في المقال السابق أتقنتَ الصفحة عنصرًا عنصرًا: عنوانها ووصفها وترويساتها وصورها. لكن بقي سؤالٌ لا يجيب عنه أيّ وسمٍ ولا ضبطٍ تقنيّ: من كتب هذا، ولماذا نصدّقه؟ صفحةٌ متقنة الشكل عن دواءٍ أو استثمار، يكتبها مجهولٌ بلا خبرةٍ ولا مرجع، لا تستحقّ ثقتك ولا ثقة جوجل. هذا ما يعالجه إطار E-E-A-T، وهو الطبقة التي تعلو المحتوى الجيّد والصفحة المتقنة: طبقة الثقة بمن وراءهما.
سأشرح في هذا المقال ما تعنيه هذه الأحرف، ثمّ أصحّح أكبر خطأٍ يُقال عنها بالعربية (أنّها «عامل ترتيب»)، ثمّ أبيّن لماذا الموثوقية قلبها، وأفصّل عناصرها الأربعة بمثالٍ يجمعها، ومتى تشتدّ الحاجة إليها في صفحات «مالك أو حياتك»، وكيف تُظهرها عمليًّا داخل موقعك وخارجه، وأين تقف من الذكاء الاصطناعي. الخيط الجامع: E-E-A-T ليست زرًّا تضغطه، بل ثقةٌ تبنيها.
ما E-E-A-T، ولماذا حرفان E؟
الأحرف اختصارٌ لأربع كلمات إنجليزية: الخبرة (Experience)، والاختصاص (Expertise)، والسلطة (Authoritativeness)، والموثوقية (Trustworthiness). وقد كان الاختصار حتى سنة 2022 ثلاثة أحرف فقط (E-A-T) منذ ظهوره سنة 2014، ثمّ أضافت جوجل الحرف الثاني «الخبرة» في تحديثٍ لإرشادات مقيّمي الجودة بتاريخ 15 ديسمبر 2022.[2] فمن رأى أحدهم يكتب «E-A-T» فليعلم أنّه يتحدّث بلغة ما قبل 2022.
وهنا معضلةٌ لغوية يجدر أن أحلّها من البداية: الحرفان E يقابلهما في العربية جذرٌ واحد هو «الخبرة»، فيلتبسان. سأميّز بينهما في هذا المقال تمييزًا ثابتًا: الخبرة المُعاشة أن تلمس الأمر بنفسك (استعملتَ المنتج، زرتَ المكان، جرّبتَ الوصفة)، والاختصاص أن تعرفه علمًا وتأهيلًا ودراسة. طبيبٌ يكتب عن دواءٍ صاحب اختصاص، ومريضٌ يروي تجربته مع الدواء صاحب خبرةٍ مُعاشة، وكلاهما نافعٌ في موضعه، ولكلٍّ منهما ما ليس للآخر.
الحقيقة التي يخطئها أكثر ما كُتب بالعربية
ستقرأ في مواقع كثيرة أنّ E-E-A-T «عامل ترتيب» أو حتى «خوارزمية». كلا الأمرين خطأ. E-E-A-T مفهومٌ في «إرشادات مقيّمي جودة البحث»، وهي دليلٌ يستعمله مقيّمون بشرٌ لتقييم جودة نتائج جوجل، لا خوارزميةٌ ولا عاملٌ في الترتيب.[3] هؤلاء المقيّمون لا يرتّبون موقعك؛ تقييماتهم المجمّعة تساعد جوجل على قياس أنظمتها وتحسينها، لا على منح صفحةٍ بعينها درجة.[4]
ولا يوجد «درجة E-E-A-T» في مكانٍ ما تسعى لرفعها. ما تفعله أنظمة جوجل أنّها تبحث عن إشاراتٍ تتوافق مع E-E-A-T الجيّدة، فتقارب المفهوم مقاربةً لا تقيسه رقمًا.[1] وهذه الإشارات كثيرةٌ متفرّقة: أن يذكرك غيرك مرجعًا في مجالك، وأن يكون محتواك دقيقًا متّسقًا، وأن يوقّع صفحاتِك كاتبٌ معروف، وأن يكون موقعك آمنًا. لا واحدةٌ منها «هي» E-E-A-T، بل مجموعها يرسم للمحرّك صورةً عن جدارتك بالثقة.[5] وقد بنت جوجل أنظمةً تكافئ المحتوى المفيد المصنوع للناس (وهي ما شرحته في مقال استراتيجية المحتوى)، وهذه الأنظمة أقربُ ما يقارب E-E-A-T عمليًّا في الخوارزمية: لا تمنح درجةً، لكنّها ترجّح ما يحمل إشارات النفع والأصالة والثقة. هذا التمييز جوهريّ: أنت لا «تضيف» E-E-A-T إلى صفحةٍ كما تضيف وسمًا، بل تبني عملًا جديرًا بالثقة فتظهر إشاراته من نفسها. من فهم هذا كفّ عن مطاردة عدّادٍ وهميّ، وانصرف إلى ما ينفع فعلًا.
كيف يقيسها المقيّم فعلًا
ما دامت E-E-A-T أداةَ تقييمٍ لا عامل ترتيب، فيحسن أن تعرف كيف يستعملها المقيّم البشريّ. هو لا يمنح الصفحة «درجة E-E-A-T»، بل يمنحها تقييمًا واحدًا شاملًا اسمه «جودة الصفحة» (Page Quality) على مقياسٍ من «الأدنى» إلى «الأعلى»، يوازن فيه ثلاثة أمورٍ معًا: غرض الصفحة، وE-E-A-T فيها، وسمعة الموقع وكاتب المحتوى.[3] فالاختصاص والثقة ليسا رقمًا يُجمَع، بل اعتبارٌ يدخل في حكمٍ كلّيّ واحدٍ على الصفحة.
وأكثر ما يفاجئ المبتدئ أنّ المقيّم لا يقف عند ما في صفحتك نفسها. ترشده الإرشادات إلى ما تسمّيه «بحث السمعة»: أن يغادر موقعك ويبحث في مصادر مستقلّة عمّا يُقال عنك وعن جهتك، فشهادة الغرباء عندها أوثق من وصفك لنفسك.[3] ولهذا نشرت جوجل قائمة أسئلةٍ للتقييم الذاتيّ تنصح صاحب الموقع أن يسائل بها محتواه بصدق: أيقدّم معلومةً أصيلة أم يكرّر ما نُشر؟ أيكتبه صاحب خبرةٍ ومعرفةٍ ظاهرة؟ أيطمئنّ القارئ إلى من ورائه في أمرٍ يهمّه؟[7] جوابك الصادق عن هذه الأسئلة أقرب إلى حكم المقيّم من أيّ حيلةٍ تقنيّة تجرّبها.
الموثوقية في القلب
الأحرف الأربعة ليست في مرتبةٍ واحدة. تقول جوجل صراحةً: «من هذه الجوانب، الثقة هي الأهمّ. والبقية تسهم في الثقة، لكنّ المحتوى لا يلزمه بالضرورة أن يُظهرها جميعًا».[1] تأمّل صفحةً كتبها خبيرٌ مشهور، فيها اختصاصٌ وسلطةٌ وخبرةٌ مُعاشة، لكنّها تخفي إعلاناتٍ في ثوب كلامٍ علميّ أو تضلّل القارئ في أمرٍ يهمّه؛ تبقى موثوقيتها منخفضة، وE-E-A-T كلّها منخفضةٌ تبعًا لها.
فالثقة هي المحور، والثلاثة الباقية أضلاعٌ تسندها. الاختصاص والسلطة والخبرة المُعاشة كلّها في النهاية أسبابٌ تجعلك جديرًا بالثقة؛ إن انتفت الثقة سقط معناها. فإن سألت «بأيّها أبدأ؟» فالجواب: بالصدق والدقّة والوضوح، ثمّ يأتي الباقي في خدمتها.
العناصر الأربعة
الخبرة المُعاشة (Experience) أن يكون للكاتب تماسٌّ مباشر بالموضوع. مراجعة هاتفٍ استعمله كاتبها شهرًا كاملًا أنفع وأصدق من مراجعةٍ منسوخة من مواصفات الشركة، ووصفةٌ طبخها صاحبها بيده خيرٌ من وصفةٍ مجموعة من الإنترنت. هذا هو الحرف الذي أُضيف حديثًا، وهو ما يميّز التجربة الحيّة من الكلام النظريّ، وأصعب ما يقلّده منافس، وأعزّ ما يعوز الذكاء الاصطناعيّ.
الاختصاص (Expertise) عمق معرفة صاحب المحتوى ومهارته. في المواضيع الطبّية والمالية يعني تأهيلًا حقيقيًّا: طبيبٌ، أو محاسبٌ، أو مهندس. وفي غيرها قد يعني إتقانًا مثبتًا بالعمل والتجربة الطويلة، لا بالشهادة وحدها. المطوّر الذي بنى مئة موقعٍ صاحب اختصاصٍ في مجاله وإن لم يحمل شهادةً جامعية فيه.
السلطة (Authoritativeness) أن تُعرَف مرجعًا في مجالك، لا بادّعائك أنت، بل باعتراف غيرك: يذكرك أهل المجال، ويحيلون إلى ما تكتب. لاحظ الفرق عن الاختصاص: الاختصاص صفةٌ فيك، والسلطة اعترافٌ بها من خارجك. وهذه إشارةٌ خارج صفحتك في الغالب، سأفصّلها في مقال «السيو خارج الصفحة».
الموثوقية (Trustworthiness) الدقّة والصدق والأمان والشفافية. أمعلوماتك صحيحة؟ أتذكر مصادرك؟ أموقعك آمن؟ أواضحٌ من وراءه وكيف يكسب؟ هذا هو المحور الذي تدور حوله الثلاثة، وإليه ترجع في كلّ قرار.
مثالٌ يجمعها: صفحتان عن الدواء نفسه
لنأخذ مثالًا يوضّح الأربعة معًا. صفحتان تشرحان جرعة دواءٍ شائع. الأولى بلا اسم كاتبٍ ولا مرجع، معلوماتها مجموعةٌ من منتديات، وفيها إعلاناتٌ لبيع الدواء تتخفّى في ثوب النصيحة. والثانية يوقّعها صيدلانيّ باسمه ونبذته وتأهيله (اختصاص)، يذكر أنّه صرف هذا الدواء سنين (خبرة مُعاشة)، ويستند إلى نشرة الدواء الرسمية ويربط إليها (موثوقية)، وقد أحال إليه زملاءُ المهنة في مواقعهم (سلطة). أيّهما تصدّق أنت لو كان الأمر يخصّ صحّتك؟ جوابك هو جواب جوجل نفسه. الفرق ليس في جمال التصميم، بل في الثقة بمن وراء الصفحة.
حين تشتدّ الحاجة: صفحات «مالك أو حياتك»
لا تتساوى المواضيع في حاجتها إلى E-E-A-T. هناك صنفٌ تسمّيه جوجل «أموالك أو حياتك» (Your Money or Your Life, YMYL): الصفحات التي قد تؤثّر تأثيرًا كبيرًا في صحّة الإنسان أو استقراره الماليّ أو سلامته، أو في رفاه المجتمع. نصيحةٌ طبّية خاطئة أو معلومةٌ ماليّة مضلّلة قد تؤذي فعلًا، ولذلك تقول جوجل إنّ أنظمتها «تمنح وزنًا أكبر للمحتوى المتوافق مع E-E-A-T قوية في المواضيع التي قد تؤثّر في صحّة الناس أو استقرارهم الماليّ أو سلامتهم».[1]
أمثلتها كثيرة: جرعات الأدوية، والاستثمار والقروض، وسلامة الأطفال، والأخبار المصيرية. في هذه المواضيع البار مرفوعٌ عاليًا، والاختصاص والموثوقية ليسا كماليّين بل شرطًا. أمّا وصفة كعكٍ أو مراجعة لعبةٍ أو رأيٌ في فيلم، فالبار أخفّ بكثير، وتكفي فيه الخبرة المُعاشة والصدق. اعرف أين تقع صفحتك من هذا الطيف قبل أن تقيس الجهد الذي تبذله في إثبات جدارتك.
كيف تُظهر E-E-A-T: من، وكيف، ولماذا
تقترح جوجل ثلاثة أسئلةٍ تقيس بها محتواك، وهي أوضح دليلٍ عمليّ: من صنعه، وكيف صُنع، ولماذا صُنع.[1] «من» تعني أن يُعرَف كاتبك: اسمٌ حقيقيّ، ونبذةٌ تبيّن خبرته واختصاصه، وصفحةُ تعريفٍ بالموقع وصفحةُ تواصلٍ واضحتان. و«كيف» تعني الشفافية في طريقة الإعداد، بما فيها الإفصاح عن أيّ أتمتةٍ أو ذكاءٍ اصطناعيّ حين يتوقّع القارئ معرفة ذلك. و«لماذا» تعني أن يكون محتواك مصنوعًا لخدمة الناس أوّلًا، لا لخداع المحرّك.
وخذ النبذة مثالًا على الفرق بين إشارةٍ جوفاء وإشارةٍ صادقة. نبذةٌ ضعيفة: «كاتب محتوى شغوف بالتقنية». وأخرى قوية: «صيدلانيّ سريريّ منذ 2015، صرفتُ هذا الصنف من الأدوية آلاف المرّات، وأكتب هنا ما أتحقّق منه من نشرات الدواء الرسمية». الثانية تحمل اختصاصًا وخبرةً مُعاشةً وموثوقيةً في ثلاثة أسطر، والأولى لا تحمل شيئًا. النبذة ليست شكليّة، بل هي أوّل ما يجيب عن سؤال «من».
ومن الإشارات العملية الأخرى: أن تذكر مصادرك الموثوقة وتربط إليها (كما تفعل هذه السلسلة في كلّ مقال)، وأن تُبقي معلوماتك دقيقةً محدّثة، وأن يكون موقعك آمنًا على HTTPS، وأن تصمّم صفحاتك تصميمًا صادقًا لا يخدع ولا يخفي. وتذكّر دائمًا: هذه إشاراتٌ تُظهر ثقةً موجودة، لا وصفةٌ تُنتج ثقةً غائبة. صندوقُ كاتبٍ فوق محتوًى ضحلٍ خاطئ لا يصنع خبيرًا.
ومن الموثوقية وجهٌ يغفله كثيرون: التصميم الصادق. أن تُعلَّم الإعلانات على أنّها إعلانات وتُفصَل عن المحتوى، وألّا تتخفّى الروابط المدفوعة في ثوب توصيةٍ محايدة، وألّا تُخفي من يملك الموقع أو كيف يكسب منه. القارئ الذي يُخدَع في أمرٍ صغير يفقد ثقته في الكبير. الشفافية ليست تجميلًا يُضاف، بل هي الموثوقية نفسها في صورتها العملية على الصفحة.
ولمن أراد قائمةً سريعة، أظهِر ثقتك بهذه الإشارات:
- اسم كاتبٍ حقيقيّ ونبذةٌ تبيّن خبرته واختصاصه.
- صفحتا تعريفٍ بالموقع وتواصلٍ واضحتان.
- مصادرُ موثوقة مذكورةٌ ومربوطة.
- معلوماتٌ دقيقةٌ محدّثة، وتاريخُ نشرٍ وتحديثٍ ظاهر.
- موقعٌ آمنٌ على HTTPS، وتصميمٌ صادقٌ لا يخدع.
- ربطُ هويّة الكاتب بحساباته ومراجعه الحقيقية؛ ويمكن أن تعين البيانات المنظّمة (Schema) على جعل هذه الهويّة مقروءةً للآلة، وهو أمرٌ تقنيّ أفردتُ له مقالَي «السيو التقني» و«البيانات المنظّمة» لاحقًا في السلسلة.
جرّبه بنفسك
افتح صفحةً مهمّة من موقعك واسألها الأسئلة الثلاثة. من كتبها؟ إن لم يكن ثمّة اسمٌ ولا نبذة، أضِفهما. كيف صُنعت؟ إن استعنتَ بالذكاء الاصطناعي في موضعٍ يهمّ القارئ، أفصِح. لماذا وُجدت؟ إن كان الجواب «لأتصدّر» لا «لأنفع»، فأعد النظر. ثمّ افحص الموثوقية: أمصادرها مذكورة؟ أمعلوماتها محدّثة؟ أواضحٌ من وراء الموقع؟ خمس دقائق تكشف لك أين تقف صفحتك من الثقة.
السمعة: E-E-A-T خارج موقعك
أكثر ما يظنّه المبتدئ أنّ E-E-A-T شيءٌ يصنعه على صفحته وحدها، والحقيقة أنّ شطرًا كبيرًا منها يقرّره غيرك. السلطة خصوصًا تُبنى خارج موقعك: حين يذكرك أهل مجالك، ويحيلون إلى مقالاتك، ويثني عليك عملاؤك في مواضع مستقلّة. تنظر جوجل إلى هذه السمعة في الشبكة بوصفها دليلًا خارجيًّا على أنّك ما تدّعيه.
ولهذا لا تُشترى الثقة بمالٍ في يومٍ واحد. تقييماتٌ مزيّفة أو ذكرٌ مدفوعٌ مصطنع يكشفه المحرّك والقارئ معًا، ويضرب موثوقيتك في مقتلها. السمعة تُكتسب بعملٍ صادقٍ متّصلٍ يجعل الناس يتحدّثون عنك بلا أن تطلب. وسأفصّل آليّات هذا (الروابط والإشارات الخارجية) في مقال «السيو خارج الصفحة»، فهو الوجه المكمّل لما في هذا المقال.
E-E-A-T لموقعٍ شخصيّ صغير
قد تظنّ أنّ هذا كلّه حكرٌ على المؤسسات الكبيرة، وأنّ المدوّن الفرد لا حظّ له في مزاحمتها. العكس أقرب إلى الصواب: الموقع الشخصيّ يملك أقوى ورقةٍ في اللعبة، وهي الخبرة المُعاشة والصوت الحقيقيّ. أنت شخصٌ واحدٌ له اسمٌ وسيرةٌ وتجربة، لا علامةٌ مجهولة الوجه تكتب باسم فريقٍ لا يُرى. الفرد الصادق في مجاله قد يبني ثقةً تفوق ثقة شركةٍ كبيرةٍ بلا ملامح.
ولبناء E-E-A-T لموقعك الشخصيّ خطواتٌ في متناولك: التزم مجالًا واحدًا تعرفه حتى تُعرَف به، ووقّع باسمك الحقيقيّ ونبذةٍ صادقة تبيّن من أنت، واروِ ما جرّبته بنفسك لا ما نقلته، واذكر مصادرك صراحةً، وكن شفّافًا فيمن أنت ولماذا تكتب. وهذا الموقع الذي تقرأ فيه مثالٌ حيّ على ذلك: مقالاتٌ يوقّعها كاتبٌ واحد في مجالٍ يعرفه، تستند إلى مصادر رسمية تُذكَر في آخر كلّ مقال، وتصحّح ما شاع من أخطاء بدل ترديده. هذه هي E-E-A-T في التطبيق لا في التنظير.
E-E-A-T والذكاء الاصطناعي
يسأل كثيرون: أيضرّني أن أكتب بالذكاء الاصطناعي؟ موقف جوجل واضح: المحتوى يُحكَم عليه بجودته ونفعه لا بطريقة إنتاجه، والمحتوى المصنوع بمعونة الذكاء الاصطناعي مقبولٌ ما دام يخدم الناس أوّلًا ويُظهر E-E-A-T.[6] لكنّ استعمال الأتمتة لإنتاج صفحاتٍ كثيرة لغرض التلاعب بالترتيب مخالفةٌ صريحة لسياسات جوجل.
وهنا تتّضح حكمة إضافة «الخبرة المُعاشة» تحديدًا. فالذكاء الاصطناعي يجيد إعادة صياغة ما هو منشور، لكنّه لا يملك تجربةً حيّة: لم يستعمل الهاتف، ولم يزر المطعم، ولم يعالج مريضًا. حين تضيف أنت خبرتك المُعاشة، ورقمًا حسبته، وخطأً وقعتَ فيه فصحّحته، تعطي الصفحة ما لا يعطيه أيّ نموذج. اجعل الذكاء الاصطناعي مساعدًا يوفّر وقتك في البحث والصياغة، لا بديلًا عن خبرتك وصوتك، وإلا أنتجتَ صفحةً بلا أحدٍ وراءها، وهذا نقيض E-E-A-T. ولهذا وجهٌ آخر: أنظمة البحث التوليدية نفسها تميل إلى الاستشهاد بالمصادر الجديرة بالثقة، فتصير E-E-A-T نافذتك إلى الظهور في إجاباتها أيضًا، وهو ما سأفرد له مقالًا مستقلًّا لاحقًا في السلسلة.
E-E-A-T عملٌ مستمرّ لا لمرة
الثقة لا تُبنى مرّةً وتُترك. المعلومة تتقادم فتحتاج تحديثًا، والسمعة تُصان بعملٍ متّصل، والخطأ الذي يمرّ دون تصحيح يقضم رصيدك عند القارئ. اجعل مراجعة دقّة محتواك القديم عادةً، وصحّح ما ظهر خطؤه صراحةً لا خلسة، فالاعتراف بالخطأ وتصحيحه من أقوى دلائل الموثوقية.
وراقب سمعتك كما تراقب محتواك: ماذا يُقال عنك وعن موقعك في المواضع المستقلّة؟ استقبل نقد القارئ بصدرٍ رحب، وأجب عن أسئلته، وأصلح ما يشكوه. الثقة تُبنى ببطءٍ وتُهدَم بسرعة، ومن رعاها في الصغائر حفظها في الكبائر. E-E-A-T ليست وسامًا تناله مرّةً وتعلّقه، بل سمعةٌ تحرسها كلّ يوم.
خرافاتٌ يجب دفنها
- «E-E-A-T عامل ترتيب أو درجة»: لا؛ مفهومُ تقييمٍ للمقيّمين البشر، ولا درجة له في الخوارزمية، بل إشاراتٌ متوافقةٌ معه.[3]
- «E-E-A-T خوارزمية»: ليست خوارزمية، بل إطارٌ في إرشادات المقيّمين.[4]
- الكتابة بصيغة «E-A-T»: صيغةٌ عتيقة؛ أُضيف الحرف الثاني في ديسمبر 2022.[2]
- «صندوق كاتبٍ ويكفي»: الإشارة ليست الجوهر؛ اسمٌ فوق محتوًى ضحلٍ خاطئ لا يصنع ثقة.[1]
- «اشترِ تقييماتٍ أو شهاداتٍ لتبدو موثوقًا»: خداعٌ يضرب الموثوقية في مقتلها، ويخالف إرشادات جوجل.[1]
- «E-E-A-T للعلامات الكبيرة فقط»: تخصّ الجميع، وتشتدّ في مواضيع «مالك أو حياتك» مهما صغر موقعك.[1]
من الثقة إلى الأساس التقنيّ
عرفتَ الآن أنّ الثقة تُبنى ولا تُضاف: خبرةٌ مُعاشة، واختصاصٌ صادق، وسمعةٌ يمنحها غيرك، وموثوقيةٌ في القلب. لكنّ كلّ هذا يفترض أنّ المحرّك يستطيع أصلًا أن يصل إلى صفحتك ويقرأها ويفهرسها. فإن عجز الزاحف عن الوصول، لم ينفعك أن تكون أوثق أهل الأرض. ذلك موضوع المقال التالي: «السيو التقني»، إذ ينقلك من الثقة بالمحتوى إلى الأساس الذي يجعل الموقع مقروءًا للمحرّك أصلًا. ابدأ اليوم بتطبيق أسئلة «من، وكيف، ولماذا» على صفحةٍ واحدة.
المصادر
- Google Search Central: Creating helpful, reliable, people-first content. معنى E-E-A-T، و«الثقة هي الأهمّ»، ووزن YMYL الأكبر، وأسئلة «من وكيف ولماذا»، والإفصاح عن الأتمتة.
- Google Search Central Blog (15 ديسمبر 2022): E-A-T gets an extra E for Experience. إضافة حرف «الخبرة» وتاريخها.
- Google: Search Quality Rater Guidelines (PDF). تعريف E-E-A-T، والثقة محورها، وYMYL، وأنّ المقيّمين لا يرتّبون.
- Search Engine Roundtable: Rater Guidelines Not A Guide For Rankings. أنّ الإرشادات ليست دليل ترتيبٍ ولا درجة E-E-A-T في الخوارزمية.
- Semrush: Google E-E-A-T: What It Is & How It Affects SEO. تعريفٌ ميسّرٌ للعناصر الأربعة والثقة محورًا، وأنّها إشاراتٌ لا عامل ترتيبٍ مباشر.
- Google Search Central Blog (فبراير 2023): Google Search’s guidance about AI-generated content. قبول المحتوى المصنوع بمعونة الذكاء الاصطناعي إن خدم الناس وأظهر E-E-A-T.
- Google Search Central: Google Search’s core updates & your website. أسئلة التقييم الذاتيّ التي تنصح جوجل صاحب الموقع بمساءلة محتواه بها (الأصالة، والاختصاص، والثقة بمن وراءه).