محمد قتيبة شيخانيأبني. أستكشف. أشارك

19من 19

استضافة الويب

الاستضافة الخضراء: من أين تأتي كهرباء موقعك، وما الذي تغيّره أنت

رسمٌ بخطوطٍ رفيعة على خلفيّةٍ فاتحة لصندوقين متماثلين: «خادمٌ في فنلندا» وتحته 30 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكلّ كيلوواط ساعة، و«خادمٌ في الدمّام» وتحته 381 غرامًا، وبينهما «الشركة نفسها»، وتحتهما بالأحمر «الخادم نفسه، وكهرباءٌ مختلفة»، ثمّ عنوان المقال «الاستضافة الخضراء».

في 16 أبريل 2026 نشرت الوكالة الدوليّة للطاقة تحديثها لأرقام الذكاء الاصطناعيّ والطاقة. وفيه أنّ مراكز البيانات استهلكت 485 تيراواط ساعة في 2025، وأنّ الرقم يُتوقّع أن يتضاعف تقريبًا إلى 950 تيراواط ساعة في 2030، أي نحو 3% من كهرباء العالم.[1] موقعك جزءٌ صغيرٌ جدًّا من هذا الرقم، لكنّه جزءٌ حقيقيّ: كلّ صفحةٍ تُفتح منه تشغّل خادمًا في مركز بيانات، وشبكةً تنقلها، وجهازًا يعرضها في يد زائرك.

وأسرع ما ينمو في هذا الرقم مراكز الذكاء الاصطناعيّ. يقول التقرير نفسه إنّ استهلاك مراكز البيانات المخصّصة للذكاء الاصطناعيّ يتضاعف ثلاث مرّاتٍ حتى 2030، أسرع بكثيرٍ من مراكز البيانات عمومًا. ويقول إنّ إنفاق كبرى شركات التقنية على بنائها تجاوز 400 مليار دولار في 2025، ويُتوقّع أن يزيد 75% أخرى في 2026.[1] فإن أضفت إلى موقعك مساعدًا يجيب الزوّار بنموذج ذكاءٍ اصطناعيّ، فكلّ سؤالٍ يُرسل إلى مركز بياناتٍ آخر، واستهلاكه لا يظهر في فاتورة استضافتك ولا في أيّ رقمٍ تقيسه.

هذا آخر مقالٍ في السلسلة، وهو عن الاستضافة الخضراء. ماذا تعني هذه الكلمة حين تكتبها شركة استضافةٍ في إعلانها، وكيف تفحص ادّعاءها، ولماذا يكون أثقل ما تتحكّم فيه أنت بيدك هو وزن صفحاتك، أكثر من اسم الشركة التي تستضيفها.

أين تذهب الطاقة حين يفتح أحدٌ صفحتك

أكثر نماذج قياس أثر المواقع استعمالًا اليوم نموذجٌ مفتوحٌ اسمه نموذج تصميم الويب المستدام، تطوّره عدّة جهاتٍ منها مؤسّسة الويب الأخضر، ووصل اليوم إلى نسخته الرابعة. يقسم هذا النموذج الطاقة التي تستهلكها زيارة صفحةٍ إلى ثلاثة أجزاء: مراكز البيانات، والشبكات التي تنقل البيانات، وأجهزة الزوّار.[2]

ويحسب النموذج لكلّ جزءٍ متوسّط ما يستهلكه لكلّ غيغابايت ينتقل، بقسمة استهلاك العالم على حجم البيانات المنقولة فيه. والنتيجة في نسخته الرابعة: 0.055 كيلوواط ساعة لمراكز البيانات، و0.059 للشبكات، و0.080 لأجهزة المستخدمين، لكلّ غيغابايت.[2] اجمع الأرقام الثلاثة تجد 0.194، ونصيب مراكز البيانات منها أقلّ من الثلث.

لنأخذ مثالًا بهذه الأرقام. صفحةٌ وزنها 2 ميغابايت، أي 0.002 غيغابايت، تستهلك في كلّ زيارةٍ نحو 0.39 واط ساعة. فإن زارها عشرة آلاف شخصٍ في الشهر، صار المجموع نحو 3.9 كيلوواط ساعة، وهو قريبٌ ممّا يستهلكه مصباحٌ صغيرٌ من خمسة واطات يعمل طوال الشهر ليلًا ونهارًا. الرقم تقريبيّ، لأنّ النموذج يستعمل متوسّطات العالم، لكنّه يريك النسبة بين الأجزاء، وهذه هي الفكرة التي يقوم عليها المقال كلّه.

يرسم الشكل 1 هذه النتيجة. الاستضافة الخضراء، مهما كانت صادقة، تعمل على الجزء الأوّل وحده: كهرباء مركز البيانات. أمّا وزن الصفحة فيدخل في الأجزاء الثلاثة معًا، لأنّ كلّ ميغابايت تزيله من صفحتك لا يُخدم من الخادم، ولا يُنقل عبر الشبكة، ولا يُعالج على هاتف زائرك. ولهذا يحسب النموذج نفسه عامل الاستضافة الخضراء على الجزء التشغيليّ لمراكز البيانات فقط.[2]

وفي النموذج تفصيلٌ ثانٍ يستحقّ الانتباه: يفرّق بين الانبعاثات التشغيليّة، أي الكهرباء التي تُستهلك الآن، والانبعاثات المتجسّدة، أي ما انبعث في صناعة الخوادم والشبكات والأجهزة نفسها. وعامل الاستضافة الخضراء في معادلته يخفّض الجزء التشغيليّ لمراكز البيانات وحده، ويترك الجزء المتجسّد كما هو. فحتى مزوّدٌ يعمل بطاقةٍ متجدّدةٍ بالكامل يشغّل خوادم صُنعت بطاقةٍ غير نظيفة، وتحتاج أن تُستبدل بعد سنوات.

شكل 1 أين تذهب طاقة زيارة الصفحة ثلاثة صناديق من اليمين إلى اليسار بعرضٍ يتناسب مع الطاقة لكلّ غيغابايت في نموذج تصميم الويب المستدام: مركز البيانات 0.055، والشبكة 0.059، وجهاز الزائر 0.080 كيلوواط ساعة. فوق مركز البيانات وحده: الاستضافة الخضراء تعمل هنا. وتحت الصناديق الثلاثة معًا: وزن الصفحة يدخل في الثلاثة. الاستضافة الخضراء تعمل هنا مركز البيانات 0.055 kWh/GB الشبكة 0.059 kWh/GB جهاز الزائر 0.080 kWh/GB وزن الصفحة يدخل في الثلاثة أين تذهب طاقة زيارة الصفحة ثلاثة صناديق من الأعلى إلى الأسفل: مركز البيانات 0.055، والشبكة 0.059، وجهاز الزائر 0.080 كيلوواط ساعة لكلّ غيغابايت. الاستضافة الخضراء تعمل على الصندوق الأوّل وحده، ووزن الصفحة يدخل في الثلاثة. الاستضافة الخضراء: هنا فقط مركز البيانات 0.055 kWh/GB الشبكة 0.059 kWh/GB جهاز الزائر 0.080 kWh/GB وزن الصفحة: في الثلاثة
الطاقة التي تستهلكها زيارة صفحةٍ في نموذج تصميم الويب المستدام: مركز البيانات والشبكة وجهاز الزائر. الاستضافة الخضراء تخفّض الجزء الأوّل وحده، ووزن الصفحة يدخل في الثلاثة.

الكهرباء التي تغذّي خادمك

الطاقة التي يستهلكها الخادم نصف الحكاية. النصف الآخر مصدر هذه الطاقة، وهو يختلف كثيرًا من بلدٍ إلى آخر. تقول بيانات مؤسّسة Ember، التي تجمع أرقام الكهرباء في العالم، إنّ الطاقة النظيفة ولّدت 59% من كهرباء ألمانيا في 2025، ومتوسّط الاتّحاد الأوروبيّ 71%.[3] وفي الإمارات تبلغ حصّة الكهرباء النظيفة 32%، وفي السعوديّة 2%، بحسب صفحاتها المحدّثة في أبريل 2026.[4][5]

فالخادم نفسه، بالحمل نفسه، يترك أثرًا مختلفًا بحسب الشبكة التي يتّصل بها. ومع هذا لا أنصحك أن تنقل موقعك إلى أوروبا لأنّ كهرباءها أنظف، إن كان جمهورك في الخليج. رأيت في مقال سرعة الموقع أنّ المسافة بين الخادم والزائر تدخل في كلّ صفحةٍ تفتح، وفي مقال كيف تختار استضافة موقعك أنّ مكان الخادم قد تحكمه قوانين البيانات أيضًا. رأيي أن تختار المكان بحسب جمهورك وقوانينك أوّلًا، ثمّ تسأل المزوّد في ذلك المكان عن مصدر كهربائه.

وهذا السؤال يختلف جوابه بين مزوّدين في المدينة نفسها. بعضهم يشتري كهرباءه من الشبكة كما هي، وبعضهم يوقّع عقودًا طويلةً مع محطّاتٍ شمسيّةٍ أو محطّات رياحٍ جديدة، وبعضهم يشتري شهاداتٍ تقابل استهلاكه. والفرق بين هذه الطرق هو موضوع القسم التالي.

الشركة نفسها، ومنطقتان مختلفتان

أوضح مثالٍ على أثر المكان جدولٌ تنشره Google لمناطق خدمتها السحابيّة، فيه لكلّ منطقةٍ متوسّط نسبة الطاقة الخالية من الكربون ساعةً بساعة في 2025، وكثافة الكربون في شبكتها. في الدوحة 0% من الطاقة الخالية من الكربون و370 غرامًا من ثاني أكسيد الكربون لكلّ كيلوواط ساعة، وفي الدمّام 1% و381 غرامًا. وفي فرانكفورت 70% و276 غرامًا، وفي فنلندا 98% و30 غرامًا، وفي مونتريال 97% و11 غرامًا. وتصف الشركة المنطقة بأنّها منخفضة الكربون إن بلغت نسبتها 75% أو نزلت كثافتها إلى 200 غرام فما دون.[6]

الخدمة واحدة، والشركة واحدة، وكثافة الكربون في شبكة الدمّام أكثر من اثني عشر ضعف كثافتها في فنلندا. ولهذا الجدول قراءتان بحسب مكان جمهورك. إن كان جمهورك في الخليج، فالقرب منه يخدم السرعة وقوانين البيانات، ولا يوجد اليوم بهذه الأرقام خيارٌ نظيفٌ في المنطقة نفسها. فأقوى ما تملكه هو تخفيف صفحاتك، وضبط التخزين المؤقّت، واختيار استضافةٍ على قدر حاجتك. وقد يتغيّر هذا خلال سنوات، والأرقام تُنشر كلّ عام، فأعد النظر في الجدول حين تجدّد اشتراكك. وإن كان جمهورك في أوروبا أو أمريكا الشماليّة، فاختيار منطقةٍ منخفضة الكربون في البلد نفسه أو في جاره لا يكلّفك في الغالب شيئًا من السرعة، فاسأل مزوّدك أيّ منطقةٍ يستعمل.

صورةٌ جوّيّة لمركز بيانات Google في إيمسهافن شمال هولندا: مبانٍ رماديّةٌ واسعة بين حقولٍ خضراء، حولها توربينات رياحٍ بيضاء كثيرة، وفي الخلفيّة على الساحل محطّة كهرباء تخرج من مداخنها سحب بخار.
مركز بيانات Google في إيمسهافن شمال هولندا، صُوّر من الجوّ سنة 2023، وحوله توربينات رياح، وفي الخلفيّة محطّة كهرباء على الساحل. ويذكر جدول Google نفسه أنّ منطقتها هناك استعملت 82% من الطاقة الخالية من الكربون في 2025.تصوير Wvdp سنة 2023، عبر ويكيميديا كومنز، ملكٌ عامّ بإسقاط CC0

ماذا تعني «خضراء» في إعلان استضافة

مؤسّسة الويب الأخضر، وهي منظّمةٌ غير ربحيّة تحتفظ بدليلٍ للمزوّدين الذين تحقّقت من ادّعاءاتهم، تشرح ما تقبله دليلًا على الطاقة الخضراء. وتقسم الخطوات التي تقبلها ثلاثة أنواع: التجنّب، وهو العمل بطاقةٍ متجدّدةٍ بالكامل أو في منطقةٍ شبكتها متجدّدةٌ في أغلبها. والتخفيض، وهو استعمال كهرباء الشبكة كما هي مع مقابلتها بتعرفةٍ خضراء أو بشهاداتٍ تثبت إنتاج مقدارٍ مماثلٍ من الطاقة المتجدّدة. والتعويض، وهو استعمال كهرباء الشبكة كما هي مع شراء أرصدة كربونٍ من جهةٍ موثوقة.[7]

الأنواع الثلاثة كلّها مقبولةٌ عند المؤسّسة، لكنّها ليست متساوية. التجنّب يغيّر الكهرباء التي تصل إلى الخادم فعلًا. والتخفيض يغيّر الحساب السنويّ دون أن يغيّر بالضرورة ما يجري في الشبكة في كلّ ساعة. والتعويض يدفع لمشروعٍ في مكانٍ آخر ليقابل انبعاثاتٍ حدثت هنا. وتشترط المؤسّسة في كلّ الحالات أن يكون الدليل حديثًا، وأن يحدث فرقًا حقيقيًّا، وأن يكون منشورًا للعامّة كلّما أمكن.[7]

شكل 2 درجات الادّعاء الأخضر: من الأقوى إلى الأضعف أربع درجات من الأعلى إلى الأسفل، والدليل يضعف كلّما نزلت. التجنّب: كهرباء متجدّدة تصل إلى المركز فعلًا. التخفيض: شهاداتٌ أو تعرفةٌ خضراء تقابل الاستهلاك. التعويض: أرصدة كربونٍ لمشروعٍ في مكانٍ آخر. وفي الأسفل شعارٌ فقط: كلمةٌ خضراء بلا وثيقة. التجنّب كهرباء متجدّدة تصل إلى المركز فعلًا التخفيض شهاداتٌ أو تعرفةٌ خضراء تقابل الاستهلاك التعويض أرصدة كربونٍ لمشروعٍ في مكانٍ آخر شعارٌ فقط كلمةٌ خضراء بلا وثيقة أقوى أضعف درجات الادّعاء الأخضر: من الأقوى إلى الأضعف أربع درجات من الأعلى إلى الأسفل، والدليل يضعف كلّما نزلت. التجنّب: كهرباء متجدّدة تصل إلى المركز فعلًا. التخفيض: شهاداتٌ أو تعرفةٌ خضراء تقابل الاستهلاك. التعويض: أرصدة كربونٍ لمشروعٍ في مكانٍ آخر. وفي الأسفل شعارٌ فقط: كلمةٌ خضراء بلا وثيقة. التجنّب كهرباء متجدّدة تصل إلى المركز فعلًا التخفيض شهاداتٌ أو تعرفةٌ خضراء تقابل الاستهلاك التعويض أرصدة كربونٍ لمشروعٍ في مكانٍ آخر شعارٌ فقط كلمةٌ خضراء بلا وثيقة
درجات الادّعاء الأخضر بتصنيف مؤسّسة الويب الأخضر: التجنّب ثمّ التخفيض ثمّ التعويض، وتحتها كلمةٌ بلا وثيقةٍ لا تُعدّ دليلًا على شيء.

ولنطبّق الشكل 2 على ادّعاءٍ حقيقيّ. تكتب شركة الاستضافة GreenGeeks في صفحتها عن نفسها إنّها تطابق استهلاكها للطاقة، من الخوادم إلى أجهزة الموظّفين، ثلاث مرّات، بالتعاون مع مؤسّسةٍ بيئيّةٍ أمريكيّة، وتسمّي ذلك «مطابقة الطاقة بنسبة 300%».[8] كلمة «مطابقة» هنا هي المفتاح: الشركة تقول إنّها تقابل استهلاكها، ولا تقول إنّ خوادمها تعمل بطاقةٍ متجدّدة. وهذا يضع ادّعاءها في خانة التخفيض على الأرجح، والسؤال المفيد لك أن تعرف كيف تتمّ المقابلة، وأين تقع مراكز بياناتها، ومن أيّ شبكةٍ تأخذ كهرباءها في كلّ مدينة.

وطبّق السؤال نفسه على الشركات الكبرى. تقول Google مثلًا إنّ هدفها تشغيل عمليّاتها بطاقةٍ خاليةٍ من الكربون في كلّ ساعةٍ وعلى كلّ شبكةٍ تعمل فيها بحلول 2030. وتقول إنّها وقّعت منذ 2010 أكثر من 240 اتّفاقيّةً لشراء نحو 35 غيغاواط من الطاقة النظيفة الجديدة.[9] هدف «كلّ ساعة» أصعب بكثيرٍ من المطابقة السنويّة، لأنّه يطلب كهرباء نظيفةً في الليل وفي الأيّام بلا رياح. ولاحظ أنّه هدفٌ لعام 2030، فاسأل عن الرقم المتحقّق اليوم.

الكفاءة: الرقم الذي لا يظهر في الإعلانات

السؤال الثاني بعد مصدر الكهرباء هو كم منها يضيع قبل أن يصل إلى الحوسبة. يقيس هذا مؤشّرٌ اسمه فعاليّة استخدام الطاقة، واختصاره PUE: الطاقة التي يستهلكها المركز كلّه مقسومةً على ما تستهلكه الأجهزة الحاسبة وحدها. مركزٌ قيمته 2 يستهلك واطًا إضافيًّا في التبريد وتوزيع الكهرباء مقابل كلّ واطٍ يصل إلى الخوادم. والمركز المثاليّ قيمته 1.

تقول Google إنّ متوسّط هذا المؤشّر في مراكز بياناتها كلّها كان 1.09 في 2025، وتنقل عن المسح العالميّ لمعهد Uptime لعام 2025 أنّ متوسّط المراكز التي شملها المسح 1.54.[10] الفرق كبير: في المتوسّط العالميّ يضيع أكثر من نصف واطٍ في كلّ واطٍ يصل إلى الحوسبة، وفي مراكز Google أقلّ من عُشره. والمزوّدون الكبار ينشرون هذا الرقم عادة، أمّا شركات الاستضافة الصغيرة التي تستأجر مساحةً في مراكز غيرها فقد لا تعرفه أصلًا. فاسأل عن اسم مركز البيانات الذي يعمل فيه خادمك، وابحث عن رقمه هناك.

وقد رأيت في مقال كيف تعمل الخوادم أنّ الحرارة من أكبر هموم مراكز البيانات، وهذا المؤشّر هو ترجمتها إلى أرقام. والمركز الكفؤ بكهرباء عاديّة قد يترك أثرًا أقلّ من مركزٍ مسرفٍ يشتري شهاداتٍ خضراء، ولهذا لا تكتفِ بالسؤال عن مصدر الكهرباء وحده.

وللتبريد وجهٌ آخر غير الكهرباء: الماء. كثيرٌ من مراكز البيانات تبرّد خوادمها بأنظمةٍ تستهلك الماء، وهذا سؤالٌ مهمٌّ في منطقةٍ شحيحة الماء كمنطقتنا. تقول Google إنّها توازن في كلّ موقعٍ بين توفّر الطاقة الخالية من الكربون وتوفّر الماء عند اختيار طريقة التبريد. وتقول إنّ 87% من الماء العذب الذي سحبته في 2025 جاء من مصادر خطر نضوبها منخفضٌ أو متوسّط.[9] والرقم يعني أيضًا أنّ جزءًا مما سحبته جاء من مصادر خطرها أعلى، وهذا من الأسئلة التي يستحقّ أن تطرحها على أيّ مزوّدٍ يدّعي الاستدامة في إعلانه.

برج تبريدٍ ضخم على سطح مركز بيانات في مدينة ميسا بولاية أريزونا: صفوفٌ من المراوح الدائريّة الكبيرة داخل إطارٍ معدنيٍّ بنّيّ، وتحتها أنابيب وممرّات صيانة.
برج تبريدٍ على سطح مركز بيانات في مدينة ميسا بولاية أريزونا الصحراويّة، صُوّر سنة 2025. أبراجٌ من هذا النوع تتخلّص من حرارة الخوادم بتبخير جزءٍ من الماء، ولهذا صار الماء سؤالًا ثانيًا بعد الكهرباء.تصوير Rsparks3 سنة 2025، عبر ويكيميديا كومنز، ملكٌ عامّ بإسقاط CC0

أربعة أسئلةٍ تطرحها على مزوّدك

إن أردت أن تعرف أين يقف مزوّدك، فاكتب له أربعة أسئلةٍ قصيرة، واقرأ الأجوبة بما رأيته في هذا المقال. الأوّل: في أيّ مركز بياناتٍ وفي أيّ مدينةٍ يعمل خادمي؟ والثاني: من أين تأتي كهرباء هذا المركز، وهل تُشترى منه مباشرةً أم تُقابل بشهاداتٍ أو أرصدة كربون؟ والثالث: ما قيمة مؤشّر كفاءة الطاقة في هذا المركز، ولأيّ سنة؟ والرابع: هل مزوّدكم مدرجٌ في دليلٍ مستقلٍّ للمزوّدين الموثّقين، وما رابط الوثيقة؟

المزوّد الجادّ يجيب عن الأسئلة الأربعة بأرقامٍ وروابط، أو يقول لك بصراحةٍ إنّه لا يعرف رقمًا منها لأنّه يستأجر مساحةً في مركز غيره. والجواب الذي يعيد عليك الشعار نفسه بكلماتٍ أخرى، دون مكانٍ ولا سنةٍ ولا وثيقة، هو جوابٌ أيضًا.

قانونٌ أوروبيّ يبدأ هذا الأسبوع

في الاتّحاد الأوروبيّ لم تعد الكلمات الخضراء العامّة مسألة ذوق. التوجيه الأوروبيّ 2024/825 يحظر على التجّار الادّعاءات البيئيّة العامّة، ويضرب أمثلةً منها: «صديقٌ للبيئة»، و«أخضر»، و«صديقٌ للمناخ»، و«موفّرٌ للطاقة»، ما لم يكن وراءها أداءٌ بيئيٌّ ممتازٌ معترفٌ به. ويحظر كذلك الادّعاء بأنّ منتجًا أو خدمةً أثرها محايدٌ أو منخفضٌ في الانبعاثات إن كان هذا الادّعاء قائمًا على التعويض بأرصدة الكربون. وتطبّق دول الاتّحاد هذه الأحكام ابتداءً من 27 سبتمبر 2026.[11]

ولهذا أثران عليك. الأوّل حين تقيّم شركة استضافة: شركةٌ تخاطب المستهلكين في أوروبا وتكتب «استضافةٌ محايدةٌ كربونيًّا» اعتمادًا على أرصدة التعويض وحدها تكتب شيئًا صار ممنوعًا هناك. والثاني حين تكتب عن موقعك أنت: إن كان مشروعك يبيع لزبائن في الاتّحاد الأوروبيّ، فلا تضع في تذييله «موقعٌ صديقٌ للبيئة» لأنّ مزوّدك يعرض شعارًا أخضر. اكتب ما فعلته بدقّة، كأن تذكر بكم خفّفت صفحاتك، أو في أيّ دليلٍ يُدرج مزوّدك، أو لا تكتب شيئًا.

أثقل ما تتحكّم فيه أنت: وزن الصفحة

عد إلى الشكل 1. الجزء الذي تتحكّم فيه أنت مباشرةً هو كمّيّة البيانات التي ترسلها صفحتك، وهي تدخل في الأجزاء الثلاثة كلّها. وكلّ ما رأيته في مقال سرعة الموقع يعمل هنا أيضًا: الصور بصيغٍ حديثةٍ وأبعادٍ صحيحة، والتحميل المؤجّل لما لا يظهر في أوّل الشاشة، وسكربتاتٌ أقلّ. الصفحة الأخفّ أسرع لزائرك، وأرخص لخادمك، وأقلّ أثرًا في الوقت نفسه.

والأثر لا يقف عند الكهرباء. ينقل نموذج تصميم الويب المستدام عن تقرير HTTP Archive السنويّ أنّ وزن صفحات الويب على الهاتف زاد 594% في عشر سنوات. ويقول إنّ هذا التضخّم من أهمّ ما يدفع الناس إلى تغيير أجهزتهم بسرعة، وصناعة الأجهزة نفسها مصدرٌ كبيرٌ للانبعاثات.[2] فالموقع الثقيل يبطئ الهاتف القديم حتى يبدو عطلًا، ويدفع صاحبه إلى شراء هاتفٍ جديد. وفي بلدانٍ كثيرةٍ من جمهورك، يعيش الناس بهواتف متوسّطة أو قديمة وباقات بياناتٍ محدودة، فالصفحة الخفيفة هناك مسألة وصولٍ قبل أن تكون مسألة بيئةٍ أو سرعة.

والتخزين المؤقّت له مكانٌ خاصٌّ في النموذج. يفرّق نموذج تصميم الويب المستدام بين الزائر الجديد والزائر العائد، ويحسب للعائد نسبةً من البيانات يأخذها من ذاكرة متصفّحه بدل أن تُرسل من جديد.[2] فالموقع الذي يضبط التخزين المؤقّت جيّدًا لا يرسل إلى زوّاره الدائمين الصور والخطوط والسكربتات نفسها في كلّ زيارة، وهذا يخفّض الأجزاء الثلاثة لكلّ من يعود إليك.

وهناك حمولةٌ لا يراها أحد: صورٌ رفعتها بدقّةٍ أعلى بكثيرٍ ممّا تحتاج الصفحة، ثمّ صغّرها المتصفّح عند العرض. ومعها خطوطٌ بأوزانٍ لا تستعملها، وإضافاتٌ تحمّل سكربتاتها في كلّ صفحةٍ وهي تعمل في صفحةٍ واحدة. افتح أدوات المطوّر في متصفّحك، وأعد تحميل صفحتك الرئيسيّة، وانظر إلى تبويب الشبكة: الرقم في أسفله هو ما يدفعه كلّ زائرٍ جديدٍ في كلّ زيارة.

ومن أثقل ما قد تجده هناك الفيديو الذي يعمل تلقائيًّا في أعلى الصفحة. مقطعٌ قصيرٌ في خلفيّة الصفحة الرئيسيّة قد يزن أكثر من الصفحة كلّها دونه، ويُحمَّل لكلّ زائرٍ حتى لو لم ينظر إليه. فإن كان لا يقول شيئًا لا تقوله صورة، فاستبدله بصورة، وإن كان مهمًّا، فاجعله يبدأ حين يضغط الزائر زرّ التشغيل.

لا تشترِ أكبر من حاجتك

الخادم الذي لا يعمل بكامل طاقته يستهلك كهرباء أيضًا. وقد رأيت في مقال الاستضافة المشتركة أنّ الخادم المشترك يقسم موارده بين مواقع كثيرة، فيعمل قريبًا من طاقته بدل أن ينتظر موقعًا واحدًا لا يملؤه أبدًا. فصاحب المدوّنة الصغيرة الذي يشتري خادمًا مخصّصًا ضخمًا لأنّه يبدو أقوى يدفع أكثر، ويشغّل عتادًا أكبر من حاجته، في وقتٍ واحد.

والقاعدة التي رافقت السلسلة كلّها تعمل هنا بالطريقة نفسها: اختر النوع الذي يناسب موقعك اليوم، وانتقل حين يكبر. الاستضافة المشتركة أو السحابيّة التي تكبر مع الحاجة غالبًا أكفأ في استعمال العتاد من خادمٍ نصف فارغ. والخادم المخصّص يستحقّ مكانه حين يملؤه موقعك فعلًا.

أخطاء شائعة

الخطأ الأوّل أن تصدّق الكلمة دون أن تسأل عن نوعها: «خضراء» قد تعني تجنّبًا أو تخفيضًا أو تعويضًا، والفرق بينها كبير. والخطأ الثاني أن تعدّ اختيار مزوّدٍ أخضر نهاية العمل، وموقعك يرسل خمسة ميغابايت في كلّ صفحة. الاستضافة تعمل على جزءٍ واحدٍ من ثلاثة، ووزن الصفحة على الثلاثة.

والخطأ الثالث أن تنقل موقعك بعيدًا عن جمهوره لأجل كهرباء أنظف، فتخسر السرعة، وربّما تخالف قوانين البيانات، مقابل فرقٍ لا تقيسه. والخطأ الرابع أن تكتب على موقعك ادّعاءً بيئيًّا عامًّا لا تستطيع إثباته، وقد رأيت أنّه صار ممنوعًا في أوروبا ابتداءً من هذا الشهر. والخطأ الخامس أن تعدّ الرقم الذي تعطيك إيّاه حاسبات الأثر قياسًا دقيقًا، وهو في الحقيقة تقديرٌ مبنيٌّ على متوسّطاتٍ عالميّة، يفيدك في المقارنة بين صفحتين أكثر ممّا يفيدك رقمًا مطلقًا.

جرّبه بنفسك

افتح أداة فحص الويب الأخضر من مؤسّسة الويب الأخضر، واكتب فيها نطاق موقعك، لترى هل مزوّدك في دليلها للمزوّدين الموثّقين.[12] ثمّ افتح حاسبة أثر المواقع، واكتب فيها عنوان صفحتك الرئيسيّة. تقول صفحة شرحها إنّها تحمّل الصفحة كما يحمّلها متصفّح، فتعرف حجم البيانات المنقولة. ثمّ تقدّر الانبعاثات بالنسخة الرابعة من النموذج، وتتحقّق من دليل مؤسّسة الويب الأخضر لتعرف هل الاستضافة تعمل بطاقةٍ متجدّدة.[13]

اكتب الرقمين في مكانٍ ما: حجم الصفحة وتقدير الأثر. ثمّ اختر أثقل ثلاث صورٍ في الصفحة، وحوّلها إلى صيغةٍ حديثةٍ بأبعادها الحقيقيّة، وأعد القياس. الفرق الذي تراه هو ما يكسبه كلّ زائرٍ جديد، في الأجزاء الثلاثة من الشكل 1، مهما كانت كهرباء مزوّدك.

وأخيرًا اعرف في أيّ بلدٍ يعمل خادمك، إن لم تكن تعرف. اسأل الدعم الفنّيّ، أو انظر في لوحة الاستضافة، فكثيرٌ منها يذكر المدينة التي اخترتها عند الشراء. ثمّ ابحث عن البلد في بيانات مؤسّسة Ember لتعرف حصّة الكهرباء النظيفة فيه، وإن كان مزوّدك يعمل على سحابةٍ كبرى، فابحث عن جدول مناطقها. بهذا تعرف الجزء الذي لا تستطيع تغييره بيدك، وتعرف لماذا يبقى وزن الصفحة هو الجزء الذي تستطيع.

خلاصة عمليّة

اختر مكان خادمك بحسب جمهورك وقوانينك، ثمّ اسأل مزوّدك في ذلك المكان سؤالين: من أين تأتي كهرباؤه، وما رقم كفاءة مركز بياناته. وحين تقرأ كلمة «خضراء» في إعلان، اعرف أيّ درجةٍ في الشكل 2 تعني، واطلب الوثيقة. ثمّ اعمل على ما تملكه بيدك: صفحاتٌ أخفّ، وتخزينٌ مؤقّتٌ مضبوط، واستضافةٌ على قدر حاجتك، ولا تكتب على موقعك ادّعاءً بيئيًّا لا تستطيع إثباته.

بدأت هذه السلسلة في مقال ما هي الاستضافة بسؤال: أين يعيش موقعك؟ وتنتهي هنا بالسؤال نفسه من زاويةٍ أخرى: من أين تأتي الكهرباء التي تبقيه حيًّا؟ وبين السؤالين رأيت أنواع الاستضافة ولوحاتها وأمانها وسرعتها ونقلها وبريدها وأدواتها. عد إلى أيّ مقالٍ منها حين تحتاجه، فأكثرها مكتوبٌ ليُرجع إليه في يوم قرار.

المصادر

  1. ‏International Energy Agency، «Key Questions on Energy and AI: Executive summary» (نُشر في 16 أبريل 2026): استهلاك مراكز البيانات 485 تيراواط ساعة في 2025، ويُتوقّع 950 في 2030، أي نحو 3% من الطلب العالميّ على الكهرباء؛ استهلاك مراكز الذكاء الاصطناعيّ يتضاعف ثلاث مرّات؛ إنفاق كبرى الشركات تجاوز 400 مليار دولار في 2025 ويُتوقّع +75% في 2026.
  2. ‏Sustainable Web Design، «Estimating Digital Emissions» (النسخة الرابعة من النموذج، قُرئت في 25 سبتمبر 2026): تقسيم الطاقة إلى مراكز البيانات والشبكات وأجهزة المستخدمين؛ 0.055 و0.059 و0.080 كيلوواط ساعة لكلّ غيغابايت؛ عامل الاستضافة الخضراء يُطبَّق على الجزء التشغيليّ لمراكز البيانات؛ نسبة الزائر العائد ونسبة البيانات من الذاكرة المؤقّتة؛ ونقلًا عن Web Almanac، زيادة وزن صفحات الهاتف 594% في عشر سنوات.
  3. ‏Ember، «Germany» (حُدّثت في 14 أبريل 2026): 59% من كهرباء ألمانيا من مصادر نظيفة في 2025، ومتوسّط الاتّحاد الأوروبيّ 71%.
  4. ‏Ember، «United Arab Emirates» (حُدّثت في 22 أبريل 2026): حصّة الكهرباء من مصادر نظيفة 32%، ومن الرياح والشمس 9%.
  5. ‏Ember، «Saudi Arabia» (حُدّثت في 22 أبريل 2026): حصّة الكهرباء النظيفة 2%، ومن الوقود الأحفوريّ 98%.
  6. ‏Google Cloud، «Carbon free energy for Google Cloud regions» (حُدّثت في 23 سبتمبر 2026، بيانات 2025): الدوحة 0% و370 غرامًا لكلّ كيلوواط ساعة؛ الدمّام 1% و381؛ فرانكفورت 70% و276؛ فنلندا 98% و30؛ إيمسهافن 82% و194؛ مونتريال 97% و11؛ «منخفضة الكربون» عند 75% فما فوق أو 200 غرام فما دون.
  7. ‏Green Web Foundation، «What we accept as evidence of green power» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): التجنّب والتخفيض والتعويض؛ الدليل حديثٌ ويحدث فرقًا ومنشورٌ للعامّة كلّما أمكن.
  8. ‏GreenGeeks، «About GreenGeeks» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): «300% Energy Match»، مطابقة استهلاك الطاقة ثلاث مرّات بالتعاون مع Bonneville Environmental Foundation.
  9. ‏Google Data Centers، «Operating sustainably» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): هدف الطاقة الخالية من الكربون في كلّ ساعة وعلى كلّ شبكة بحلول 2030؛ أكثر من 240 اتّفاقيّة لنحو 35 غيغاواط من الطاقة النظيفة الجديدة بين 2010 و2025؛ 87% من سحب الماء العذب في 2025 من مصادر خطر نضوبها منخفضٌ أو متوسّط.
  10. ‏Google Data Centers، «Efficiency» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): متوسّط PUE لمراكز Google في 2025 هو 1.09؛ ونقلًا عن مسح Uptime Institute العالميّ لعام 2025، متوسّط المراكز المشمولة 1.54.
  11. ‏EUR-Lex، «Directive (EU) 2024/825» (Empowering consumers for the green transition): حظر الادّعاءات البيئيّة العامّة دون أداءٍ ممتازٍ معترفٍ به، وحظر ادّعاءات الأثر المحايد القائمة على التعويض؛ التطبيق من 27 سبتمبر 2026 (المادّة 4).
  12. ‏Green Web Foundation، «Green Web Check» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): أداة فحص النطاق مقابل دليل المزوّدين الموثّقين.
  13. ‏Website Carbon Calculator، «How does it work?» (قُرئت في 25 سبتمبر 2026): تحميل الصفحة كمتصفّح لقياس حجم البيانات، والتقدير بالنسخة الرابعة من نموذج تصميم الويب المستدام، والتحقّق من دليل مؤسّسة الويب الأخضر.

اترك تعليقاً

الحقول المميّزة بـ مطلوبة