محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

02من 22

تحسين محركات البحث

كيف تعمل محركات البحث: من الزحف إلى صفحة النتائج

تكتب سؤالًا في جوجل وتضغط «بحث»، فتظهر أمامك عشرة روابطَ في أقلّ من نصف ثانية. لكنّ جوجل لم يذهب ليبحث في الإنترنت لحظتها؛ فالإنترنت أكبر من أن يُمسَح في لمح البصر. ما حدث أنّه بحث في نسخةٍ منظّمةٍ من الويب بناها مسبقًا. فهم كيف بنى هذه النسخة وكيف يرتّبها هو أساس السيو كلّه، وهو ما سأشرحه هنا.

سأتتبّع مسار صفحتك في ثلاث مراحل كما تصفها جوجل نفسها: الزحف، فالفهرسة، فتقديم النتائج (وفيه يقع الترتيب). ثمّ كيف «تحدّث» المواقعُ محركاتِ البحث، ولمحةٌ عن أشهرها، وأشهر الخرافات التي يجب أن تنساها. الفكرة الجامعة: محرّك البحث ليس سحرًا، بل آلةٌ منهجيّةٌ تكتشف وتفهم وترتّب؛ ومن فهم منطقها كفّ عن مطاردة الحيل وبدأ يعمل مع الآلة لا ضدّها.

ما محرّك البحث، وما مهمّته؟

محرّك البحث برنامجٌ مهمّته أن يجد لك أنسب إجابةٍ من بين مليارات الصفحات في أسرع وقت. ولتحقيق هذا، لا يبحث لحظة سؤالك في الويب الحيّ، بل يعمل على مرحلتين منفصلتين زمنيًّا: مرحلةٌ طويلةٌ مستمرّةٌ في الخلفية يبني فيها «فهرسًا» ضخمًا (نسخةً منظّمةً من الويب)، ومرحلةٌ لحظيّةٌ عند سؤالك يمسح فيها هذا الفهرس ويرتّب نتائجه. تخيّله أمين مكتبةٍ عملاقة: لا يقرأ كلّ الكتب حين تسأله، بل يكون قد فهرسها سلفًا، فيدلّك على رفّها في ثانية. ولولا هذا الفهرس المُعَدّ سلفًا لاستحال البحث الفوريّ؛ فلا أحد يستطيع مسح تريليونات الصفحات في نصف ثانية. السرّ إذن أنّ العمل الشاقّ يحدث قبل سؤالك بوقتٍ طويل، فلا يبقى للحظة السؤال إلا مسح فهرسٍ جاهزٍ وترتيبه.

وتصف جوجل عملها في ثلاث مراحل: الزحف (Crawling)، والفهرسة (Indexing)، وتقديم النتائج (Serving) الذي يقع فيه الترتيب.[1] والشائع في المقالات أن تُذكَر أربع مراحلَ بفصل الترتيب عن التقديم، وهو تبسيطٌ تعليميّ لا بأس به، لكنّ جوجل تعدّ الترتيب جزءًا من التقديم. لنمشِ في المراحل الثلاث واحدةً واحدة.

المرحلة الأولى: الزحف

الزحف هو اكتشاف الصفحات. يملك جوجل برنامجًا يُسمّى Googlebot يجوب الويب دائمًا، يبدأ من صفحاتٍ يعرفها، ويتتبّع كلّ رابطٍ فيها إلى صفحاتٍ جديدة، فيوسّع دائرة ما يعرفه من الويب باستمرار. ولهذا كانت الروابط مهمّةً: صفحةٌ لا يشير إليها أيّ رابطٍ يصعب على جوجل اكتشافها (تُسمّى «صفحةً يتيمة»). وتساعده أيضًا خريطة الموقع (sitemap) التي تقدّم له قائمةً بصفحاتك المهمّة.[2]

وما الذي يعين الزاحف أو يعطّله؟ يعينه بناءٌ داخليٌّ مترابط (كلّ صفحةٍ مهمّةٍ يشير إليها رابطٌ من صفحةٍ أخرى)، وخادمٌ سريعٌ لا يتعثّر تحت طلباته، وروابطُ نظيفةٌ لا تنتهي إلى صفحات خطأ. ويعطّله العكس: صفحاتٌ معزولةٌ لا رابط إليها، وسلاسل تحويلٍ طويلة، وخادمٌ بطيءٌ يردّه، وحجبٌ بالخطأ في robots.txt. لذلك أوّل ما يفعله خبير السيو التقنيّ أن يسهّل على الزاحف طريقه، فما لا يُزحَف لا يُفهرَس، وما لا يُفهرَس لا يُرتَّب أبدًا، مهما بلغت جودته.

وثمّة مفهومٌ يقلق كثيرين بلا داعٍ: «ميزانية الزحف» (crawl budget)، أي عدد الصفحات التي يزحفها جوجل من موقعك في مدّةٍ ما. الحقيقة كما تقولها جوجل: معظم المواقع لا تحتاج التفكير فيها إطلاقًا؛ إنّما تهمّ المواقع الضخمة (مئات الآلاف من الصفحات) أو التي تتغيّر يوميًّا بكثافة. فإن كان موقعك صغيرًا أو متوسّطًا، وجّه قلقك إلى جودة المحتوى لا إلى الميزانية.[3]

والزحف ليس زيارةً واحدةً ثمّ ينسى؛ بل يعيد جوجل زيارة صفحاتك دوريًّا ليلتقط تحديثاتها، ويتفاوت معدّل إعادة الزيارة بحسب أهمّية الصفحة وتواتر تغيّرها: صفحةٌ إخباريّةٌ تتغيّر يوميًّا تُزار أكثر من صفحةٍ ثابتةٍ لم تُلمَس منذ سنة. فإن حدّثت محتوًى مهمًّا، قد يمرّ وقتٌ قبل أن يلتقط جوجل التغيير، وهذا طبيعيّ. لا تحكم على تحديثك بعد ساعة، بل امنح الزاحف وقته.

وقبل أن ينتقل جوجل إلى الفهرسة، يقوم بخطوةٍ حاسمةٍ في الويب الحديث: التصيير (Rendering). كثيرٌ من المواقع اليوم تُبنى بأطر JavaScript ترسل صفحةً شبه فارغةٍ ثمّ يبني المتصفّح محتواها. لذلك يشغّل جوجل نسخةً من متصفّح كروم لينفّذ الشيفرة ويرى الصفحة كما يراها المستخدم النهائيّ. وقد صار هذا التصيير سريعًا (بمتوسّط ثوانٍ قليلةٍ عادةً)، لكنّه يبقى خطوةً مستهلِكةً للموارد؛ فإن اعتمد موقعك كلّيًّا على JavaScript في عرض محتواه، فقد يتأخّر ظهوره أو يضيع بعضه إن أخفق التصيير.[4]

ولهذا أثرٌ عمليّ مهمّ لمن يبني بمواقع التطبيق أحاديّة الصفحة (SPA): إن كان المحتوى المهمّ لا يظهر إلا بعد تنفيذ الشيفرة، فأنت تراهن على نجاح التصيير في كلّ مرّة. والأسلم أن تقدّم المحتوى الأساسيّ في HTML الأوّليّ قدر الإمكان (بالعرض من الخادم أو التوليد المسبق)، فلا تترك فهم صفحتك رهينًا بخطوةٍ قد تتعثّر. الموقع البسيط الذي يرسل محتواه جاهزًا أيسر على المحرّك من الموقع الذكيّ الذي يبنيه في المتصفّح.

المرحلة الثانية: الفهرسة

بعد أن يزحف جوجل صفحةً ويصيّرها، يحاول «فهمها» وتخزينها في فهرسه. يحلّل نصّها ووسومها المهمّة (العنوان، النصوص البديلة للصور، وغيرها)، ويحدّد موضوعها والكيانات التي تتحدّث عنها (أشخاصٌ، أماكن، مفاهيم)، ليعرف متى تكون صفحتك جوابًا مناسبًا. الفهرس في جوهره جدولٌ عملاقٌ يربط كلّ كلمةٍ ومفهومٍ بالصفحات التي تتناولها، تمامًا كفهرس كتابٍ يدلّك على صفحات كلّ موضوع، لكن بمقياس تريليونات الصفحات.

والنقطة التي يغفلها كثيرون: الفهرسة ليست مضمونة. ليست كلّ صفحةٍ يزحفها جوجل تدخل فهرسه. قد يقرّر أنّ صفحةً رقيقةٌ أو مكرّرةٌ أو ضعيفة القيمة لا تستحقّ مكانًا، فيتركها خارج الفهرس. وتراها في Search Console بحالاتٍ مثل «زُحِف إليها ولم تُفهرَس». إذن أوّل شرطٍ للترتيب أن تُفهرَس أصلًا، وأوّل شرطٍ للفهرسة أن تقدّم قيمةً حقيقية.[5]

ونقطةٌ جوهريّةٌ في الفهرسة اليوم: الفهرسة تعتمد الجوّال أوّلًا (mobile-first indexing)، وصارت الوضع الوحيد. أي أنّ جوجل يفهرس ويقيّم النسخة التي يراها زائر الهاتف، لا نسخة الحاسوب. فإن كان موقعك يعرض على الجوّال محتوًى أقلّ أو محجوبًا، فذاك ما سيفهرسه جوجل ويرتّبه. تأكّد أنّ نسخة جوّالك كاملةٌ لا منقوصة، فهي النسخة الرسميّة في عين المحرّك.

ولنوضّح «الرابط الأساسيّ» بمثال. لنقل إنّ منتجًا في متجرك يُوصَل إليه بعدّة روابط: واحدٌ من قائمة الأحذية، وآخر من صفحة العروض، وثالثٌ فيه معطياتٌ للتتبّع بعد علامة الاستفهام. المحتوى واحد، لكنّ الروابط ثلاثة. لو فهرسها جوجل كلّها، لتنافست صفحاتك مع نفسها وتشتّتت قوّتها. لذلك يجمعها ويختار واحدًا «أساسيًّا» يعرضه، ويطوي الباقي. وأنت تعينه على الاختيار الصحيح بوسم rel=”canonical” الذي يشير إلى النسخة التي تريدها. حين تفهم هذا، تفهم لماذا يقول لك Search Console أحيانًا «صفحةٌ بديلةٌ ذات رابطٍ أساسيّ صحيح»: تلك بشارةٌ لا مشكلة، تعني أنّ توحيدك يعمل.

المرحلة الثالثة: التقديم والترتيب

حين تكتب سؤالك، يمسح جوجل فهرسه بحثًا عن أنسب الصفحات، ثمّ يرتّبها في أجزاءٍ من الثانية. وترتيب النتائج ليس عاملًا واحدًا، بل تصفه جوجل بخمسة اعتباراتٍ كبرى: معنى استعلامك (ماذا تقصد فعلًا؟)، وصلة المحتوى بسؤالك، وجودة المحتوى (وفيها تدخل الخبرة والاختصاص والسلطة والموثوقية، E-E-A-T)، وقابلية استعمال الصفحة (سرعتها وملاءمتها للجوّال)، والسياق (موقعك ولغتك وجهازك).[6]

وأوّل هذه الاعتبارات (فهم المعنى) أعمق ممّا يبدو. لم يعد جوجل يطابق كلماتك حرفيًّا، بل يفهم قصدك: يصحّح أخطاءك الإملائيّة، ويدرك المرادفات (فيعرف أنّ «كيف أسرّع موقعي» و«تحسين سرعة الصفحة» نيّةٌ واحدة)، ويميّز نيّة البحث (أتريد تعريفًا أم شراءً أم موقعًا معيّنًا؟). بنى جوجل هذا الفهم بنماذج لغويّةٍ متقدّمة تطوّرت عبر السنين. ما يعنيه لك: اكتب للإنسان بلغةٍ طبيعيّةٍ تغطّي الموضوع، ولا تهووس بتكرار صياغةٍ حرفيّةٍ لكلمةٍ مفتاحية؛ فالمحرّك يفهم المعنى لا الحروف.

وهنا أصحّح خرافةً ذائعةً في المحتوى العربيّ: «جوجل يعتمد 200 عامل ترتيب». هذا رقمٌ صناعيٌّ قديمٌ لا تقرّه جوجل؛ بل قال متحدّثوها إنّه «مضلّل» لأنّه يوحي بقائمةٍ ثابتةٍ قابلةٍ للعدّ، والواقع أنّ الإشارات مئاتٌ متغيّرة، وقد يكون عاملٌ حاسمًا في استعلامٍ ولا قيمة له في آخر. فلا تطارد رقمًا سحريًّا، بل افهم الاعتبارات الخمسة واعمل عليها.[7]

ولنفكّك اعتبارين يخلط الناس بينهما. الجودة تسأل: هل هذا المحتوى موثوقٌ نافعٌ من مصدرٍ ذي خبرة؟ وهنا تدخل E-E-A-T بوصفها إطارًا يقرّب فكرة الجودة، لا مقياسًا رقميًّا. وقابلية الاستعمال تسأل سؤالًا مختلفًا: بعد أن تتساوى الصفحتان في الجودة والصلة، أيّهما أسرع وأثبت وأيسر على الجوّال؟ فتُرجّح الأفضل تجربةً. لذلك لا تُغني السرعة عن المحتوى ولا العكس؛ الأولى قد تفصل بين متقارِبَين، لكنّها لا ترفع محتوًى ضعيفًا، كما فصّلت في مقال مؤشّرات أداء الويب.

ولا يوجد ترتيبٌ «واحدٌ» يراه الجميع. اعتبار السياق يعني أنّ النتائج تتشكّل بموقعك ولغتك وجهازك: من يبحث عن «مطعم» في الرياض يرى غير من يبحث عنه في القاهرة، ومن يبحث بالعربية يرى غير من يبحث بالإنجليزية. لذلك حين تفحص ترتيبك، تذكّر أنّك ترى نسختك أنت؛ والأداة الأصدق لترتيبك الفعليّ عبر الجمهور هي بيانات Search Console، لا بحثك الشخصيّ.

وتصوّر المراحل الثلاث قمعًا يضيق في كلّ خطوة يوضّح الصورة: من كلّ الصفحات على الويب، يزحف جوجل جزءًا؛ ومن المزحوف، يفهرس ما يستحقّ؛ ومن المفهرَس، يرتّب عاليًا قلّةً على كلّ استعلام. كلّما نزلت خطوةً ضاق الباب واشتدّت المنافسة. لذلك لا يكفي أن «تكون موجودًا»؛ عليك أن تعبر كلّ ضيقٍ: أن تُكتشَف، ثمّ تُعَدّ جديرًا بالفهرس، ثمّ تتفوّق على غيرك في الصلة والجودة. وكلّ مقالٍ في هذه السلسلة إنّما يعلّمك كيف تعبر واحدًا من هذه الأبواب بثقة.

وتطوّرت أنظمة الترتيب أخيرًا تطوّرًا يهمّك: كان لجوجل «نظام المحتوى المفيد» منفصلًا منذ 2022، ثمّ دمجته في نظام الترتيب الأساسيّ في تحديث مارس 2024، فصار تقييم «هل هذا المحتوى مفيدٌ لإنسان؟» جزءًا دائمًا من الترتيب لا إضافةً منفصلة، تعدّله جوجل عبر «التحديثات الأساسية» الدورية.[8] ثمّ إنّ التقديم نفسه لم يعد روابطَ زرقاء فحسب؛ فمنذ 2024 صار جوجل يعرض «نظرات عامّة» يصوغها الذكاء الاصطناعيّ فوق النتائج، وهذا بابٌ أفردت له مقال الذكاء الاصطناعيّ والسيو.

وصفحة النتائج نفسها لم تعد قائمة روابطَ زرقاء فحسب، بل صارت لوحةً غنيّة: مقتطفٌ مميّزٌ يجيب مباشرةً، وصندوق «أسئلةٌ يطرحها الناس»، وصورٌ ومقاطع فيديو، وحزمة خرائطَ للأنشطة المحلّية، ونتائج تسوّق. وهذا يعني أنّ «المركز الأوّل» لم يعد موضعًا واحدًا؛ فقد يتصدّر منافسك بمقتطفٍ بينما تتصدّر أنت بفيديو. افهم أيّ الميزات تظهر لاستعلاماتك المهمّة، فتلك تحدّد أين الفرصة الحقيقية للظهور، لا مجرّد ترتيب الروابط العشرة.

كيف «تتحدّث» المواقع مع محركات البحث؟

ليست العلاقة أحاديّة؛ فلك أدواتٌ ترشد بها المحرّك، ولكلٍّ منها موضعها من هذا المسار. ملفّ robots.txt يخاطب مرحلة الزحف، فيقول للزواحف أين تدخل وأين لا تدخل (لكنّه لا يمنع الفهرسة بالضرورة، وهي مغالطةٌ شائعة). وخريطة الموقع تعين على الاكتشاف، فتعرض قائمة صفحاتك المهمّة دفعةً واحدة. ووسم robots meta بقيمة noindex يخاطب مرحلة الفهرسة، فيطلب ألا تُفهرَس صفحةٌ بعينها. ووسم canonical يوحّد النسخ المكرّرة. والبيانات المنظّمة (Schema) توضّح نوع محتواك لتحسين عرضه. فصّلت كلًّا منها في مقالها؛ والجامع بينها أنّها لغةٌ تجعل المحرّك يفهم موقعك كما تريد أنت لا كما يخمّن، فتتحوّل من متلقٍّ سلبيٍّ لأحكامه إلى موجّهٍ لها.

لمحةٌ عن أشهر المحركات

يهيمن جوجل على البحث بحصّةٍ تقارب 90% عالميًّا، ولهذا يدور السيو حوله غالبًا. يليه Bing من مايكروسوفت بحصّةٍ أصغر، لكنّ أهمّيته تصاعدت لسببٍ جديد: فهرسه يغذّي بحث ChatGPT، فصار حضورك فيه يعني احتمال ظهورك في مساعدات الذكاء الاصطناعيّ لا زيارات Bing وحدها.[9] وكلّ المحرّكات تتبع المنطق نفسه (زحفٌ ففهرسةٌ فترتيب)، وتختلف في الحجم والإشارات ومعالجة JavaScript. فمن أتقن المبادئ لجوجل، أتقنها لغيره بتعديلاتٍ يسيرة.

والجديد في هذا العقد أنّ «البوّابات» تتعدّد. لم يعد الناس يسألون جوجل وحده، بل صار بعضهم يسأل مساعدات الذكاء الاصطناعيّ مباشرةً (ChatGPT وPerplexity وأمثالهما). وهذه بمعنًى ما محرّكاتٌ من نوعٍ جديد: تبني معرفتها من الويب، وتقدّم إجابةً مركّبةً بدل قائمة روابط. لكنّها في جوهرها تعتمد على المحتوى المفهرَس نفسه (بعضها يستعمل فهرس Bing أو جوجل)، فالأساس الذي شرحتُه هنا يخدمك عبرها جميعًا. تتبدّل الواجهات، ويبقى منطق الاكتشاف والفهم والترتيب حاكمًا.

وثمّة محرّكاتٌ أخرى لأغراضٍ خاصّة: DuckDuckGo لمن يريد خصوصيّةً أكبر (وهو يعتمد جزئيًّا على نتائج Bing)، ومحرّكاتٌ إقليميّةٌ تسيطر محليًّا كـYandex في روسيا وBaidu في الصين. لكن في الأسواق العربية يبقى جوجل المهيمن بلا منازعٍ تقريبًا، فتركيز جهدك عليه قرارٌ سليم. تعرّف على الآخرين لتفهم الصورة كاملةً، لكن لا تشتّت جهدك عليها ما دام جمهورك في جوجل.

خرافاتٌ يجب أن تنساها

  • «يجب أن تُقدّم موقعك إلى جوجل ليجده»: لا. يكتشفه جوجل عبر الروابط تلقائيًّا؛ والخريطة وSearch Console تسرّعان الاكتشاف لكنّهما ليستا شرطًا.
  • «جوجل يفهرس كلّ صفحة»: لا. الفهرسة انتقائيّةٌ بحسب الجودة والتكرار والتوجيهات.
  • «وسم الكلمات المفتاحية (meta keywords) يرفع ترتيبك»: لا. تجاهله جوجل منذ 2009.[10]
  • «200 عامل ترتيب»: رقمٌ صناعيٌّ لا تقرّه جوجل، كما مرّ.
  • «أن تُزحَف الصفحة يعني أنّها سترتّب»: لا. الزحف غير الفهرسة غير الترتيب؛ كلّ مرحلةٍ قد تسقط فيها الصفحة.

ماذا يعني هذا لموقعك؟

ويجيب هذا الفهم عن سؤالٍ يقلق كلّ مبتدئ: «نشرت صفحةً ممتازةً، فلماذا لا أراها في جوجل فورًا؟». لأنّ عليها أن تقطع المسار كاملًا أوّلًا: أن يكتشفها الزاحف (وقد يمرّ وقتٌ قبل أن يزورك)، ثمّ أن تُفهرَس (إن رآها جديرة)، ثمّ أن تكسب ثقةً كافيةً لترتّب على كلمةٍ تنافسيّة (وهذا أبطأها). فالترتيب ليس زرًّا يُضغَط بالنشر، بل ثمرةٌ تنضج بالوقت والجودة والسلطة. من فهم هذا المسار صبر في موضعه الصحيح، ولم يظنّ أنّ صفحته «فشلت» لأنّها لم تتصدّر في يومها الأوّل.

حين تفهم المراحل الثلاث، يصير السيو منطقيًّا لا غامضًا، إذ يقابل كلّ ركنٍ منه مرحلة. فلتُزحَف صفحاتك بسهولة، تعتني بالبنية التقنية والروابط الداخلية وخريطة الموقع، وتزيل ما يحجب الزاحف بالخطأ. ولتُفهرَس، تقدّم محتوًى أصيلًا ذا قيمةٍ يستحقّ مكانًا في الفهرس، وتتجنّب التكرار الرقيق. ولتُرتّب عاليًا، تطابق نيّة الباحث، وتثبت خبرتك وموثوقيّتك، وتجعل صفحتك سريعةً مريحةً على الجوّال. ليست هذه مهامّ متفرّقة، بل مساعدةٌ للمحرّك على إتمام مساره من اكتشاف صفحتك إلى عرضها. من فهم هذه المراحل، عرف لماذا يفعل كلّ ما يفعله في السيو، بدل أن يطبّق نصائحَ حفظها بلا فهم.

وهذا الفهم يحصّنك أيضًا من نوعين من الخطأ: القلق في غير موضعه، والطمأنينة في غير موضعها. فمن لا يفهم هذه المراحل يقلق من «ميزانية الزحف» وموقعه صغيرٌ لا يعنيه أمرها، ويطمئنّ إلى محتوًى منشورٍ ظانًّا أنّه مفهرسٌ وهو خارج الفهرس. أمّا من يفهمها فيوجّه انتباهه بدقّة: يتحقّق أوّلًا أنّ صفحاته تُزحَف وتُفهرَس (وإلا فكلّ عملٍ بعده هباء)، ثمّ يعمل على الجودة والصلة لترتّب. الترتيب الصحيح للاهتمام هو ثمرة فهم الترتيب الصحيح للمراحل.

جرّبه بنفسك

وأزيل التباسًا يقع فيه كثيرون بين أداتين تبدوان متشابهتين: حجبٌ في robots.txt يمنع الزحف (ألا يدخل جوجل الصفحة)، ووسم noindex يمنع الفهرسة (أن يدخلها لكن لا يخزّنها). والمفارقة أنّك لو حجبت صفحةً في robots.txt فقد تظهر في النتائج بلا وصفٍ (لأنّ جوجل رآها في روابطَ أخرى لكن مُنِع من قراءتها)، بينما noindex يخرجها فعلًا بشرط أن يُسمَح لجوجل بقراءة الوسم. الخلط بينهما يوقع في أخطاءَ مؤلمة، فمن أراد إخفاء صفحةٍ إخفاءً حقيقيًّا استعمل noindex لا الحجب.

افتح جوجل واكتب site:yourdomain.com (بنطاقك)، فيريك تقريبًا ما فهرسه جوجل من موقعك؛ قارن الرقم بعدد صفحاتك المهمّة، وفجوةٌ كبيرةٌ تستحقّ التحقيق. ثمّ افتح Search Console وافحص رابط صفحةٍ حديثةٍ بأداة فحص العنوان: تخبرك بالضبط أزُحِف إليها؟ أفُهرست؟ أفيها مانع؟ في دقائق ترى المراحل الثلاث تعمل على موقعك أنت، لا في الشرح النظريّ.

ثمّ جرّب أن تبحث عن موضوعٍ تعرفه جيّدًا، وتأمّل صفحة النتائج: أثمّة نظرةٌ عامّةٌ من الذكاء الاصطناعيّ في الأعلى؟ ما أنواع النتائج (مقالات، فيديو، خرائط)؟ من تصدّر ولماذا (أهو موقعٌ ذو سلطةٍ أم جوابٌ أدقّ)؟ هذا التأمّل يدرّب عينك على رؤية «التقديم» كما يفعله جوجل، فتبدأ تفكّر كالمحرّك لا كصاحب موقعٍ فقط.

من الفهم إلى العمل

عرفت الآن كيف يكتشف جوجل صفحتك ويفهمها ويرتّبها، وأنّ كلّ مرحلةٍ بابٌ قد يُغلق دونك إن أهملته. هذا الفهم هو الأرض التي يقوم عليها كلّ ما بعده؛ فالسيو في جوهره ليس إلا مساعدة المحرّك على إتمام مراحله الثلاث بيسر: أن يزحف بسهولة، ويفهم بوضوح، ويجد ما يستحقّ الترتيب. والخطوة الأولى العملية في ذلك أن تعرف ما يبحث عنه جمهورك فعلًا؛ وهذا موضوع المقال التالي، بحث الكلمات المفتاحية ونيّة البحث. فقبل أن تحسّن صفحةً لتُزحَف وتُفهرَس وتُرتّب، عليك أن تعرف على أيّ سؤالٍ تريدها أن تجيب؛ وذاك هو أوّل قرارٍ استراتيجيٍّ في مسار السيو كلّه، ومنه تنطلق كلّ خطوةٍ تالية؛ فالبناء الصحيح يبدأ من معرفة ما يريده الناس، لا من تخمين ما نظنّ أنّهم يريدونه.

المصادر

  1. Google Search Central: In-depth guide to how Google Search works. المراحل الثلاث: الزحف والفهرسة والتقديم.
  2. Google Search Central: Crawling and indexing. اكتشاف الصفحات عبر الروابط والخرائط.
  3. Google Search Central: Managing crawl budget. أنّ معظم المواقع لا تحتاج التفكير فيها.
  4. Google Search Central: JavaScript SEO basics. التصيير عبر خدمة العرض (WRS) وتنفيذ JavaScript.
  5. Google Search Central: Page indexing report. أنّ الفهرسة ليست مضمونة، وحالات عدم الفهرسة.
  6. Google: How results are ranked. الاعتبارات الخمسة الكبرى للترتيب.
  7. Search Engine Roundtable: Google: “200 ranking signals” is misleading. تصريح جوجل بأنّ الرقم مضلّل.
  8. Google Search Central: March 2024 core update. دمج نظام المحتوى المفيد في الترتيب الأساسيّ.
  9. StatCounter: Search engine market share. حصص جوجل وBing، وأنّ Bing يغذّي بحث ChatGPT.
  10. Google Search Central: Google does not use the keywords meta tag (2009). تأكيد تجاهل وسم الكلمات المفتاحية.

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة