في 21 آذار 2026 أغلقت المؤسّسات العامّة أبوابها في سوريا كلّها بمناسبة النوروز، أوّل مرّةٍ يكون فيها عطلةً رسميّة مدفوعة الأجر في البلاد. فقد أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا رئاسيًّا في 16 كانون الثاني 2026. وينصّ المرسوم على أنّ النوروز في 21 آذار من كلّ عام «عطلة رسمية مدفوعة الأجر في عموم الجمهورية العربية السورية، بصفته عيدا وطنيا يعبّر عن الربيع والتآخي».[1] فصار السؤال عن هذا اليوم سؤالًا سوريًّا أيضًا، بعد أن كان يُسأل عنه في العراق وإيران وحدهما.
وفي هذا المقال تعرف ما هو النيروز، ومن أين جاءت حكاياته، ولماذا بقي في البلاد التي دخلها الإسلام، وكيف تحتفل به شعوبه اليوم من كركوك إلى طاجيكستان. ثمّ ترى ما تقوله نصوص الحديث والفقه في الاحتفال به، بأقوال أصحابها كما كتبوها.
ما هو النيروز؟
النيروز اسمٌ عُرّب من الفارسيّة «نوروز»، ومعناه اليوم الجديد. ويعرّفه صاحب القاموس، كما ينقل عنه شرّاح الحديث، بأنّه «أول يوم السنة معرب نوروز». وهو عنده «أول يوم تتحول الشمس فيه إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية، كما أن غرة شهر المحرم أول السنة القمرية».[2] فهو يوم الاعتدال الربيعيّ، حين يتساوى الليل والنهار، ويقع في 20 آذار أو 21 منه.
ويتغيّر يومه بين العشرين والحادي والعشرين لأنّ السنة الشمسيّة الحقيقيّة أطول من 365 يومًا بنحو ربع يوم، فتتقدّم لحظة الاعتدال وتتأخّر قليلًا من سنةٍ إلى أخرى حتّى تصحّحها السنة الكبيسة. ولهذا يثبّته المرسوم السوريّ وقرار الأمم المتّحدة في الحادي والعشرين من آذار.
وللنيروز في كتب العرب أخٌ يُذكر معه دائمًا، هو المهرجان. ويقول صاحب «عون المعبود» عنه: «وأما مهرجان فالظاهر بحكم مقابلته بالنيروز أن يكون أول يوم الميزان، وهما يومان معتدلان في الهواء لا حر ولا برد ويستوي فيهما الليل والنهار».[2] فالنيروز اعتدال الربيع، والمهرجان اعتدال الخريف، وهما اليومان اللذان يذكرهما الحديث الآتي بعد قليل.
والاسم نفسه يدلّ على شيئين مختلفين في التراث العربيّ. فعند الفرس هو أوّل سنتهم عند دخول الشمس برج الحمل، وعند القبط في مصر هو أوّل شهر توت، أوّل سنتهم القبطيّة، كما يذكر الفيّوميّ في المصباح المنير.[3] والحديث هنا عن الأوّل، النيروز الفارسيّ الذي يحتفل به الإيرانيّون والكرد والأفغان وشعوب آسيا الوسطى في الربيع.
من أين جاءت حكاياته؟
للنيروز حكايتان مشهورتان، وكلتاهما أسطورة. الأولى فارسيّة، تربطه بالملك الأسطوريّ جمشيد، كما في شاهنامه الفردوسيّ، وبقيت هذه الصلة حيّةً حتّى صار الفرس يسمّون أطلال برسبوليس «تخت جمشيد»، كما تذكر موسوعة إيرانيكا.[4] وتذكر الموسوعة نفسها أنّ أصحاب التقويم الزرادشتيّ القديم كانوا فلكيّين مهرة، يثبّتون النيروز عند الاعتدال الربيعيّ، وإن لم يكن ذلك بدقّةٍ تامّة.
والحكاية الثانية كرديّة، وهي التي تسمعها اليوم في القامشلي وكركوك ودياربكر. فيرى باحثون كرد، كما نقلت الجزيرة، أنّ المناسبة ترتبط بالبطل كاوه الحدّاد، الذي ثار على ملكٍ ظالم اسمه زهاك. وتقول الرواية إنّ لزهاك أفعى تتغذّى على أدمغة الأطفال، وإنّه أخذ من كاوه خمسة عشر طفلًا. فلمّا لم يبقَ له إلّا طفلةٌ صغيرة توجّه إلى القصر بمطرقته وتغلّب عليه، ثمّ أوقد النيران فوق القصر، فعرف الناس أنّه انتصر.[5] ومن هذه النار جاءت نيران النوروز التي تُوقد على الجبال والسطوح حتّى اليوم. والضحّاك نفسه، بالاسم الذي تعرفه الكتب العربيّة، هو الطاغية الذي يقوم عليه كاوه في الأدب الفارسيّ أيضًا.[6]
وينقل التقرير نفسه أنّ باحثين آخرين يردّون العيد إلى السومريّين، وأنّ النار كانت تُوقد قديمًا على أسطح المنازل علامةً على انتصار النور على الظلام.[5] فالحكايات تختلف باختلاف الشعوب التي تحتفل بالعيد، وتبقى كلّها حكاياتٍ عن ربيعٍ يأتي بعد شتاء، ونورٍ يأتي بعد ظلام. وهذا التعدّد نفسه سببٌ للحذر حين تقرأ أنّ للعيد «أصلًا» واحدًا مؤكّدًا: فالمصادر التي بين أيدينا تروي أساطير، ولا تؤرّخ لبداية.
لماذا لم يندثر النيروز بعد الإسلام؟
لأنّ الدولة نفسها احتاجت إليه، قبل أن تحتفل به. فتذكر موسوعة إيرانيكا، نقلًا عن مؤرّخين مسلمين أوائل، أنّ العرب دخلوا عاصمة الساسانيّين في يوم نيروز، فوجدوا أهلها يحتفلون. ثمّ صار الولاة الأوائل يجبون من أهل البلاد ضرائب ثقيلة في النيروز والمهرجان، وأبقى الخلفاء الأمويّون والعبّاسيّون هذه الضرائب، واحتفلوا هم أنفسهم باليومين احتفالًا كبيرًا، فساعدوا على بقائهما.[7]
والضريبة هي التي غيّرت موعده أوّل مرّة. ففي سنة 282 للهجرة، يروي الطبري أنّ الخليفة المعتضد كتب إلى العمّال في كلّ النواحي يغيّر موعد الخراج. فقد أمرهم «بترك افتتاح الخراج في النيروز الذي هو نيروز العجم، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادي عشر من حزيران، وسمي ذلك النيروز المعتضدي». وقال في كتابه إنّه أراد بذلك «الترفيه على الناس، والرفق بهم»، وأمر أن يُقرأ كتابه على الناس. وكُتبت الكتب بذلك من الموصل، حيث كان المعتضد يومها.[8]
وسبب حاجة الدولة إلى يومٍ كهذا في التقويم نفسه. فالسنة الهجريّة قمريّة، أقصر من السنة الشمسيّة بنحو أحد عشر يومًا، فتدور شهورها على الفصول كلّها في ثلاثٍ وثلاثين سنة تقريبًا. أمّا الزرع فيتبع الشمس، والحصاد يأتي في موسمه كلّ سنة. ولهذا كان افتتاح الخراج في يومٍ شمسيّ ثابت، هو النيروز، حتّى نقله المعتضد إلى منتصف حزيران.
ثمّ ثبّته السلطان السلجوقيّ ملكشاه عند الاعتدال الربيعيّ بتقويمٍ شمسيّ جديد في سنة 471 للهجرة، 1079 للميلاد.[7] فصار النيروز في البلاد الإسلاميّة يومًا في دواوين الدولة أيضًا: موعد ضريبةٍ وتقويم، تحسب به سنتها الشمسيّة.
وفي مصر احتُفل به في العهد الفاطميّ عيدًا عامًّا، كما تنقل إيرانيكا عن المقريزي والقلقشندي والنويري: لبسٌ جديد، ورشّ ماء، وإيقاد نار، وموسيقى، واستقبالاتٌ رسميّة، وتبادل هدايا، وصدقات.[7] فالعيد عاش قرونًا في قصور الخلفاء وأسواق المدن، مع أنّ الفقهاء، كما سترى، لم يقرّوه.
وفي هذا درسٌ في قراءة التاريخ يستحقّ أن تحفظه. فما فعله خليفةٌ عبّاسيّ أو فاطميّ في قصره خبرٌ عن عصره، لا دليلٌ في الحكم، والفقهاء الذين عاشوا في القرون نفسها كتبوا عن العيد ما ستقرؤه بعد قليل. ولهذا تجد في المقالات الشائعة عن النيروز خلطًا بين الأمرين، كأنّ احتفال قصرٍ في بغداد أو القاهرة يكفي ليجعل العيد جزءًا من الإسلام. والأمانة في الكتابة عن هذا اليوم أن تفصل بين ما حدث في التاريخ وبين ما تقوله النصوص.
ما مكان النيروز في الشعر العربيّ؟
ومن أوضح ما يدلّ على مكانة النيروز في المدن العبّاسيّة أنّه دخل الشعر العربيّ اسمًا للربيع نفسه. فالبحتري، شاعر القرن الثالث للهجرة، يقول في قصيدته المشهورة يخاطب الوزير الفتح بن خاقان:
«أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا … من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غلس الدجى … أوائل ورد كن بالأمس نوما».[9]
فالنيروز في البيت هو الذي يوقظ الورد قبل الفجر، وهو هنا صورةٌ شعريّة للربيع، يفهمها السامع في بغداد من غير شرح. وهذا بالضبط ما جعل المسألة الفقهيّة حاضرة: فالعيد لم يكن غريبًا يأتي من بعيد، كان جزءًا من حياة المدن التي عاش فيها الفقهاء أنفسهم.
كيف يُحتفل به اليوم؟
في إيران تُعدّ الأسر للعيد مائدةً اسمها «هفت سين»، أي السينات السبع بالفارسيّة. وترى في الصورة التالية واحدةً منها، بأطباقها الصغيرة ووعاء السمك الأحمر والزهور والشموع، وعليها مصحفٌ أيضًا.

وعند الكرد النار هي العلامة، كما في حكاية كاوه: شعلةٌ تُوقد على قلعةٍ أو جبل، ويجتمع حولها الناس بأزيائهم التقليديّة. وهذا ما تراه في الصورة التالية من قلعة كركوك في العراق، يوم 20 آذار 2026.

وفي آسيا الوسطى للعيد طعامه الخاصّ. ففي طاجيكستان وجيرانها يُطبخ في النيروز طبق السمَلَك في قدورٍ ضخمة، يحرّكه الناس بمجارف خشبيّة طويلة كما في الصورة التالية. والكازاخ في منغوليا أكثر من 130 ألف نسمة، يشكّلون 4% من سكّانها. ويصف ملفّ اليونسكو كيف يستيقظون باكرًا في 22 آذار ليستقبلوا شروق السنة الجديدة، ويوقدون شمعتين للسعادة والوفرة، ويطبخون حساءً تقليديًّا اسمه كوجي، ويجعلون العيد وقتًا لتسوية الديون والخصومات.[10]

والاعتراف الدوليّ بالعيد اليوم واسع. فاليونسكو تدرجه في قائمة التراث الثقافيّ غير المادّيّ للبشريّة باسم ثلاث عشرة دولة تقدّمت به معًا، منها العراق وإيران وأفغانستان وتركيا وباكستان ودول آسيا الوسطى. وآخر توسيعٍ للملفّ في 2024 أضاف منغوليا.[10] والجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة أعلنت 21 آذار يومًا دوليًّا للنوروز بقرارها 64/253، الذي اعتمدته في 23 شباط 2010.[11]
وقد قدّمت مشروع القرار دولٌ يحتفل بها الناس بالعيد، منها أفغانستان وأذربيجان وألبانيا وإيران والهند وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركيا وتركمانستان، وأُدرج في جدول الأعمال تحت بند «ثقافة السلام».[11] فالعيد في الأمم المتّحدة مناسبةٌ ثقافيّة بين دول، ولا يتعلّق القرار بموقف أيّ دينٍ من العيد.
ماذا يعني المرسوم السوريّ لسنة 2026؟
المرسوم الذي جعل النوروز عطلةً في سوريا جزءٌ من مرسومٍ أوسع من ثماني مواد، عن حقوق المواطنين السوريّين الكرد. فهو يقول إنّ الكرد «جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري»، ويجعل الكرديّة لغةً وطنيّة يُسمح بتدريسها في المدارس الحكوميّة والخاصّة في المناطق التي يشكّل الكرد فيها نسبةً ملحوظة من السكّان. ويلغي آثار إحصاء سنة 1962 في محافظة الحسكة، ويمنح الجنسيّة السوريّة للمقيمين من أصولٍ كرديّة، ومنهم مكتومو القيد، مع المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. ويُلزم مؤسّسات الدولة الإعلاميّة والتربويّة بتبنّي «خطاب وطني جامع»، ويحظر قانونًا أيّ تمييزٍ أو إقصاءٍ على أساسٍ عرقيّ أو لغويّ، ويعاقب من يحرّض على الفتنة.[1]
فالعطلة في المرسوم جاءت في سياق المواطنة والاعتراف بثقافة جزءٍ من السوريّين، ووصفها المرسوم بأنّها عيدٌ وطنيّ «يعبّر عن الربيع والتآخي». وهذا قرارٌ للدولة في تنظيم أيّامها الرسميّة. أمّا موقف المسلم من الاحتفال باليوم نفسه، فسؤالٌ آخر، تجيب عنه النصوص التالية.
هل النيروز عيدٌ دينيّ؟
أكثر من يحتفلون بالنيروز اليوم يرونه عيدًا قوميًّا أو ثقافيًّا، والمرسوم السوريّ نفسه يصفه بأنّه عيدٌ وطنيّ «يعبّر عن الربيع والتآخي». لكنّ جذوره دينيّة، وملفّ اليونسكو نفسه يقول ذلك صراحةً. فهو يصف العيد، في نصّ التوسيع الأخير، بأنّه «عيدٌ شعبيّ تقليديّ للربيع، يقوم على عبادة الطبيعة والشمس والكون».[10]
وتذكر موسوعة إيرانيكا أنّه كان في التقويم التعبّديّ الزرادشتيّ أوّل يوم في السنة، تسبقه آخر الأعياد الموسميّة، ثمّ تبدأ سلسلتها من جديد بعده.[4] وما زال إلى اليوم رأس السنة في التقويم البهائيّ، مثبّتًا فلكيًّا عند الاعتدال الربيعيّ، كما يقول الموقع الرسميّ للبهائيّين.[12]
فالسؤال الذي يجيب عنه الفقهاء لا يتوقّف على ما يقصده كلّ محتفلٍ في قلبه. وقد رأيت أنّهم فرّقوا هم أنفسهم بين من يعظّم اليوم ومن يجري على العادة. لكنّ أصل اليوم عيدٌ له جذوره في دياناتٍ أخرى، وهذا ما جعلهم يدرجونه في باب أعياد غير المسلمين، كما ستقرأ في نصوصهم.
ما حكم الاحتفال بالنيروز؟
الأصل في المسألة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، الذي رواه أبو داود: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». وصحّحه الألبانيّ.[13]
ويقول شارحا الحديث في «عون المعبود» و«مرقاة المفاتيح» عن اليومين: «وهما يوم النيروز ويوم المهرجان، كذا قاله الشراح». وينقلان عن المظهر قوله: «فيه دليل على أن تعظيم النيروز والمهرجان وغيرهما، أي من أعياد الكفار، منهي عنه».[2] ويروي صاحب المرقاة أنّ عليًّا رضي الله عنه قُدّم إليه شيءٌ من الحلوى، فسأل عنه، فقالوا: للنيروز، فقال: «نيروزنا كل يوم».[14]
ويشرح صاحب «عون المعبود» لماذا كان الإبدال. فيقول إنّ «الحكماء المتقدمين المتعلقين بالهيئة»، أي علماء الفلك القدماء، اختاروا هذين اليومين المعتدلين عيدًا في أيّامهم. ثمّ يقول: «وقلدهم أهل زمانهم لاعتقادهم بكمال عقول حكمائهم، فجاء الأنبياء وأبطلوا ما بنى عليه الحكماء». ويقول في كلمة «خيرا» من الحديث: «وخيرا ليست أفعل تفضيل إذ لا خيرية في يوميهما»، أي إنّ الحديث لا يقارن بين خيرٍ وخيرٍ أكبر منه. ثمّ يذكر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن اللعب والسرور في النيروز والمهرجان، «وأمر بالعبادة لأن السرور الحقيقي فيها»، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.[2]
وفي الشرحين نفسيهما نصوصٌ من فقهاء الحنفيّة تفرّق بين حالتين. فأبو حفص الكبير يقول: «من أهدى في النيروز بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم فقد كفر بالله تعالى وأحبط أعماله». والقاضي أبو المحاسن الحسن بن منصور يفصّل في من اشترى في هذا اليوم ما لم يكن يشتريه في غيره، أو أهدى فيه هديّة. فيقول: «فإن أراد بذلك تعظيم اليوم كما يعظمه الكفرة فقد كفر». ثمّ يقول: «وإن أراد بالشراء التنعم والتنزه، وبالإهداء التحاب جريا على العادة، لم يكن كفرا، لكنه مكروه كراهة التشبه بالكفرة».[2]
وتجمع الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة نصوصًا من مذهبين في الموضع نفسه. فتقرّر أنّه «لا يجوز التشبه بالكفار في أعيادهم». وتنقل كلام قاضي خان من الحنفيّة بالتفصيل نفسه، وتذكر أنّ ابن القاسم من المالكيّة كره للمسلم أن يهدي إلى النصرانيّ في عيده، «ورآه من تعظيم عيده».[15]
وتعلّل الموسوعة هذا الحكم بأنّ «الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك»، كالقبلة والصلاة والصيام. فالموافقة في العيد كلّه عندها «موافقة في الكفر». والموافقة في بعض فروعه «موافقة في بعض شعب الكفر»، لأنّ الأعياد «من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر». وتنتهي من ذلك إلى أحكامٍ عمليّة: من صنع دعوةً مخالفة للعادة في هذه الأعياد لم تجب دعوته. ومن أهدى من المسلمين هديّةً فيها مخالفةً للعادة في سائر الأيّام لم تُقبل هديّته.[15]
وأوسع ما كُتب في المسألة كلام ابن تيمية. فهو يقول في مجموع الفتاوى: «لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران». ويكمل: «ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة، أو غير ذلك». ويضيف إلى ذلك: «ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة». ثمّ يجمع ذلك كلّه في جملة: «وبالجملة، ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم». فيكون يوم عيدهم عند المسلمين، كما يقول، كسائر الأيّام. ثمّ يقول: «وأما تخصيصه بما تقدم ذكره، فلا نزاع فيه بين العلماء». ويذكر بعد ذلك أنّ طائفةً من العلماء ذهبت إلى تكفير من يفعل هذه الأمور، «لما فيها من تعظيم شعائر الكفر». وهو القول نفسه الذي رأيته عند أبي حفص الكبير من الحنفيّة. ويذكر فيه قول عبد الله بن عمرو بن العاص: «من تأسى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم، ومهرجانهم»، حتّى يموت وهو كذلك، حُشر معهم يوم القيامة.[16] وقد فصّل المسألة كذلك في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم».
واليومان اللذان جاء بهما الحديث بديلًا يومان مختاران. فعيد الفطر يأتي بعد صيام رمضان، وعيد الأضحى في أيّام الحجّ، فكلاهما مربوطٌ بعبادةٍ يقوم بها المسلم قبله أو فيه. فالفرق بين العيدين ويومَي النيروز والمهرجان، في نظر هذه النصوص، فرقٌ في معنى العيد نفسه: يومٌ يُحتفل فيه بإتمام عبادة، ويومٌ يُحتفل فيه بالفصل.
والذي يخرج به القارئ من هذه النصوص واضح، وهو موقف هذا المقال. فالمسلم يكتفي بعيدَي الفطر والأضحى اللذين أبدله الله بهما، ولا يخصّ يوم النيروز بطعامٍ ولا لباسٍ ولا هديّةٍ ولا احتفال. وحكايات جمشيد وكاوه، وتاريخ الخراج والتقويم، وأبيات البحتري في الربيع، معرفةٌ بتاريخ المنطقة وشعوبها وأدبها، يقرؤها المسلم ويفهم بها جيرانه، من غير أن يجعل اليوم عيدًا له.
والفقهاء أنفسهم فرّقوا بين تعظيم اليوم وبين ما يجري بين الناس عادةً من غير قصد تعظيمه، كما رأيت في كلام القاضي أبي المحاسن وقاضي خان. فالتشديد في النصوص موجّهٌ إلى من يعظّم اليوم تعظيم أهله له، والكراهة إلى ما يقع على وجه التشبّه. وهذا التفريق نفسه يحفظ لك أمرين معًا: وضوح الموقف في العيد، وحسن المعاملة مع جارك وزميلك الذي يحتفل به، فتعرف عيده ولا تشاركه فيه، وتبقى معه على البرّ والإحسان.
وفي 21 آذار 2027 تعود العطلة في سوريا، وتعود الشعلة إلى قلعة كركوك، والسفرة إلى بيوت طهران، والقدور إلى ساحات طاجيكستان. وما تعرفه الآن عن هذا اليوم يكفيك لتفهم جيرانك حين يحتفلون، ولتعرف موقفك أنت منه: يومٌ تعرف تاريخه وحكاياته وأشعاره، ويبقى عندك يومًا من أيّام الربيع، وعيداك الفطر والأضحى.
المصادر
- موسوعة الجزيرة، «نصّ المرسوم الرئاسي الخاص بحقوق المواطنين الكرد في سوريا»، 17 كانون الثاني 2026، عن الوكالة العربيّة السوريّة للأنباء (سانا): مرسومٌ من 8 مواد صدر في 16 كانون الثاني 2026.
- العظيم آبادي، «عون المعبود شرح سنن أبي داود»، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين، الجزء 3، ص 361، على موقع إسلام ويب: تعريف النيروز من القاموس، و«وهما يوم النيروز ويوم المهرجان، كذا قاله الشراح»، وقول المظهر، وقولا أبي حفص الكبير والقاضي أبي المحاسن.
- مركز الفتوى في إسلام ويب، «عيد النيروز.. تعريفه وحكمه»، الفتوى 119796، 2 نيسان 2009، وفيها نصّ الفيّوميّ في المصباح المنير (2/599): «وهو أول السنة لكنه عند الفرس عند نزول الشمس أول الحمل وعند القبط أول توت».
- موسوعة إيرانيكا، «NOWRUZ i. In the Pre-Islamic Period»: تثبيت النيروز عند الاعتدال الربيعيّ في التقويم الزرادشتيّ، وصلة جمشيد بالنيروز في الشاهنامه، و«Taḵt-e Jamšid».
- موقع الجزيرة نت، «أكراد العراق يحيون عيد النوروز.. وهذه قصة الحكايات والأساطير المرتبطة به»، 21 آذار 2022: رواية كاوه الحدّاد وزهاك كما ينقلها باحثون كرد.
- موسوعة إيرانيكا، «KĀVA (newspaper)»: «Kāva… the legendary hero of ancient Iran who rose against Żaḥḥāk, the bloodthirsty tyrant».
- موسوعة إيرانيكا، «NOWRUZ ii. In the Islamic Period»: دخول العرب عاصمة الساسانيّين يوم نيروز (عن اليعقوبي)، وضرائب النيروز والمهرجان، واحتفال الأمويّين والعبّاسيّين (عن المسعودي)، والنيروز في مصر الفاطميّة (عن المقريزي والقلقشندي والنويري)، وتقويم ملكشاه سنة 471/1079.
- محمد بن جرير الطبري، «تاريخ الأمم والملوك»، الجزء العاشر، سنة 282، «ذكر أمر النيروز المعتضدي»، على ويكي مصدر.
- البحتري، قصيدة في الربيع يخاطب الفتح بن خاقان، كما نقلتها مجلّة الرسالة، العدد 39، «رسالة الربيع» على ويكي مصدر.
- منظّمة اليونسكو، «Nawrouz, Novruz, Nowrouz… Nowruz»، القائمة التمثيليّة للتراث الثقافيّ غير المادّيّ، قُرئ في 2 تشرين الأوّل 2026: ثلاث عشرة دولة منها العراق، وتوسيعٌ في 2024 (19.COM)، ووصف احتفال الكازاخ في منغوليا، و«a traditional folk spring festival based on the worship of nature, the sun and the universe».
- الأمم المتّحدة، «International Nowruz Day»: القرار A/RES/64/253، الجلسة العامّة 71 في 23 شباط 2010.
- الجامعة البهائيّة العالميّة، «The Bahá’í Calendar»: «The Bahá’í New Year (Naw-Rúz) is astronomically fixed, coinciding with the vernal equinox».
- سنن أبي داود، كتاب الصلاة، الحديث 1134، على موقع Sunnah.com، وحكم الألبانيّ: صحيح.
- الملّا علي القاري، «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين، الجزء 3، على موقع إسلام ويب: الشرح نفسه، وقول عليّ «نيروزنا كل يوم».
- «الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة» (12/7)، مادّة «التشبّه»، كما ينقلها موقع الإسلام سؤال وجواب في المكتبة الشاملة: «لا يجوز التشبه بالكفار في أعيادهم»، وكلام قاضي خان، وكراهة ابن القاسم الهديّة في عيد النصارى.
- ابن تيمية، «مجموع الفتاوى»، الجزء 25، ص 329 و330، سؤالٌ عمّا يفعله بعض الناس في أعياد غير المسلمين، وكتابه «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم».