في المقالين السابقين تعرّفت على أداتين مجّانيتين من جوجل: GA4 لما يفعله الزائر بعد وصوله، وSearch Console لما يحدث في صفحة النتائج قبل النقرة. وهما نواة صندوق أدواتك، لكن ليسا كلّه. حول هاتين تدور أدواتٌ أخرى: للتحليل الفوريّ، وللتدقيق التقنيّ، ولبحث المنافسين. والمبتدئ يغرق عادةً في هذا الزحام، فيظنّ أنّ عليه شراء اشتراكاتٍ باهظة قبل أن يكتب أوّل مقال.
سأرتّب لك هذا الصندوق في هذا المقال: ما الذي تحتاجه فعلًا اليوم وهو غالبًا مجّانيّ، وما الذي تؤجّله حتى يكبر موقعك وتكبر أسئلتك. سأبدأ بأدوات جوجل المجّانية، ثمّ إضافات المتصفّح للتحليل السريع، ثمّ زاحفٌ واحدٌ للتدقيق التقنيّ، ثمّ المنصّات المدفوعة الشاملة ومتى تستحقّ مالك. الفكرة الجامعة التي أريدك أن تخرج بها: أنت من يقود الأداة، لا العكس؛ والأداة الغالية لا تصنع خبيرًا، بل تسرّع خبيرًا موجودًا.
القاعدة قبل الأدوات: لا تشترِ ما لا تحتاجه بعد
أكثر ما يُنفَق في السيو بلا داعٍ هو اشتراكاتٌ في منصّاتٍ ضخمة يفتحها صاحبها مرّةً في الشهر. الحقيقة التي تخفيها قوائم «أفضل 30 أداة» المنتشرة: أدوات جوجل المجّانية وحدها، مع زاحفٍ واحد، تغطّي معظم ما يحتاجه موقعٌ صغيرٌ أو متوسّط في سنته الأولى. المنصّات المدفوعة تتألّق في تحليل المنافسين وحجم السوق، وهذا عملٌ متقدّمٌ تصل إليه لاحقًا، لا في يومك الأوّل. فابنِ من الأسفل: أتقن المجّانيّ أوّلًا، ولا تدفع إلا حين تصطدم بسؤالٍ لا يجيب عنه المجّانيّ.
أرى هذا الخطأ يتكرّر: مبتدئٌ يدفع مئةً وخمسين دولارًا شهريًّا لمنصّةٍ شاملة قبل أن ينشر عشرة مقالات، ثمّ يفتحها ليطالع «درجة سلطةٍ» لا تتحرّك ويشعر أنّه يعمل. الأداة الغالية تُشعِرك بالإنجاز وأنت واقف. والمال نفسه لو صُرف على محتوًى أعمق أو على وقتك لكان أنفع. لا تجعل شراء أداةٍ بديلًا نفسيًّا عن العمل الحقيقيّ.
الطبقة الأولى: أدوات جوجل المجّانية
هذه أساس كلّ شيء، ومصدرها هو جوجل نفسه، فبياناتها عن موقعك أصدق من أيّ تقديرٍ خارجيّ. فرغتُ من أهمّها في مقالين مستقلّين، فأكتفي هنا بموضعها من الصندوق: Search Console لأداء موقعك في البحث وصحّة فهرسته، وGA4 لسلوك زوّارك بعد الوصول.[9] أمّا البقيّة فهذه أهمّها:
- مخطّط الكلمات المفتاحية (Keyword Planner): جزءٌ من Google Ads، يعطيك أفكار كلماتٍ وأحجام بحثٍ تقريبية. عيبه أنّه يعرض الأرقام في نطاقاتٍ واسعة (مثلًا «من ألفٍ إلى عشرة آلاف») لمن لا ينفق على الإعلانات، لكنّه يبقى مصدرًا مجّانيًّا من جوجل لفهم الطلب.[1]
- مؤشّرات جوجل (Google Trends): لا يعطيك أرقامًا مطلقة، بل اتّجاهًا نسبيًّا عبر الزمن. لا يُضاهى في سؤالٍ واحد: هل هذا الموضوع يصعد أم يهبط؟ وهل هو موسميّ؟ ويقارن كلمتين ويكشف اهتمامًا حسب المنطقة، وهذا نفيسٌ للمحتوى العربيّ المتفاوت بين البلدان.[2]
- رؤى سرعة الصفحة (PageSpeed Insights): يقيس أداء صفحةٍ بعينها، ويجمع بين بيانات ميدانيّةٍ حقيقيّة من مستخدمي كروم وتحليلٍ مخبريّ من Lighthouse، ثمّ يعطيك توصياتٍ عملية لتحسين مؤشّرات أداء الويب التي شرحتها في مقالها.
- اختبار النتائج الغنية (Rich Results Test): يتحقّق من بياناتك المنظّمة (Schema) وهل هي مؤهّلةٌ لنتيجةٍ غنية، وهو المرجع بعد أن تقاعدت أداة اختبار البيانات المنظّمة القديمة.[3]
- الملف التجاريّ في جوجل (Google Business Profile): مجّانيّ، وأساسٌ لا غنى عنه إن كان لك نشاطٌ محلّيّ يظهر على الخرائط، وقد فصّلته في مقال السيو المحلّي. أمّا مدوّنةٌ خالصة فلا يعنيها.
- أدوات مشرفي مواقع Bing (Bing Webmaster Tools): مجّانيّةٌ أيضًا، ونظيرة Search Console لمحرّك Bing، وتستورد مواقعك من Search Console بنقرة. لا تهملها؛ فحصّة Bing تكبر مع اندماجه في مساعدات الذكاء الاصطناعيّ، وأدواته تقدّم بحث كلماتٍ لا بأس به مجّانًا.[4]
وسرّ هذه الطبقة أن تشغّلها معًا لا منفردة. مثالٌ عمليّ: تريد الكتابة عن «عروض رمضان». يعطيك مخطّط الكلمات فكرةً عن حجم الطلب ومرادفاته، لكنّ مؤشّرات جوجل تكشف ما لا يكشفه: أنّ الاهتمام موسميّ يشتعل قبل رمضان بأسابيع ثمّ يخبو، فتعرف متى تنشر لا ماذا تنشر فقط. ثمّ تنشر، فيخبرك Search Console بالكلمات الفعلية التي جاءك بها الناس، وقد تفاجئك بمرادفاتٍ لم تخطر لك. هكذا تكمّل الأدوات المجّانية بعضها: تقديرٌ للطلب، فتوقيتٌ للنشر، فحقيقةٌ بعد النشر.
لو لم تملك سوى هذه الطبقة، لكان عندك ما يكفي لتشخيص موقعٍ ناشئ بالكامل: تعرف كلماتك، وسرعتك، وفهرستك، وسلوك زوّارك، بلا دفع ريالٍ واحد.
الطبقة الثانية: إضافات المتصفّح للتحليل الفوريّ
هذه أدواتٌ تفتحها عشرات المرّات يوميًّا لتشخيص أيّ صفحةٍ أمامك، صفحتك أو صفحة منافس، بلا تقاريرَ ضخمة. وهنا أعترف بتحيّزٍ صريح: بعد سنواتٍ من فتح خمس إضافاتٍ لفهم صفحةٍ واحدة (واحدةٌ للعناوين، وأخرى للروابط، وثالثةٌ للبيانات المنظّمة)، بنيتُ إضافتي الخاصّة Full SEO Page Analyzer لتجمعها في نقرةٍ واحدة: وسوم العنوان والوصف بطولها المثاليّ، وهرميّة العناوين وأخطاؤها، والروابط الداخلية والخارجية مع كشف المعطوب منها، والصور ونصوصها البديلة، والبيانات المنظّمة، ووسوم المشاركة الاجتماعية، ولمحةٌ عن مؤشّرات الأداء. أستعملها بنفسي كنقطة انطلاقٍ لكلّ تحليلٍ سريع.
وإلى جانبها إضافتان مفيدتان: SEOQuake تحقن شريط بياناتٍ تحت كلّ نتيجةٍ في صفحة البحث، فتقيس المنافسة على كلمةٍ بلمحة بصر (كم موقعًا قويًّا يزاحمك؟)، لكن انتبه إلى أنّ مقاييسها كـ«سلطة النطاق» تقديراتٌ من مزوّدها لا أرقامٌ من جوجل. وSEO Search Simulator تريك نتائج البحث كما تظهر في بلدٍ ولغةٍ أخرى، وهي حيويّةٌ للسيو الدوليّ: إن استهدفت جمهورًا في لندن وأنت في الرياض، فبحثك المعتاد يريك نتائج السعودية لا نتائجهم.
ونصيحةٌ في استعمال هذه الإضافات: صدّق ما تفحصه في الصفحة نفسها (العناوين، الروابط، البنية) فهو حقيقةٌ ماثلة، وتحفّظ على ما تقدّره عن مواقع الآخرين (زياراتهم وسلطتهم) فهو تخمينٌ من طرفٍ ثالث. الإضافة أداة فحصٍ سريع لا مصدر حقيقةٍ نهائيّ، ومكانها الطبيعيّ أوّل التحليل لا آخره؛ تلفت نظرك إلى ما يستحقّ التعمّق، ثمّ تنتقل إلى الأدوات الأعمق.
الطبقة الثالثة: زاحفٌ واحدٌ للتدقيق التقنيّ
إضافات المتصفّح تحلّل صفحةً أنت فاتحها، أمّا الزاحف فيمرّ على موقعك كلّه كما يفعل Googlebot، فيكشف ما لا تراه بالعين: مئات العناوين المكرّرة، والروابط المعطوبة، والصفحات المحجوبة بالخطأ، والصفحات اليتيمة التي لا رابط داخليّ يشير إليها. وهذه مهمّةٌ مستحيلةٌ يدويًّا على موقعٍ كبير.
المعيار الذهبيّ هنا Screaming Frog SEO Spider، وهو برنامجٌ تثبّته على حاسوبك، مجّانيّ حتى 500 رابط (تكفي موقعًا صغيرًا)، ثمّ برخصةٍ سنويّةٍ لما فوقها تفتح التصيير الكامل والربط بأدوات جوجل؛ وله مقالٌ مخصّصٌ لاحقًا في السلسلة.[5] وبما أنّي أعمل غالبًا على أجهزة تحترم الخصوصية وتبقي البيانات محليّة، بنيتُ زاحفي الخاصّ Crawlix: أداة سطح مكتبٍ لويندوز ولينكس، تزحف الموقع محليًّا (لا ترفع بياناتك إلى سحابةٍ ما)، وتعطيك أكثر من مئة فحصٍ فنّيّ ودرجة صحّةٍ عامّة، مع اهتمامٍ خاصّ بمدى وضوح موقعك لزواحف الذكاء الاصطناعيّ.[6] وهناك بدائل محترمةٌ أخرى كـSitebulb تضيف تصوّرًا بصريًّا للبنية وشروحًا للمشكلات.
وأوّل زحفٍ للموقع تجربةٌ كاشفة؛ فما أن ينتهي حتى ترى بعينك ما كان مخفيًّا. ابحث تحديدًا عن خمسة أشياء: الروابط المعطوبة التي تعيد رمز 404، وسلاسل التحويل الطويلة (رابطٌ يحوّل إلى آخر يحوّل إلى ثالث) التي تبدّد ميزانية الزحف، والعناوين والأوصاف المكرّرة أو المفقودة، والصفحات التي تحمل noindex بالخطأ فتحجب نفسها، والصفحات اليتيمة التي لا رابط داخليّ يشير إليها فيصعب على جوجل اكتشافها. أصلح هذه الخمسة، وتكون قد رفعت صحّة موقعك التقنية أكثر ممّا يرفعها شهرٌ من التدوين.
وحين يخبرك زاحفٌ أو Search Console أنّ صفحةً «بطيئة»، تحتاج أداةً تقول لك لماذا: هنا يأتي PageSpeed Insights أو GTmetrix بمخطّط «الشلال» (Waterfall) الذي يعرض تحميل كلّ ملفٍّ لحظةً بلحظة، فتمسك المتسبّب في البطء بيدك: صورةٌ ضخمة؟ ملفّ JavaScript ثقيل؟ خادمٌ بطيء الاستجابة؟
الطبقة الرابعة: المنصّات المدفوعة الشاملة
هنا يحسن أن تعرف الحدّ الذي يقف عنده المجّانيّ: أدوات جوجل تريك بياناتك أنت فقط. تخبرك بكلماتك ومنافذك وسرعتك، لكنّها لا تكشف لك كلمات منافسك ولا روابطه ولا صفحاته الأعلى أداءً، لأنّ جوجل لا يشارك بيانات موقعٍ مع صاحب موقعٍ آخر. هذا بالضبط ما يملؤه الطرف الثالث: المنصّات الكبرى تزحف الويب كلّه لتقدّر لك ما يفعله غيرك. فإن لم يكن تحليل المنافسين من همّك بعد، فالمجّانيّ يكفيك؛ وإن صار همًّا يوميًّا، فهنا يبدأ معنى الدفع.
حين تنضج وتحتاج تحليلًا تنافسيًّا عميقًا، تدخل المنصّات الكبرى. وهي استثمارٌ حقيقيّ، إذ تبدأ أسعارها عادةً من نحو مئة دولارٍ شهريًّا فأكثر، فلا تشترك بها قبل أن تعرف بالضبط ما ستسأله. أهمّها:
- Semrush: الأشمل، تجمع بحث الكلمات وتحليل المنافسين (كلماتهم العضوية وصفحاتهم الأعلى وإعلاناتهم) وتدقيق الموقع وتحليل الروابط في مكانٍ واحد. أداةٌ أعتمد عليها شخصيًّا، ولها مقالٌ مخصّصٌ في السلسلة.
- Ahrefs: بنت سمعتها على التفوّق في مجالٍ واحد هو الأهمّ خارج الصفحة: الروابط الخلفية، بأحد أكبر الفهارس الحيّة وأنشطها. وأداتا «تقاطع الروابط» و«مستكشف المحتوى» فيها ذهبٌ لبناء الروابط. ولها بابٌ مجّانيٌّ يغفله الأكثرون: «أدوات مشرفي مواقع Ahrefs» (AWT) تمنحك مجّانًا تدقيقًا لموقعك أنت وتحليل روابطه بعد إثبات ملكيته، وإن لم تكشف لك بيانات المنافسين كالباقة المدفوعة.[7]
- Moz: أقدم الأسماء، ومنها جاء مقياس «سلطة النطاق» (Domain Authority) الشهير. وله أدواتٌ مجّانيّةٌ مفيدةٌ كشريط MozBar ومستكشف الروابط بحدٍّ مجّانيّ.
- Ubersuggest: خيار الميزانية الضيّقة. أرخص وأقلّ عمقًا من سابقاتها، لكنّه يتميّز بعرضٍ نادرٍ في هذا السوق: دفعةٌ واحدة مدى الحياة بدل اشتراكٍ شهريّ، وهذا يناسب المستقلّ ذا الميزانية المحدودة.
ولا تحتاج الاشتراك في أكثر من واحدةٍ لتنجح، خاصّةً في البداية؛ كلٌّ منها قويّةٌ بما يكفي لتكون أداتك الأساسية. ولو سألتني عن نقطة انطلاقٍ واحدة لرشّحت Semrush لشمولها. لكن كن صادقًا مع نفسك في معنى «مجّانيّ» هنا: الحساب المجّانيّ في Semrush وAhrefs ليس نسخةً مصغّرةً من المنتج، بل عرضٌ محدودٌ ببضع عمليّات بحثٍ يوميًّا لتذوّق الواجهة لا للعمل الجادّ. فإن سمعت من يسمّيها «أدوات مجّانية»، فاعلم أنّ المجّانيّ الحقيقيّ هو أدوات جوجل وAWT، أمّا هذه فمدفوعةٌ بواجهةٍ تجريبية.
ونقطةٌ تصحّح خطأً شائعًا يكرّره معظم المواقع العربية: «سلطة النطاق» (DA) من Moz و«تقييم النطاق» (DR) من Ahrefs و«درجة السلطة» من Semrush مقاييس ابتكرتها هذه الشركات لتقريب قوّة الموقع، وليست عوامل ترتيبٍ عند جوجل ولا تعرفها جوجل أصلًا؛ تقول Moz ذلك صراحةً عن مقياسها.[8] استعملها للمقارنة النسبيّة بينك وبين منافسٍ، لا بوصفها درجةً رسميّةً من محرّك البحث تسعى لرفعها.
وستسمع في 2026 عن ميزات ذكاءٍ اصطناعيّ أضافتها هذه المنصّات: تتبّع ظهورك في «نظرات جوجل العامّة» (AI Overviews) وإجابات محرّكات الذكاء الاصطناعيّ، ومساعدات كتابة. تعامل معها بهدوء: القيمة الجديدة الحقيقية هي قياس هل تُستشهَد صفحاتك في تلك الإجابات، لا وعودٌ بأنّ «الذكاء الاصطناعيّ سيرتّبك». وأمّا مولّدات المحتوى فمساعِدةٌ لا استراتيجية، وأرقامها تبقى تقديرات. سأفرد لهذا الباب مقال الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعيّ لاحقًا في السلسلة.
قاعدةٌ تحكم كلّ أداةٍ خارجية: بوصلة لا نظام تموضع
بيانات Semrush وAhrefs وأمثالهما ليست حقائق مطلقة، بل تقديراتٌ ذكيّة. الجهة الوحيدة التي تملك أرقامك الحقيقية عن أدائك في جوجل هي جوجل عبر Search Console؛ أمّا المنصّات الخارجية فتزحف الويب، وتشتري بيانات سلوكٍ من أطرافٍ ثالثة، وتطبّق خوارزمياتها الخاصّة لتقدّر حجم البحث والزيارات والصعوبة. لذلك تختلف أرقامها من أداةٍ لأخرى، وتختلف عن Search Console، وهذا طبيعيّ لا خطأ.
فتعامل معها بوصفها بوصلةً تعطيك الاتّجاه الصحيح والصورة العامّة، لا نظام تموضعٍ يحدّد موقعك بالمتر. اسألها الأسئلة التي تجيدها: أهذه الكلمة في صعود؟ أهذا المنافس أقوى منّي في الروابط؟ أين فجوة المحتوى التي أسدّها؟ ولا تسألها عن رقمٍ مطلقٍ لتبني عليه قرارًا مصيريًّا؛ لذلك ارجع إلى بياناتك الأولى في جوجل. وأوضح دليلٍ على هذا أن تفحص كلمةً واحدةً في ثلاث أدوات، فتراها تعطيك ثلاثة أحجام بحثٍ مختلفة؛ لا لأنّ إحداها كاذبة، بل لأنّ كلًّا يقدّر بنموذجه. القيمة في اتّفاقها على الاتّجاه، لا في تطابقها على الرقم.
ومتى تدفع فعلًا؟ حين تصطدم بسقفٍ لا يتجاوزه المجّانيّ، لا قبله. علاماتٌ ثلاث تخبرك أنّك نضجت للاشتراك: أن تعمل على مواقع عملاءَ لا موقعك وحده فتحتاج مقارنةً منتظمة، أو أن يصير تحليل المنافسين جزءًا يوميًّا من عملك (وأدوات جوجل لا تريك بيانات غيرك)، أو أن يكبر موقعك حتى يتجاوز حدّ الزحف المجّانيّ وتحتاج مراقبةً آليّةً مجدولة. قبل هذه العلامات، الاشتراك ترفٌ يستنزف ميزانيتك دون أن يحرّك ترتيبك.
وماذا عن إضافات ووردبريس؟
إن كان موقعك على ووردبريس، فستسمع كثيرًا عن Yoast SEO وRank Math. وهما إضافتان تسهّلان أعمالًا حقيقية: كتابة وسوم العنوان والوصف، وتوليد خريطة الموقع، وإضافة البيانات المنظّمة، والتحكّم في noindex، وإدارة التحويلات والروابط الأساسية. والفرق بينهما عمليّ: Rank Math يفتح في نسخته المجّانية ميزاتٍ أكثر (كلماتٌ مفتاحيّةٌ متعدّدةٌ للصفحة وأنواع سكيما أوسع)، بينما يحتجز Yoast بعضها لباقته المدفوعة كمدير التحويلات واقتراح الروابط الداخلية. اختر واحدةً فقط، فلا معنى لتشغيلهما معًا.
لكن افهم حدّها بوضوح: هي لا «تفعل السيو» عنك، ولا نجمة خضراء فيها تعني ترتيبًا؛ إنّما تضع بين يديك مقابض التحكّم، ويبقى الحكم والمحتوى عليك. وهي اختياريّة لا فرض؛ هذا الموقع نفسه لا يستعمل أيًّا منها، بل يعتمد طبقة سيو مكتوبةً يدويًّا في قالبه، وهي بديلٌ صحيحٌ بل أنظف أحيانًا حين تملك التحكّم في الشيفرة. اختر الإضافة إن أردت الراحة، ولا تظنّ أنّك تشتري ترتيبًا.
أيّ أداةٍ لأيّ مهمّة؟
بدل أن تحفظ الأدوات، اربط كلّ واحدةٍ بالمهمّة التي تخدمها من أركان السيو التي مرّت بك في السلسلة:
- بحث الكلمات ونيّة البحث: مخطّط الكلمات ومؤشّرات جوجل مجّانًا، وSemrush أو Ubersuggest حين تحتاج عمقًا وبيانات منافسين.
- السيو داخل الصفحة: إضافة تحليلٍ فوريّ في المتصفّح (كإضافتي Full SEO Page Analyzer) لفحص العناوين والوصف والبنية والصور.
- السيو التقنيّ: زاحفٌ واحد (Screaming Frog أو Crawlix) للبنية والروابط، وPageSpeed Insights لتشخيص السرعة.
- السيو خارج الصفحة والروابط: تقرير الروابط في Search Console للحقيقة، وAhrefs (أو AWT مجّانًا لموقعك) للتحليل الأعمق.
- القياس والمتابعة: Search Console وGA4 معًا، وهما المرجع النهائيّ لأنّهما بياناتٌ حقيقيّةٌ لا تقديرات.
لاحظ أنّ كلّ مهمّةٍ لها بابٌ مجّانيّ يكفي للبداية، وبابٌ مدفوعٌ يفتحه العمق. ابدأ بالمجّانيّ في كلّ صفٍّ، وارتقِ حين يعجز عن سؤالك.
جرّبه بنفسك: جهّز حزمتك المجّانية اليوم
لا تنتظر ميزانية. في جلسةٍ واحدة اليوم: فعّل Search Console وأثبت ملكيتك، واربطه بـGA4. ثبّت إضافة تحليلٍ فوريّ في متصفّحك، وشغّل PageSpeed Insights على صفحتك الرئيسية وسجّل مؤشّراتها. ثمّ نزّل زاحفًا (النسخة المجّانية من Screaming Frog أو Crawlix) وازحف موقعك، وأصلح أوّل مشكلةٍ يكشفها: رابطٌ معطوبٌ أو عنوانٌ مكرّر. بهذه الحزمة المجّانية وحدها تكون قد سبقت أكثر أصحاب المواقع الذين يملكون أدواتٍ باهظةً ولا يفتحونها.
ثمّ اجعلها عادةً لا حدثًا. راجع Search Console أسبوعيًّا نظرةً سريعة، وأعد زحف موقعك شهريًّا لتلتقط ما استجدّ من روابط معطوبةٍ أو صفحاتٍ يتيمة. وصدّر بياناتك المهمّة بين الحين والحين واحفظها عندك؛ فـSearch Console لا يبقي إلا آخر 16 شهرًا كما بيّنت في مقاله، والأدوات تتغيّر وتُغلَق، أمّا سجلّك الخاصّ فيبقى. من يملك تاريخ بياناته يرى الاتّجاه الطويل الذي لا تراه أداةٌ تبدأ العدّ من يوم اشتراكك فيها.
من امتلاك الأدوات إلى إتقانها
علاقتك بأدواتك تنضج على مراحل. في البداية تتبع توصياتها: تشخّص لك «Site Audit» المشكلات وتعطيك قائمة مهام، وهذا يبني فهمك. ثمّ تبدأ تشكّك وتقارن: تلاحظ أنّ تقديرات أداةٍ تخالف أخرى وكلتيهما تخالف Search Console، فتستعمل عدّة مصادرَ معًا. وأخيرًا تقود أنت: تبدأ بفرضية («أظنّ تراجُع ترتيبي سببه بطء عرض المحتوى في صفحات المنتجات»)، ثمّ تختار الأداة التي تختبرها. عندها لم تعد مشغّل أدوات، بل محلّلًا تصير الأدوات امتدادًا لفكره. الأدوات تتغيّر، لكنّ القدرة على طرح السؤال الصحيح تبقى.
وهذا سرٌّ يغفله من يجمع الأدوات ولا يجمع المعرفة: مخرَج الأداة لا يساوي شيئًا إن لم تفهم الركن الذي تقيسه. حين يقول الزاحف «سلسلة تحويلٍ طويلة» فأنت تعرف لماذا تضرّ لأنّك قرأت مقال السيو التقنيّ؛ وحين تريك أداةٌ «كلماتٍ بنيّةٍ تجاريّة» فأنت تميّزها لأنّك فهمت نيّة البحث في مقال بحث الكلمات. الأداة ترصد الأعراض، والمعرفة تقرأ التشخيص. لذلك تبقى مقالات هذه السلسلة، لا الأدوات، هي أساسك؛ والأداة تسرّع من يفهم، ولا تُفهِّم من لا يعرف.
جهّزت صندوقك الآن، وعرفت المجّانيّ الذي تبدأ به والمدفوع الذي تؤجّله. لكنّ أقوى أداةٍ في الصندوق تستحقّ وقفةً وحدها: الزاحف. في المقال التالي، دليل Screaming Frog، أنزل معك إلى تفاصيل استعماله خطوةً خطوة، من أوّل زحفٍ إلى قراءة تقاريره واستخراج قائمة إصلاحاتٍ منها.
المصادر
- Google Ads Help: About Keyword Planner. أنّه يعرض أحجام البحث في نطاقاتٍ لغير المنفقين، وأنّه أداةٌ لأفكار الكلمات.
- Google: About Google Trends data. أنّ البيانات نسبيّةٌ لا مطلقة، تقيس الاهتمام عبر الزمن والمنطقة.
- Google Search Central: About PageSpeed Insights. الجمع بين بيانات CrUX الميدانيّة وتحليل Lighthouse المخبريّ.
- Google Search Central: Rich Results Test. المرجع الحاليّ للتحقّق من البيانات المنظّمة بعد تقاعد أداة SDTT.
- Microsoft: Bing Webmaster Tools. أداةٌ مجّانيّةٌ نظيرة Search Console لمحرّك Bing، مع بحث كلماتٍ مجّانيّ.
- Screaming Frog: SEO Spider. برنامج سطح مكتب، مجّانيّ حتى 500 رابط ثمّ برخصةٍ سنويّة.
- Crawlix: crawlix.app. زاحف سيو محليّ لسطح المكتب (ويندوز/لينكس) يحترم الخصوصية، بأكثر من مئة فحصٍ ودرجة صحّة. (أداةٌ من تطويري.)
- Moz: What is Domain Authority?. تصريح Moz بأنّ DA مقياسها هي، وليس عامل ترتيبٍ تستعمله جوجل.
- Google Search Central: Search Console وGA4. الأداتان المجّانيّتان الرسميّتان لأداء البحث وسلوك الزوّار.