محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك
تاريخ ومجتمع

صناعة التنميط: قراءة في لعبة جنرالز وصورة العرب فيها

غلاف المقالة: شريطٌ عريض من صورة ثلاثة مراهقين من الخلف في مقهى إنترنت قديم، يجلسون أمام ثلاث شاشاتٍ ضخمة من الطراز القديم تعرض لعبة استراتيجيّة على أرضٍ صحراويّة فيها دبّابات وانفجارات، وحولهم جدرانٌ متشقّقة. فوق الصورة «تاريخ ومجتمع»، وتحتها العنوان «صناعة التنميط: قراءةٌ في لعبة جنرالز وصورة العرب فيها» واسم محمد قتيبة شيخاني وشعاره.

في مطلع الألفية كانت «محلّات الشبكة» في دمشق وريفها تمتلئ بعد الظهر بشبابٍ من جيلي، وعلى أكثر شاشاتها لعبةٌ واحدة: Command & Conquer: Generals. كنّا نتبادل التكتيكات بصوتٍ عالٍ، ونطلب من صاحب المحلّ ساعةً إضافية قبل أن ينتهي الوقت. ما زلت أذكر الغرف المكتظّة المضاءة بشاشاتٍ ضخمة، وصوت النقر السريع على الفأرة ولوحات المفاتيح، وصيحات التحدّي بين الأصدقاء على الأجهزة المتجاورة. كنّا نهرب إليها من يومنا، ولم ندرك يومها ما تحمله. وقبل أشهر استوقفني مقطع فيديو عن قصّة اللعبة، فنقرت عليه بدافع الحنين، وخرجت منه بسؤالٍ لم أطرحه وأنا مراهق: ماذا كانت اللعبة تقول عنّا طوال تلك الساعات؟

هذا المقال محاولتي للإجابة. وسأفصل فيه بين ثلاثة أشياء: ما في اللعبة نفسها وتراه بعينك، وما وثّقه صحفيّون وباحثون ومؤسّساتٌ رسميّة، وما هو قراءتي أنا. والفصل بينها هو ما يجعل النقد صلبًا، لأنّ من يريد أن يردّ عليك سيبحث أوّلًا عن جملةٍ لا دليل عليها.

لعبةٌ صدرت قبل الحرب بخمسة أسابيع

طوّرت استوديوهات EA Pacific اللعبة، وأعلنت IGN في 11 شباط 2003 أنّها وصلت إلى المتاجر.[1] وبعد نحو خمسة أسابيع، في آذار 2003، بدأت الحرب على العراق باسم «عملية حرّية العراق».[2] فالتزامن ليس دقيقًا إلى اليوم، لكنّ اللعبة كُتبت وصُمّمت في السنتين اللتين تلتا هجمات أيلول 2001، وفيهما تشكّل الخطاب الذي سُمّي «الحرب على الإرهاب».

في اللعبة ثلاثة فصائل: الولايات المتّحدة، والصين، و«جيش التحرير العالميّ» (GLA). والأخير تنظيمٌ مسلّح يعمل في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، والفصيلان الآخران يتحالفان ضدّه. الصين فيها جيش المدرّعات والمدفعيّة، ولها سلاحٌ خارق يعطّل الكهرباء ولواءٌ متخصّص في الأسلحة النوويّة، والولايات المتّحدة جيش التقنية والطيران.[3] والشركة لم تكتب في اللعبة أنّ هذا الفصيل عربيّ. لكنّ موقع Electronic Arts الرسميّ للعبة قال إنّ جيوشها «مستوحاةٌ من أيديولوجيات العالم الحقيقيّ»، كما نقل تقريرٌ صحفيّ من القاهرة سنة 2004. وأضاف التقرير أنّ أسماء المقاتلين تبدو عربيّةً دون أن تكون أسماءً عربيّة حقيقيّة، وأنّ الشخصيّات تتكلّم بما يشبه اللكنة العربيّة.[4]

شكل 1 الفصائل الثلاثة في اللعبة جدولٌ بثلاثة أعمدة وأربعة صفوف. الأعمدة من اليمين: الولايات المتّحدة، والصين، وجيش التحرير العالميّ، وهو مميّز. الدولة: دولة، دولة، بلا دولة. الجيش: نظاميّ، نظاميّ، ميليشيا وحشود. التقنية: الليزر والمسيّرات، المدرّعات والمدفعيّة، خردةٌ وعمّالٌ حفاة. السلاح المميّز: ضرباتٌ جوّيّة دقيقة، سلاحٌ يعطّل الكهرباء، مفخّخاتٌ وسموم. الولايات المتّحدة الصين جيش التحرير العالميّ الدولة دولة دولة بلا دولة الجيش جيشٌ نظاميّ جيشٌ نظاميّ ميليشيا وحشود التقنية الليزر والمسيّرات المدرّعات والمدفعيّة خردةٌ وعمّالٌ حفاة السلاح المميّز ضرباتٌ جوّيّة دقيقة سلاحٌ يعطّل الكهرباء مفخّخاتٌ وسموم الفصائل الثلاثة في اللعبة جدولٌ بثلاثة أعمدة وأربعة صفوف. الأعمدة من اليمين: الولايات المتّحدة، والصين، وجيش التحرير العالميّ، وهو مميّز. الدولة: دولة، دولة، بلا دولة. الجيش: نظاميّ، نظاميّ، ميليشيا وحشود. التقنية: الليزر والمسيّرات، المدرّعات والمدفعيّة، خردةٌ وعمّالٌ حفاة. السلاح المميّز: ضرباتٌ جوّيّة دقيقة، سلاحٌ يعطّل الكهرباء، مفخّخاتٌ وسموم. الولايات المتّحدة الدولة: دولة الجيش: جيشٌ نظاميّ التقنية: الليزر والمسيّرات السلاح المميّز: ضرباتٌ جوّيّة دقيقة الصين الدولة: دولة الجيش: جيشٌ نظاميّ التقنية: المدرّعات والمدفعيّة السلاح المميّز: سلاحٌ يعطّل الكهرباء جيش التحرير العالميّ الدولة: بلا دولة الجيش: ميليشيا وحشود التقنية: خردةٌ وعمّالٌ حفاة السلاح المميّز: مفخّخاتٌ وسموم
الفصائل الثلاثة في اللعبة من أربع زوايا: الدولة والجيش والتقنية والسلاح المميّز. الولايات المتّحدة والصين جيشان لدولتين، وجيش التحرير العالميّ، وهو مميّز، الفصيل الوحيد بلا دولة، وسلاحه المفخّخات والسموم.

كيف رُسم «جيش التحرير العالميّ»

كنت أفضّل اللعب بهذا الفصيل، وكان كثيرون من أصدقائي مثلي. وأذكر أنّني رأيت فيه، ببراءة تلك السنّ، شيئًا من صورة المقاومة: أسلحةٌ بسيطة في وجه ترسانةٍ عظمى. واليوم أعود إلى صوره نفسها فأرى شيئًا آخر.

تبدأ الصورة من المظهر. الجنديّ الأساسيّ (Rebel) بكوفيّةٍ أو عمامة ولحيةٍ كثّة، وقاذف الصواريخ ملثّم، وقادة الفصيل ملتحون. في المقابل يظهر جنود الولايات المتّحدة والصين ببزّاتٍ نظاميّة وخوذات. ومباني الفصيل أنفاقٌ وساحات خردة وبيوتٌ طينيّة، وهذا في اللعبة نفسها وتراه في صورها.

رسمٌ من اللعبة لمقاتلٍ بكوفيّةٍ بنّيّة مشدودة على رأسه، يكشّر عن أسنانه بملامح غاضبة.
وجهٌ من وجوه الفصيل كما رسمته اللعبة: مقاتلٌ بكوفيّةٍ مشدودة على رأسه وملامح غاضبة.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
رسمٌ من اللعبة للجنديّ الأساسيّ: رجلٌ ملتحٍ بعمامةٍ رثّة ينظر إلى الجانب ويحمل بندقيّة كلاشنكوف أمام صدره.
الجنديّ الأساسيّ في الفصيل (Rebel): رجلٌ ملتحٍ بعمامةٍ رثّة يحمل بندقيّة كلاشنكوف.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.

ثمّ تأتي الوحدات. في قائمة الفصيل «إرهابيّ» (Terrorist) يركض بحزامٍ ناسف ليفجّر نفسه، و«شاحنة مفخّخة» (Bomb Truck)، و«جرّار سموم» (Toxic Tractor). وفيها وحدةٌ اسمها «الغوغاء الغاضبة» (Angry Mob)، حشدٌ من الغاضبين يحمل البنادق والحجارة. وفي التوسعة (Zero Hour) جنرالٌ للفصيل اسمه «ثراكس» (Thrax)، والاسم مأخوذٌ من الجمرة الخبيثة (Anthrax)، وتخصّصه الأسلحة السامّة.

لوحةٌ على أرضٍ صحراويّة تعرض وحدات الفصيل بأسمائها الإنجليزية: شاحنة مفخّخة وجرّار سموم وقاذف سكود ودبّابات، ومن المشاة العامل والمتمرّد والإرهابيّ والغوغاء الغاضبة.
لوحةٌ تجمع وحدات الفصيل: الشاحنة المفخّخة وجرّار السموم وقاذف سكود، ومن المشاة العامل والمتمرّد والإرهابيّ والغوغاء الغاضبة.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
رسمٌ من اللعبة لوحدة «الإرهابيّ»: رجلٌ بعمامةٍ رماديّة يرفع جهاز تفجير، وعلى صدره حزامٌ من أصابع الديناميت الحمراء.
وحدة «الإرهابيّ»: رجلٌ بعمامةٍ يحمل جهاز تفجير، وعلى صدره حزامٌ من أصابع الديناميت.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
رسمٌ من اللعبة لوحدة «الغوغاء الغاضبة»: رجالٌ غاضبون بقبّعاتٍ وعمائم يصرخون ويرفع أحدهم بندقيّة، وخلفهم أعلامٌ حمراء.
وحدة «الغوغاء الغاضبة»: حشدٌ من رجالٍ غاضبين بقبّعاتٍ وعمائم يرفعون البنادق.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
رسمٌ من التوسعة للجنرال «ثراكس»: رجلٌ ملثّم بكوفيّةٍ بنّيّة لا تظهر منه إلّا عيناه، يرفع إصبعه السبّابة أمام سماءٍ غائمة.
الجنرال «ثراكس» في التوسعة: رجلٌ ملثّم بكوفيّةٍ يرفع إصبعه، واسمه مأخوذٌ من الجمرة الخبيثة.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.

واللافت أنّ السلسلة نفسها عرفت خصمًا إرهابيًّا أعقد من هذا بكثير. ففي أجزاء Command & Conquer الأولى كانت «جماعة نود» (Brotherhood of Nod) طائفةً يقودها انتهازيٌّ مقنع يستغلّ مظالم العالم الحقيقيّة ولغة المقاومة والتحرير ليبني سلطته، كما يلاحظ Rock Paper Shotgun.[3] فالمطوّرون كانوا يعرفون كيف يرسمون عدوًّا له دوافع وتاريخ. وحين وصلوا إلى الشرق الأوسط، اختاروا الغوغاء.

والفجوة التقنيّة مرسومةٌ عمدًا في قواعد اللعب. الولايات المتّحدة، بتعبير الناقد Sin Vega في موقع Rock Paper Shotgun سنة 2024، هي «الفصيل الوحيد الذي يملك الليزر والطائرات المسيّرة»، ومعها سلاح جوّ يوجّه ضرباتٍ دقيقة لا يملكها غيرها. أمّا الفصيل الثالث، فيجمع موارده بعمّالٍ يصفهم الناقد نفسه بالسخرة، «يشكون أنّهم بلا أحذية، حتى أضافت التوسعة الأحذية ترقيةً تشتريها».[3] فأمام جرّافةٍ آليّة تبني للفصيلين الآخرين، يقف عاملٌ حافٍ يطلب حذاءً.

لقطةٌ من ساحة اللعب لجرّافةٍ آليّة زرقاء ورماديّة بعجلاتٍ ضخمة على أرضٍ ترابيّة.
الجرّافة الآليّة التي يبني بها الفصيلان الآخران قواعدهما، في الموضع الذي يعمل فيه العامل عند الفصيل الثالث.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
رسمٌ من اللعبة لوحدة «العامل»: رجلٌ بقبّعةٍ حمراء وقميصٍ رثّ يحمل معولًا على كتفيه.
وحدة «العامل» في الفصيل: رجلٌ بقبّعةٍ حمراء يحمل معولًا على كتفيه.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.
لقطةٌ قريبة من ساحة اللعب لنموذج العامل: جسمٌ نحيل بلا قميص وسروالٌ أخضر، واقفٌ على أرضٍ عشبيّة.
العامل كما يظهر في ساحة اللعب: جسمٌ نحيل بلا قميص، وهو في النسخة الأصليّة من اللعبة حافي القدمين.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.

الصوت: لكنةٌ وصراخ

الصوت نصف الصورة في ألعاب الاستراتيجية، لأنّ كلّ وحدةٍ تردّ بجملةٍ حين تنقر عليها أو تعطيها أمرًا. وقد كتب Sin Vega أنّ مقاتلي الفصيل «كلّهم عرب»، وأنّهم «يبدون ويتكلّمون تمامًا كما تتخيّلهم حين تفكّر في الإعلام الأمريكيّ عن الشرق الأوسط في مطلع الألفية».[3] والمقطعان التاليان نشرهما لاعبون على يوتيوب، ويجمعان الجمل الصوتيّة لوحدتي «الإرهابيّ» و«الغوغاء الغاضبة» كما هي في ملفّات اللعبة. استمع إليهما دقيقتين، ثمّ قارن ما تسمعه بما تعرفه عن أهل بلدك وطريقة كلامهم.

الجمل الصوتيّة لوحدة «الإرهابيّ» كما هي في ملفّات اللعبة، في مقطعٍ نشره phi على يوتيوب.
أصوات وحدة «الغوغاء الغاضبة» كما هي في ملفّات اللعبة، في مقطعٍ نشره Valthero على يوتيوب.

وقراءتي بعد أن أعدت الاستماع أنّ الفرق في النبرة مقصود. الطيّار الأمريكيّ وقائد الدبّابة يردّان بمصطلحاتٍ عسكريّة مقتضبة وهدوءٍ محترف، ووحدات الفصيل الثالث تردّ بالصراخ والوعيد والشكوى. وحين تسمع هذا مئات المرّات في الليلة، يرسخ في أذنك أنّ أحد الطرفين عقلٌ منضبط والآخر انفعالٌ بلا عقل.

المكان: صحراءٌ وخردة

خرائط الفصيل الثالث بنّيّةٌ وصفراء في أغلبها: صحارى، وقرى طينيّة، وساحاتٌ من البراميل الصدئة. وقواعده، كما في الصورة التالية، مجمّعاتٌ من البيوت الترابيّة والقباب. وأرى أنّ هذا التصميم يترك في ذهن اللاعب صورةً عن منطقةٍ كاملة بلا مدنٍ حديثة ولا جامعاتٍ ولا حياةٍ عاديّة. وحين تقصف مثل هذا المكان في اللعبة، لا تشعر أنّك تهدم وطن أحد.

لقطةٌ من الأعلى لقاعدة الفصيل: بيوتٌ ترابيّة وقبابٌ وأبراج وسط أرضٍ صحراويّة، ودخانٌ يتصاعد من بعض المباني.
قاعدةٌ للفصيل الثالث من الأعلى: بيوتٌ ترابيّة وقبابٌ وأبراج حراسة وسط أرضٍ صحراويّة.صورةٌ من لعبة Command & Conquer: Generals (EA Pacific، 2003) وتوسعتها، وحقوقها لشركة Electronic Arts، وتُعرض هنا للنقد والتحليل.

وأبعد من المكان مسألة الدولة. الولايات المتّحدة والصين في اللعبة جيشان نظاميّان لدولتين، والفصيل الثالث ميليشيا بلا دولة، أمّا في منطقتنا فدولٌ وجيوشٌ نظاميّة ومؤسّسات، سواء أحببت حكوماتها أم لم تحبّها. واللعبة اختارت أن تمثّل منطقةً كاملة بميليشيا وحشودٍ غاضبة، وهذا عندي أخطر ما فيها، لأنّه يجعل التدخّل الخارجيّ يبدو الطريقة الوحيدة لإقامة النظام.

اعتراضٌ منصف، وجوابي عليه

قد يقول أحدهم: أليس بعض ما رسمته اللعبة يشبه ما رأيناه لاحقًا في ساحات العراق وسوريا؟ الجواب في «التأطير». قدّمت اللعبة هذا الفصيل بلا قضيّة وبلا شعبٍ يقف خلفه، ثمّ أخذت صورة المقاوم، وصورة الرجل المتديّن بلحيته، وصورة الفلّاح الفقير، وصبّتها كلّها في قالبٍ واحد عنوانه الإرهاب. والمشكلة في هذا الخلط، وفي حذف كلّ دافعٍ إنسانيّ من الصورة.

واعتراضٌ آخر أقوى: اللعبة تسخر من الجميع، وهذا صحيحٌ جزئيًّا، فالناقد نفسه يرى أنّ صورة الصين فيها مهينةٌ أيضًا، إذ يقوم اقتصادها في اللعبة على سرقة المال بالاختراق. ويرى أنّ المطوّرين في التوسعة كانوا يسخرون من الأمريكيّين أنفسهم.[3] لكنّ السخرية من أمريكا تبقى سخريةً من بطلٍ مغرور، والسخرية من الفصيل الثالث تنزع عنه صفة الإنسان. والناقد الغربيّ الذي رأى هذا كتب عنوان مقاله صريحًا: كانت اللعبة ستكون الأفضل في سلسلتها «لولا الصور النمطيّة العنصريّة المملّة».

ما وراء الشاشة: الجيش وصناعة الألعاب

في النسخة الأولى من هذا المقال تحدّثت عن دعمٍ عسكريّ مقابل رواية، وأريد هنا أن أكون دقيقًا: لم أجد وثيقةً تقول إنّ Generals نالت مساعدةً من وزارة الدفاع الأمريكيّة. ما وجدته يصف منظومةً أوسع من لعبةٍ واحدة، وهو موثّق من مصادره الرسميّة.

أوّله أنّ الجيش الأمريكيّ صنع لعبته بنفسه. فقد أطلق لعبة America’s Army في 4 تموز 2002، قبل Generals بسبعة أشهر. وقالت نائبة مدير استوديو الألعاب في الجيش إنّها صُنعت «لتعطي المدنيّين نظرةً من الداخل على جيش اليوم عالي التقنية».[5] والجيش هنا لم يحتج إلى استوديو يجمّل صورته، فقد صنع اللعبة بنفسه لتكون نافذةً يرى منها المدنيّون الجيش كما يريد هو أن يُرى. والثاني أنّ لوزارة الدفاع تعليماتٍ رسميّة، رقمها 5410.16، تنظّم مساعدتها لإنتاجات الترفيه غير الحكوميّة، وتسمّي صراحةً الأفلام والمسلسلات والأفلام الوثائقيّة «والألعاب الإلكترونيّة». وتربط التعليمات المساعدة بأن يعود التعاون بالنفع على الوزارة أو على «مصلحة الأمّة»، وبأن يقدّم العمل «تصويرًا واقعيًّا بقدرٍ معقول» للقوّات المسلّحة.[6] والتعليمات منشورةٌ في 27 صفحة على موقع الوزارة، ويستطيع أيّ أحدٍ أن يقرأها ويرى بنفسه كيف تُقيَّم الأعمال التي تطلب المساعدة، وما الذي يُطلب منها في المقابل.

شكل 2 كيف تمرّ مساعدة وزارة الدفاع إلى عملٍ ترفيهيّ مسارٌ من اليمين. طلبٌ من المنتج، لفيلمٍ أو مسلسلٍ أو لعبة. ثمّ تقييم الوزارة، وهو مميّز، بمعيارين: أن يفيد التعاون الوزارة أو مصلحة الأمّة، وأن يصوّر القوّات تصويرًا واقعيًّا. ثمّ يتفرّع المسار إلى مساعدةٍ أو لا مساعدة. طلبٌ من المنتج فيلمٌ أو لعبة تقييم الوزارة يفيد الوزارة أو مصلحة الأمّة ويصوّر القوّات تصويرًا واقعيًّا مساعدة لا مساعدة كيف تمرّ مساعدة وزارة الدفاع إلى عملٍ ترفيهيّ مسارٌ من اليمين. طلبٌ من المنتج، لفيلمٍ أو مسلسلٍ أو لعبة. ثمّ تقييم الوزارة، وهو مميّز، بمعيارين: أن يفيد التعاون الوزارة أو مصلحة الأمّة، وأن يصوّر القوّات تصويرًا واقعيًّا. ثمّ يتفرّع المسار إلى مساعدةٍ أو لا مساعدة. طلبٌ من المنتج فيلمٌ أو لعبة تقييم الوزارة يفيد الوزارة أو مصلحة الأمّة ويصوّر القوّات تصويرًا واقعيًّا مساعدة لا مساعدة
كيف تمرّ مساعدة وزارة الدفاع الأمريكيّة إلى فيلمٍ أو لعبة بحسب تعليماتها الرسميّة: طلبٌ من المنتج، ثمّ تقييمٌ بمعيارين، وهو مميّز، أن يفيد التعاون الوزارة أو مصلحة الأمّة، وأن يصوّر القوّات تصويرًا واقعيًّا، ثمّ مساعدةٌ أو لا مساعدة.

فالقناة موجودة، والمعيار مكتوب. وأيّ استوديو يريد دبّاباتٍ وطائراتٍ أمريكيّة «واقعيّة» في عمله يعرف أنّ الطريق إليها يمرّ بصورةٍ يرضى عنها الجيش. وهذا ما يسمّيه باحثون كثيرون «المجمّع العسكريّ الترفيهيّ». وهو لا يحتاج إلى أوامر مكتوبة لكلّ لعبة، لأنّ السوق كلّه يعرف أيّ الروايات تفتح الأبواب.

لماذا أحببناها وهي تهيننا؟

لست وحدي من لاحظ هذه المفارقة. في نيسان 2004 زار صحفيٌّ محلّ إنترنت في القاهرة، ووجد مراهقين مصريّين يقودون الجيوش في اللعبة نفسها. قالوا له إنّها تكرّس صورة العربيّ الإرهابيّ، ثمّ لم يتركوها. وقال أحدهم، وعمره 16 سنة: «أعرف أنّها عنصريّة، لكن ماذا أفعل؟ إنّها لعبةٌ جيّدة».[4] وهذه الجملة تلخّص ما كان يحدث في محلّات دمشق أيضًا.

ولاحظ الصحفيّ نفسه أنّ بعض اللاعبين المصريّين كانوا يفرّغون في اللعبة غضبًا حقيقيًّا، في وقتٍ كانت فيه قوّات الأمن تضبط المظاهرات ضدّ الدعم الأمريكيّ لإسرائيل وضدّ احتلال العراق.[4] فالشاشة كانت عند بعضهم المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن يقاتل، ولو بفصيلٍ رُسم ليكون الشرير.

ووصف المراهقون للصحفيّ ما يرونه: مشاهد افتتاحيّة يطلق فيها مقاتلو الفصيل النار على المدنيّين ويسرقون المساعدات الأمريكيّة. وقالوا إنّهم منزعجون من أنّ الألعاب والأفلام والقصص المصوّرة والكتب الأمريكيّة كلّها تصوّر العرب متعصّبين قساة. ثمّ قال أحدهم، وعمره 18 سنة، إنّه لا سبيل إلى أن تصنع شركةٌ مصريّة ألعابًا جيّدة.[4] وسأعود إلى هذه الجملة في آخر المقال.

وأرى أنّنا أحببناها لسببين. الأوّل بريء: إيقاعٌ سريع وتحدٍّ ورسومٌ ثلاثيّة الأبعاد جديدة سنة 2003. والثاني أعمق: كنّا نلعب بالفصيل الثالث لأنّه بدا لنا، رغم تشويهه، تحدّيًا للغطرسة بأدواتٍ بسيطة. والنتيجة أنّنا تعوّدنا أن نرى صورتنا مهانةً على الشاشة ونضحك، وأن نعدّ الإهانة نكتةً في لعبة. وأظنّ أنّ قليلين حولنا يومها كانوا يرون في الألعاب شيئًا يستحقّ النقد أصلًا، فقد كانت عند أكثر الكبار مضيعةً للوقت، وعند أكثرنا متعةً بلا أسئلة.

والباحث التشيكيّ Vít Šisler درس هذه الظاهرة في ألعابٍ أوروبيّة وأمريكيّة كثيرة، ونشر خلاصته سنة 2008 في المجلّة الأوروبيّة للدراسات الثقافيّة. وجد أنّ هذه الألعاب «سطّحت» الهويّات المتنوّعة في العالم الإسلاميّ، وأعادت بناءها في أنماطٍ اجتماعيّة تعمل كلّها داخل إطار الإرهاب والعداء.[7] فما رأيناه في Generals نمطٌ في صناعةٍ كاملة.

ولا يقف بحث Šisler عند النقد. فقد درس أيضًا ألعابًا صُنعت في العالم العربيّ، ووجد أنّ مؤلّفيها قلبوا هذه الصور النمطيّة وأعادوا صياغتها عن وعي، كلٌّ بطريقته.[7] فالصورة ليست قدرًا، وتتغيّر حين يمسك أصحابها بالأداة.

لعبةٌ واحدة في آلةٍ أكبر منها

لم تخترع Generals صورة العربيّ الشرير، فقد ورثتها من صناعةٍ أقدم منها بكثير، وقد أمضى الباحث الأمريكيّ جاك شاهين ثلاثين سنةً يدرس هذه الصورة في السينما. وراجع في كتابه «عرب الشاشة السيّئون» أكثر من ألف فيلم، من أقدم أيّام هوليوود إلى أضخم أفلام زمنه.[8] وقال في الفيلم الوثائقيّ الذي أُخذ عن الكتاب سنة 2006 إنّه وجد «نمطًا ثابتًا على نحوٍ خطير» من الصور النمطيّة الكارهة للعرب، صورًا «تسلب شعبًا كاملًا إنسانيّته».

فحين جلس المراهق الأمريكيّ أو الأوروبيّ أمام Generals سنة 2003، كان قد رأى الصورة نفسها في عشرات الأفلام قبلها. وسيراها في نشرات الأخبار في الشهر نفسه، ثمّ في ألعابٍ أحدث بعدها. واللعبة لم تكن تحتاج إلى أن تقنعه بشيءٍ جديد، يكفيها أن تؤكّد له ما يعرفه، وأن تضعه هذه المرّة خلف المدفع. وأظنّ أنّ هذا هو الفرق الذي تضيفه الألعاب إلى الأفلام: المشاهد يرى العربيّ يُقتل، أمّا اللاعب فيقتله بيده، ويُكافأ على ذلك بالنقاط والترقيات.

كيف تقرأ لعبة حربٍ بعينٍ ناقدة

من هذه اللعبة يمكنك أن تخرج بأسئلةٍ تطرحها على أيّ لعبة حربٍ تلعبها اليوم. وهي أسئلةٌ صغت أكثرها من قراءة Šisler ومن تجربتي مع Generals:

  • من العدوّ في اللعبة، وهل له دولةٌ وجيشٌ نظاميّ، أم هو ميليشيا وحشود؟
  • هل للعدوّ دافعٌ تفهمه، ظلمٌ أو احتلالٌ أو قضيّة، أم يقاتل لأنّ الشرّ طبيعته؟
  • كيف يتكلّم كلّ طرف: بمصطلحاتٍ هادئة أم بصراخٍ ولكنة؟
  • أين المدنيّون، وهل لهم حياةٌ خارج المعركة، أم هم ديكورٌ أو غوغاء؟
  • من يملك التقنية المتقدّمة، ومن يُرسم بدائيًّا، ولماذا؟

جرّب هذه الأسئلة على لعبةٍ حديثة تلعبها أنت أو ابنك، وستجد الجواب أسرع ممّا تتوقّع. ولا تحتاج إلى أن تكون ناقدًا محترفًا، يكفي أن تنتبه إلى ما كنت تمرّ عليه دون انتباه. وأنا مررت عليه سنواتٍ في محلّات دمشق، ولم أنتبه إلّا حين عدت إليه وأنا أعرف ما أعرفه اليوم عن الحرب والإعلام.

من الشاشة إلى الواقع

قد يسألني قارئ: هل أحمّل لعبةً قديمة أكثر ممّا تحتمل؟ دور لعبةٍ واحدة في حربٍ صغير، ودور آلاف الأفلام والألعاب ونشرات الأخبار معًا كبير، وكانت Generals واحدةً منها في الشهر الذي بدأت فيه الحرب. ويسمّي إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي هذه العمليّة في كتابهما الصادر سنة 1988 «صناعة القبول» (Manufacturing Consent): إعلامٌ لا يُؤمر، لكنّه يصنع الموافقة على ما تريده السلطة.[9]

والشاهد الأوضح العراق. سلاح الفصيل الثالث المميّز في اللعبة هو السموم والجمرة الخبيثة، والحرب في آذار 2003 بُرّرت بأسلحة الدمار الشامل. ثمّ أصدر فريق مسح العراق، الذي كلّفته الاستخبارات الأمريكيّة، تقريره الشامل في 30 أيلول 2004. قال فيه إنّه «لم يجد دليلًا» على أنّ صدّام حسين كان يملك مخزوناتٍ من هذه الأسلحة سنة 2003. وأضاف أنّ العراق كان خاليًا تقريبًا من مخزوناتٍ ذات شأنٍ عسكريّ منذ منتصف التسعينيّات.[2] دُمّر بلدٌ كامل على كذبةٍ تكرّرت في نشرات الأخبار، ولعبها المراهقون على الشاشات في الشهر نفسه.

شكل 3 من اللعبة إلى الحرب إلى التقرير خطٌّ زمنيّ يبدأ من اليمين. تموز 2002: الجيش الأمريكيّ يطلق لعبته America's Army. شباط 2003: صدور Generals قبل الحرب بخمسة أسابيع. آذار 2003: الحرب على العراق بحجّة أسلحة الدمار الشامل. أيلول 2004، وهو مميّز: تقرير فريق مسح العراق لا يجد مخزوناتٍ من هذه الأسلحة سنة 2003. تموز 2002 لعبة الجيش الأمريكيّ America's Army شباط 2003 صدور Generals قبل الحرب بخمسة أسابيع آذار 2003 الحرب على العراق بحجّة أسلحة الدمار أيلول 2004 تقرير فريق المسح لا مخزونات سنة 2003 من اللعبة إلى الحرب إلى التقرير خطٌّ زمنيّ يبدأ من اليمين. تموز 2002: الجيش الأمريكيّ يطلق لعبته America's Army. شباط 2003: صدور Generals قبل الحرب بخمسة أسابيع. آذار 2003: الحرب على العراق بحجّة أسلحة الدمار الشامل. أيلول 2004، وهو مميّز: تقرير فريق مسح العراق لا يجد مخزوناتٍ من هذه الأسلحة سنة 2003. تموز 2002 لعبة الجيش الأمريكيّ America's Army شباط 2003 صدور Generals قبل الحرب بخمسة أسابيع آذار 2003 الحرب على العراق بحجّة أسلحة الدمار أيلول 2004 تقرير فريق المسح لا مخزونات سنة 2003
من اللعبة إلى الحرب إلى الحقيقة: لعبة الجيش الأمريكيّ في تموز 2002، ثمّ Generals في شباط 2003، ثمّ الحرب على العراق في آذار 2003، ثمّ تقرير فريق مسح العراق في أيلول 2004، وهو مميّز لأنّه لم يجد مخزونات الأسلحة التي بُرّرت بها الحرب.

وفي بلدي سوريا رأيت بعينيّ الخرائط الكئيبة التي كنّا نلعب عليها تصير شوارع حقيقيّة في سنوات الثورة: مدنٌ محطّمة وأنفاق وساحات ركام. وسقط نظام الأسد في كانون الأوّل 2024، وفرّ من دمشق.[10] لكنّ العالم تعامل مع الدم السوريّ طوال تلك السنوات كأنّه مشهدٌ مألوف، وأظنّ أنّ لعقودٍ من هذه الصور في ذلك يدًا.

وفي غزة وصلت هذه الصورة إلى أقصاها. ففي 16 أيلول 2025 قالت لجنة التحقيق الدوليّة المستقلّة التابعة للأمم المتّحدة إنّ إسرائيل ارتكبت إبادةً جماعيّة في قطاع غزة. وقالت رئيستها نافي بيلاي: «تجد اللجنة أنّ إسرائيل مسؤولةٌ عن ارتكاب الإبادة الجماعيّة في غزة».[11] وحين يُجرَّد الإنسان من صفة المدنيّ في الخيال سنواتٍ طويلة، يصير قتله في الواقع أسهل على من يشاهد. هذا ما أراه، ولا أزعم أنّه قانونٌ علميّ.

النموذج ما زال يعمل

صدرت اللعبة قبل أكثر من عشرين سنة، لكنّ القالب بقي. في تشرين الأوّل 2019 صدرت Call of Duty: Modern Warfare، وفيها مهمّةٌ اسمها «طريق الموت» تجري على طريقٍ صحراويّ في بلدٍ عربيّ متخيَّل. يُقال للاعب فيها إنّ الروس قصفوا الطريق وقتلوا الفارّين. أمّا «طريق الموت» الحقيقيّ سنة 1991، فكان هجومًا للولايات المتّحدة وحلفائها على رتلٍ عراقيّ منسحب، كما يشرح المؤرّخ John Wills.[12] وللإنصاف، يذكر Wills أيضًا أنّ المطوّرين قالوا إنّهم يستلهمون الأحداث الحقيقيّة ويكتبون قصصهم الخاصّة.

وأرى أنّ المعادلة لم تتغيّر كثيرًا في العقدين اللذين تليا Generals، فالخريطة الصحراويّة والمسلّح الملثّم ما زالا في كثيرٍ من ألعاب التصويب الحديثة الهدف الأسهل أمام اللاعب. ويكفي أن تفتح أيّ لعبةٍ منها وتطرح عليها الأسئلة الخمسة السابقة لترى ذلك بنفسك.

ماذا يمكنك أن تفعل؟

أوّلًا، العب وأنت تعرف ما تلعب. ألعاب الحرب كثيرة، ومنها الجيّد، لكنّي أرى أنّ تقمّص دورٍ صُمّم ليجعلك وحشًا في عين العالم، أو دور جنديٍّ أجنبيّ يقتحم مدينةً تشبه مدينتك، ليس ترفيهًا بريئًا. وقرار ما تشتريه وما تتركه قرارك، وهو أقوى ممّا تظنّ حين تتّخذه مع ملايين غيرك.

ثانيًا، علّم من هم أصغر منك أن يقرؤوا الشاشة كما تقرأ خبرًا: من صنعه، ولمن، وما الصورة التي يريد أن تبقى في رأسك. ويكفي أن تجلس مع أخيك أو ابنك نصف ساعة أمام لعبته، وتسأله عن الأشرار فيها ولماذا هم أشرار.

ثالثًا، ابنِ الرواية المقابلة. وهذا ممكن، وقد جُرّب في دمشق نفسها. ففي أواخر سنة 2000 عرض المصمّم رضوان قاسمية، مع فريقٍ من خمسة أشخاص، لعبة «تحت الرماد» (Under Ash) في معرض الكتاب بمكتبة الأسد في دمشق. موّلتها دار الفكر، وصدرت سنة 2001. وقال قاسمية لموقع Kotaku سنة 2010 إنّ الألعاب الغربيّة «شيطنت أهل الشرق الأوسط». وباعت اللعبة وتتمّتها «تحت الحصار» بين نصف مليون ومليون نسخة لكلٍّ منهما، بحسب الموقع نفسه، مع أنّ بعضهم اتّهمهما بالدعاية، وهو ما نفاه قاسمية.[13] ومنذ 28 شباط 2025 صارت شيفرة Generals نفسها مفتوحةً على صفحة Electronic Arts في GitHub برخصة GPL، كما أعلنت الشركة مع ألعابٍ أخرى من السلسلة.[14] فمن يريد اليوم أن يبني على محرّك اللعبة قصّةً أخرى وفصائل أخرى يستطيع ذلك قانونيًّا. فالمراهق المصريّ الذي قال سنة 2004 إنّ شركةً عربيّة لا تستطيع أن تصنع لعبةً جيّدة لم يكن يعرف أنّ الأمر حدث قبله بثلاث سنوات.

رابعًا، وهو الأهمّ عندي: لا تنسَ أنّ الواقع ليس لعبة. الرصاص الذي يُطلق في بلداننا ليس شيفرةً برمجيّة، والبيوت التي تُهدم على أهلها ليست رسومًا على شاشة. والانتصار في لعبةٍ لا قيمة له إن بقيت الهزيمة في الحياة. فابنِ نفسك بالعلم والعمل، وابنِ مع غيرك مجتمعًا متماسكًا، فهذا ما يغيّر الصورة فعلًا.

المصادر

  1. موقع IGN، «Command & Conquer, Now!» (11 شباط 2003): وصول Generals إلى المتاجر.
  2. فريق مسح العراق، «Comprehensive Report of the Special Advisor to the DCI on Iraq’s WMD» (30 أيلول 2004): «لم يجد الفريق دليلًا» على أنّ صدّام حسين امتلك مخزونات أسلحة دمارٍ شامل سنة 2003، والعراق خالٍ تقريبًا من مخزوناتٍ ذات شأنٍ عسكريّ منذ منتصف التسعينيّات، والحرب في آذار 2003.
  3. موقع Rock Paper Shotgun، Sin Vega، «The Rally Point: Command & Conquer Generals would be the best game in the series if it didn’t have boring racist stereotypes» (28 آذار 2024): الفصائل، والعمّال الحفاة وترقية الأحذية، و«كلّهم عرب»، وجماعة نود.
  4. موقع IOL، Amil Khan، «Teens slam ‘racist’ game, but still love it» (22 نيسان 2004): مراهقون في مقهى إنترنت بالقاهرة، وقول موقع Electronic Arts إنّ الجيوش «مستوحاةٌ من أيديولوجيات العالم الحقيقيّ»، واللكنة والأسماء.
  5. الجيش الأمريكيّ، Nikki Ficken، «America’s Army set to release July 18 on PlayStation» (14 تموز 2017): إطلاق America’s Army في 4 تموز 2002 وغرضها.
  6. وزارة الدفاع الأمريكيّة، «DoDI 5410.16: DoD Assistance to Non-Government, Entertainment-Oriented Media Productions» (31 تموز 2015، والتعديل 1 في 28 حزيران 2023): تشمل الألعاب الإلكترونيّة، وشروط المساعدة.
  7. الباحث Vít Šisler، «Digital Arabs: Representation in video games»، المجلّة الأوروبيّة للدراسات الثقافيّة، المجلّد 11، العدد 2 (أيار 2008)، الصفحات 203 إلى 220.
  8. مؤسّسة التربية الإعلاميّة، «Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People»، نصّ الفيلم الوثائقيّ مع جاك شاهين (2006): أكثر من ألف فيلم، و«نمطٌ ثابت على نحوٍ خطير».
  9. الباحثان Edward S. Herman وNoam Chomsky، «Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media» (1988).
  10. مكتب الأمم المتّحدة في جنيف، «One year after Assad’s fall, Syria’s future must be ‘free, sovereign and united’» (7 كانون الأوّل 2025).
  11. الأمم المتّحدة، «Israel has committed genocide in the Gaza Strip, UN Commission of Inquiry finds» (16 أيلول 2025).
  12. موقع The Conversation، John Wills، «Is Call of Duty really promoting anti-Russian propaganda?» (8 تشرين الثاني 2019).
  13. موقع Kotaku، Brian Ashcraft، «A Game About Insurgency» (4 تشرين الأوّل 2010): رضوان قاسمية و«تحت الرماد» و«تحت الحصار».
  14. موقع The Verge، Dominic Preston، «EA open-sources four more Command & Conquer games» (28 شباط 2025).

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة