبس يطير صعوداً وهبوطاً بلا ما يعادله يهزّ المحرّك كلّه. وتضيف الموديلات الحديثة فوق 250 سنتيمتراً مكعّباً عمود موازنة يلغي جزءاً كبيراً منه، ويبقى ما يكفي لتخدير يديك في رحلة طويلة. ولهذا موضعه الطبيعي الدراجات الصغيرة بين 125 و300 سنتيمتر مكعّب، مثل KTM 390 وHonda CB300R، ودراجات الطرق الوعرة كلّها تقريباً لأنّها تحتاج النحافة والخفّة والعزم الفوري، ودراجات السوبرموتو.
التوأم المتوازي
أسطوانتان جنباً إلى جنب، وهو الغالب على الدراجات المتوسطة الحديثة. وشخصيته لا تتبع عدد أسطوانتيه بقدر ما تتبع زاوية عمود مرفقه، وهذه الزاوية أوضح مثال في المقال كلّه على أنّ الهندسة تصنع الإحساس.

فبزاوية 360 درجة يتحرّك المكبسان معاً صعوداً وهبوطاً، فينتظم الإشعال ويأتي الصوت ناعماً هادئاً قريباً من إحساس أسطوانة واحدة كبيرة. وبزاوية 180 درجة يصعد أحدهما حين يهبط الآخر، فيضحّي بشيء من النعومة مقابل دوران أعلى وأزيز رياضي حادّ عرفته دراجات النينجا القديمة. أمّا زاوية 270 درجة فهي الاتجاه الغالب اليوم، وتعتمدها ياماها في MT-07 وتينيري 700 لتجعل فواصل الإشعال غير متساوية[2]. فيحاكي المحرّك بها صوت التوأم على شكل V بزاوية تسعين وعزمه. وتقول ياماها إنّ هذه الفواصل تحسّن إحساس الدرّاج بتماسك الإطار الخلفي عند الخروج من المنعطف.
وميزته الحقيقية أنّه لا يتفوّق في شيء واحد ويجيد كلّ شيء: أسلس من الأسطوانة الواحدة، وأقلّ استهلاكاً للوقود، وأرخص تصنيعاً من التوأم على شكل V، وأنحف كثيراً من الرباعي. ولهذا صار ملك الفئة المتوسطة في الدراجات القياسية والنيكد ودراجات المغامرات للمبتدئين، وتحت هذا العنوان تجد Yamaha MT-03 وKawasaki Z400 في أصغر الفئة، وMT-07 وتينيري 700 في وسطها.
التوأم على شكل V
أسطوانتان في تكوين حرف V، وهو محرّك الشخصية بلا منافس. وسرّ صوته المدمدم الذي تعرفه من هارلي ديفيدسون أنّ مكبسيه يتّصلان غالباً بنقطة واحدة على عمود المرفق، فيصير ترتيب الإشعال غير متساوٍ: طرقتان متقاربتان، ثمّ سكوت أطول، ثمّ طرقتان[3]. ذلك السكوت القصير هو الصوت كلّه.

ويعطيك عزماً هائلاً من دورات منخفضة، وتشعر بكلّ انفجار على حِدة، وهو نحيف يسمح بوضعه في هيكل كروزر منخفض. وعيوبه في تصميمه الكلاسيكي اهتزاز واضح ونفور من الدورات العالية. ودوكاتي تستخدم التكوين نفسه بزاوية تسعين درجة وتسمّيه L-Twin. وهذه الزاوية توازن المحرّك طبيعياً فتلغي الاهتزازات الأولية دون أعمدة موازنة ثقيلة، فتجمع العزم إلى سلاسة تسمح بشخصية رياضية. وموضعه الطبيعي دراجات الكروزر عند هارلي وإنديان، ودراجات دوكاتي الرياضية.
الثلاثي المتراصف
ثلاث أسطوانات في صفّ واحد، وهو الأسرع صعوداً في السنوات الأخيرة. وموضعه منتصف الطريق بالضبط: عزم في الأسفل أقوى من الرباعي، ودوران في الأعلى أعلى من التوأم، وزمجرة لا تشبه أحداً. بنت تريومف هويّتها كلّها عليه في Street Triple وTiger، وجعلته ياماها قلب عائلة MT-09. وهو أنحف من الرباعي وأرخص تصنيعاً وأسلس من التوأم، ويحتاج عمود موازنة يكبح اهتزازه الالتفافي. فإن وجدت نفسك ممزّقاً بين لكمة التوأم وصراخ الرباعي، فجرّب الثلاثي قبل أن تحسم.
الرباعي المتراصف
أربع أسطوانات في خطّ واحد، وهو صوت الصراخ العالي النبرة الذي تعرفه من الدراجات الرياضية اليابانية. وسلاسته تأتي من ترتيبه: يصعد مكبسان حين يهبط الآخران، فتتعادل قوى الحركة الأولى ويكاد الاهتزاز يزول. ودقّة العبارة تستحقّ الوقوف، فالتوازن الأولي فيه تامّ تقريباً، ويبقى اهتزاز ثانوي أضعف بمرتبة، ومنه ذلك الطنين الناعم الذي تحسّه في المقود على دورات عالية.

ولأنّه متوازن وأجزاؤه الداخلية خفيفة، يعشق الدوران فوق أربعة عشر ألف دورة، ومن هناك يأتي عدد الأحصنة الذي يزيّن الإعلانات. وثمنه أنّه هادئ ممل ضعيف في الأسفل حيث تقود في المدينة، ولا يستيقظ إلّا حين تصرخ به، وأنّه عريض وثقيل مقارنة بما دونه. وهو محرّك الدراجات الرياضية اليابانية كـR1 وR6 وHonda CBR، ومحرّك الكلاسيكيات اليابانية التي بنت سمعة هذا الترتيب أصلاً.
التوأم البوكسر
أسطوانتان تخرجان أفقياً من جانبي الدراجة، وهو التوقيع الخاص بدراجات BMW وخاصّة سلسلة GS. ومكبساه يتحرّكان إلى الخارج وإلى الداخل في اللحظة نفسها، فيلغي كلّ منهما قوة الآخر ويأتي المحرّك سلساً إلى حدّ بعيد.

وميزته الأكبر موضع كتلته، والسلاسة تأتي بعدها. فالأسطوانتان أثقل ما فيه وهما بارزتان جانباً وأسفل، فيهبط مركز ثقل المحرّك كلّه. ودراجة تزن ربع طنّ تشعر تحتك بأنّها أخفّ ممّا هي عند المناورة والسرعات البطيئة، وهذه وحدها تفسّر حبّ سائقي المغامرات له. وعيوبه أنّه عريض حتى إنّ أسطوانتيه معرّضتان للاصطدام، ومكلف في التصنيع والصيانة.
أيّ محرّك يناسبك
اكتمل التشريح: الأشواط، والأرقام، ونسبة التجويف إلى الشوط، والأنواع. ويبقى السؤال الذي من أجله قرأتَ كلّ هذا. ولا يوجد محرّك أفضل للجميع، وإنّما محرّك أنسب لهدفك ومستواك، وهذا القرار يسبق اختيار الدراجة نفسها الذي فصّلته في دليل الشراء.
إن كنت مبتدئاً
هدفك الأول بناء المهارة والبقاء آمناً وأنت تتعلّم، والقوة لا تخدم هذا الهدف في شيء. تحتاج أمرين: وزناً خفيفاً يسمح لك بوضع قدميك على الأرض والمناورة ببطء وتصحيح خطئك قبل أن يكبر، وقوةً يمكن التنبّؤ بها.
والوزن يستحقّ وقفة، لأنّ المبتدئين يقيسون الدراجة بسعتها ويغفلون عن كيلوغراماتها. الدراجة الخفيفة دراجة متسامحة: تسندها بقدمك عند إشارة، وتلفّها في مساحة ضيّقة، وتردّها إن مالت عنك. أمّا دراجة تزن 250 كيلوغراماً فهي كابوس على مبتدئ، لأنّ ميلها البسيط يتحوّل إلى سقوط لا تستطيع إيقافه، والسقوط في وقوف مكانك يكسر الدراجة ويكسر ثقتك معاً.

وعدوّك الأول المفاجأة. فالرباعي الرياضي سعة 600 سنتيمتر مكعّب في تصميمه الكلاسيكي يبقى هادئاً ميّتاً في القيادة العادية، ثمّ ينفجر بالقوة فوق ثمانية آلاف دورة. وهذه الطفرة هي ما يباغت المبتدئ: لفّة صغيرة غير مقصودة في اللحظة الخاطئة ترفع العجلة الأمامية أو تسحب منك السيطرة. فابدأ بين 125 و400 سنتيمتر مكعّب، وابحث عن عزم جيد في الدورات المنخفضة وقوة تزداد ببطء وثبات كلّما لففت. والأسطوانة الواحدة تفي بهذا تماماً، والتوأم المتوازي أنسب لأغلب المبتدئين لأنّه أسلس منها ويمنحك مساحة للنمو.
إن كنت متقدّماً
تملك المهارة والتحكّم الدقيق بالمقبض، وتستطيع إدارة طفرة القوة بل والاستمتاع بها. فأنت حرّ في اختيار الشخصية، والسؤال يصير سؤال ذوق: هل تريد اللكمة الفورية العنيفة للتوأم على شكل V، أم الصراخ والقوة في نهاية الدورات للرباعي المتراصف؟ أنت تختار كيف تُسلَّم لك القوة، لا كم منها.
وحسب ما تفعله بالدراجة فعلاً
في المدينة، حيث الانطلاق والتوقّف المتكرّر والمناورة بين السيارات، تحتاج عزماً فورياً في الأسفل ولا قيمة للقوة الحصانية العالية أصلاً، لأنّك لن تصل إلى عشرة آلاف دورة في زحام. فالأسطوانة الواحدة سيدة المدينة بلا منازع: خفيفة نحيفة فورية العزم واقتصادية. والتوأم المتوازي بزاوية 270 يليها لمن يخرج من المدينة أحياناً.
وفي السياحة على الطريق السريع، عدوّك الأول الاهتزاز. فبعد ثلاث ساعات يجعل المحرّك الطنّان يديك وقدميك مخدَّرة، وهذا مُتعِب وخطير معاً. تحتاج محرّكاً متوازناً وعزماً في المدى المتوسّط يتيح لك تجاوز شاحنة من مئة إلى مئة وعشرين بلفّة واحدة في الغيار السادس بلا تنزيل. والبوكسر تخصّص هذا الميدان، والرباعي في نسخته السياحية أسلسها، مثل Kawasaki Versys 1000، وهو في هذه النسخة مضبوط ليعطي عزمه في المدى المتوسّط لا في القمّة كالدراجة الرياضية. والتوأم على شكل V يقدّم عزمه وصوته المريح لمسافات طويلة.
وعلى الحلبة تسيطر القوة الحصانية على القرار كلّه، لأنّك تعيش في نطاق الدورات العالية بين عشرة آلاف وأربعة عشر ألفاً ولا يعنيك أنّ المحرّك ميّت عند أربعة آلاف. فالرباعي المتراصف سيد الحلبات، والتوأم على شكل V عند دوكاتي يقدّم لكمة عزم ممتازة للخروج من المنعطف مع قوة تنافسه في المستقيم. أمّا على الطرق الوعرة فالأداء يعني التحكّم قبل السرعة: تحتاج وزناً خفيفاً وعزماً فورياً تديره بدقّة لتحفظ التماسك على سطح زلق ولترفع العجلة فوق صخرة، وطفرة القوة المفاجئة هنا كارثة. فالأسطوانة الواحدة خيار الوعر الحقيقي، والتوأم المتوازي صار الغالب على دراجات المغامرات مثل تينيري 700، لأنّه يملك عزماً كافياً للوعر وسلاسة كافية للطريق الذي يوصلك إليه.
القلب يحتاج من يُبقيه حياً
صارت الصورة أوضح: عرفتَ كيف يصنع المحرّك قوّته من أربعة أشواط لا يولّد القوة منها إلّا واحد، وكيف تُقرأ أرقامه، ومن أين تأتي شخصيته. لكنّ سؤالاً حيوياً بقي معلّقاً. فهذه الانفجارات التي تقع آلاف المرّات في الدقيقة تولّد عدوّين فوريين: احتكاكاً هائلاً بين المعادن، وحرارة تكفي لصهرها.
فكيف يبقى هذا القلب حياً؟ في المقال القادم أدخل إلى أنظمة دعم الحياة: الزيت الذي يجري فيه ويستحقّ دليل الزيت وقفةً خاصة، والتبريد الذي يطرد حرارته إلى الهواء. وإلى ذلك الحين، قُد بأمان.
المصادر
- موسوعة بريتانيكا (Encyclopaedia Britannica)، مادة «Four-stroke cycle»: مراحل دورة الأشواط الأربعة في محركات الاحتراق الداخلي، وأنّ شوط القوة وحده هو المولِّد للعمل.
- ياماها موتور العالمية (Yamaha Motor)، صفحة «Crossplane Crankshaft»: فلسفة أعمدة المرفق غير المتساوية الإشعال، وزاوية 270 درجة في التوأم المتوازي، وما تنسبه الشركة إليها من تحسين إحساس الدرّاج بتماسك الإطار الخلفي.
- مجلة Cycle World، «Yamaha’s Crossplane Crankshaft»: ترتيب الإشعال غير المتساوي في محركات التوأم على شكل V وعلاقته بالصوت والعزم.
- ياماها موتور، المواصفات الرسمية لدراجة MT-07: توأم متوازي بزاوية 270 درجة، 73.4 حصاناً عند 8,750 دورة و67 نيوتن متر عند 6,500 دورة، وهي أرقام مقيسة عند عمود المرفق؛ وقياسات الأجهزة عند العجلة الخلفية تنزل بها إلى نحو 66 حصاناً.
- المواصفات التقنية لدراجة Yamaha YZF-R6: رباعية متراصفة، نحو 123 حصاناً عند 14,500 دورة، وخطّ أحمر عند 16,000 دورة. وتتفاوت الأرقام المعلنة بين سنوات الطراز بين 123 و129 حصاناً، فالرقم المنقول عن الطراز يجب أن يُنسب إلى سنته.
- الاتحاد الأوروبي، التوجيه 2006/126/EC بشأن رخص القيادة، المطبَّق في الدول الأعضاء منذ 19 كانون الثاني 2013: الفئة A1 لا تتجاوز 125 سنتيمتراً مكعّباً و11 كيلوواط ونسبة 0.1 كيلوواط لكل كيلوغرام؛ والفئة A2 لا تتجاوز 35 كيلوواطاً ونسبة 0.2 كيلوواط لكل كيلوغرام، ولا تُقبل فيها دراجة مشتقّة من طراز تفوق قوّته 70 كيلوواطاً.